المسرح العربي : قراءة سريعة في الكوميديا

ارتبط المسرح العربي عبر تاريخه بهموم جمهوره العريض وتطلعاته؛ وعبَّر عن ذلك بأنماط ومناهج متعددة , امتدت من الهزليات الخفيفة إلى الملحميات الكبيرة. وكان للكوميديا ثمة موقع متميز في تاريخه .. ومن هنا احتلت الكوميديا مركز الصدارة في المناقشات الدائرة حول قضايا المسرح العربي وموضوعاته اليوم؛ ويمكن أنْ نلخِّصَ أبرز الأسباب والدوافع التي تكمن وراء الأهمية المتميزة للكوميديا وللدراسات النقدية التي تتناولها, فيما يأتي:

1ـ سعة عدد العروض (الكوميدية) في المواسم الأخيرة.

2 ـ افتتاح مسارح جديدة (فرقا وقاعات عرض) كان كثير منها همّه الأساس حركة شباك التذاكر ومردوده المادي.

3 ـ ازدياد رواد هذه العروض وذلك انعكاسا للسبب الأول إلى جانب عوامل أخرى, منها على سبيل المثال لا الحصر التغيرات في بنية الهيكل الاجتماعي العام واتساع الرفاه المادي لفئات اجتماعية معينة (صعود نجم طبقات استغلالية جديدة) مع اتساع مساحة أوقات الفراغ بعد يوم العمل الاعتيادي. فضلا عن ارتقاء الوعي والذوق الفني سواء أكان ذلك جوهريا عند (البعض) أم من خلال المحاكاة الساذجة وروح التمظهر الاجتماعي عند (البعض القليل) الآخر. ثم أنَّ آلية تفريغ الشدّ والتوتر في الظروف الجديدة تصب في أحيان عديدة باتجاه القاء المسرحي (الكوميدي).

4 ـ كون النسبة الغالبة لجمهور هذه العروض هم من العوائل وعلى وجه الخصوص فئة الشبيبة التي مازالت في طور التكوين الجمالي والفكري.إنَّ دخولَ العائلة العربية الشابة في هذه العروض والمسارح يحمّلنا مسؤولية وضعِ ضوابط وقيمِِ مقبولة فيما يتعلق بحدودِ اللياقةِ الأدبية؛ ومنع ظاهرة الإسفاف والابتذال سواء على صعيد النص أم الأداء!

ولكن ما الأسس التي يمكن في ضوئها تحديد هذه القيم والضوابط؟ إنّ الإجابة عن هذا السؤال يمكن أنْ تتحدد إذا ما حدّدنا أولا مفهوم الكوميديا الحقيقية, مستندين في ذلك إلى عوامل الاختلاف بينها وبين المهزلة (FARCE) وهي الصنف الأقرب إلى تشخيص كثير من العروض المسرحية التي قُدِّمت على خشبة المسرح العربي في السنوات الأخيرة؛ من دون أنْ نغفل جميع تلك الروائع التي قدِّمت في الفترة ذاتها.

تمدنا الكوميديا ببصيرة نافذة لا تتناول الحياة الإنسانية في مشكلاتها المجردة ولكنها تنصب على سلوكيات المجتمع ووسائله ومواضع الضعف في الخلق الإنساني وما يتسم به من شذوذ؛ وهي بهذا المفهوم تمتلك هدفاََ إيجابياََ يتمثل بالترفيه بمعناه الواسع الذي يتجاوز حدود التسلية والضحك لمجرد الضحك. فالترفيه هنا إشباع للحاجات الإنسانية الانفعالية والذهنية على حد سواء, أي أنّه يتضمن ـ بوصف المسرحية الكوميدية وسيلة للامتاع ـ أهدافاََ تكسر حدود دغدغة المشاعر والأحاسيس مثلما تفعل العروض الهزلية المتوسلة للطرق الرخيصة والمبتذلة.. حيث تضحي المهزلة (الفارصThe Farce ) بالأخلاق من أجل المقالب التي تحطم القواعد والأعراف الاجتماعية العامة, فتسخر مهزلة بعينها من سلطة الأب والعلاقات العائلية من أجل مقالب التقاذف بين الأبناء بالفطائر في إطار صنع مشهد الضحك على هذه الشخوص.. وتعدّ هذه الحالة قاعدة بنائية لجنس المهازل (The Farces).

حيث تحاول خلق الضحك بتقوية المقالب …الهزلية على حساب الشخصيات والسلوك المهذب وربّ قائل إنّ العاملَ المشترك ـ على الرغم من هذا التفسير ـ يبقى منحصراََ بالضحك سواء في الكوميديا أم المهزلة, غير أنّ هذا القول ينبغي ألا ينسينا أنّ الاختلاف الحقيقي بين الصنفين, على هذا الأساس, ليس في نسبة الإضحاك أو كميته, كما يتبادر إلى الذهن مباشرة, وإنما في الغرض منه وفي وسائل تجسيده.

ولكي نتعمق في توضيح مفهوم الكوميديا لا نقف عند حدود معطيات التسلية والترفيه بما يحملان من خصوصية الدلالة, وإنما نحتاج لوقفة متأنية مع مفهوم الضحك بوصفه القاسم المشترك البادي للعيان والمباشر… وينبغي القول بدءا إن الضحك ظاهرة اجتماعية في جوهره, إذْ أننا لا نستطيع الضحك بإفراط ووضوح حين نكون لوحدنا إلا إذا تخيلنا مشاركة الآخرين في العملية؛ فالضحك إذن استجابة جماعية يمكن لأجواء (اللقاء) المؤقت لجمهور المسرح أنْ تثيره بحسب طبيعة المشاهد المعروضة. ويمكن القول إنَّ ثمة نمطين للتعبير المضحك عند كتّاب الكوميديا هما المضحكات الشعورية ( التندر ـ الفكاهة ـ اللمز) والمضحكات غير الشعورية ( الضحك التلقائي). وبناء على ذلك فإن دواعي الضحك قد تكون متمثلة في الحطّ من المقام وقلب أوضاع الشخصيات أو في عدم الملاءمة وانتفاء التجانس أو باصطدام شعور بآخر أو في الرغبة في التحرر من القيود والضوابط الاجتماعية السائدةه ويجسِّد كتّاب هذا النمط المسرحي (الكوميديا) أنواع عوامل الإضحاك بـِ 

1 ـ السمات المادية للشخصيات.

2 ـ سلوك هذه الشخصيات.

3 ـ ذهنيتها وأسلوب تفكيرها.

4 ـ المواقف المختلفة والمتناقضة.

5 ـ الكلام:  مثل استغلال اللهجات المتجاورة واختلاف استخدام بعض المفردات فيها

بقي ثمة مسألة حيوية أخرى في موضوعنا وهي مسألة تحملُ خطورة كبيرة, ويمكن أنْ نقول إنها الغاية الدائمة لأي عمل مسرحي.. إنها مسألة الجمهور… حيث يحلو (للبعض) إطلاق فكرة ( هذا ما يريده الجمهور) والدعاية والتطبيل لهذه الفكرة. إنها محاولة توْهِمُ بوجود نوع واحد من جمهور المسرح ومن الذوق السائد وطريقة التفكير, بل إننا نلاحظ إنفاق الأموال الطائلة في محاولة إشباع حاجة ( هذا الجمهور الوهمي المفترض) في الوقت الذي يؤكد الواقع وجود أنماط مختلفة من الجمهور المسرحي ولكل منها ذوقه الخاص وفهمه الخاص أيضا.. والمتتبع لتاريخ المسرح يعرف كثيرا من الشواهد التي تؤكد هذه الحقيقة. فإذا كان صحيحا أن العروض الهزلية الساذجة قد لبّت حاجة جمهور معين وداعبت أحاسيسه من خلال تحقّق وهمي, متخيل في (ذهنيته) , لطموحات وآمال صغيرة في الوصول إلى الثروة والرفاه وكسر قيود الواقع إلى غير هذه الأحلام الوهمية , فإن من الصحيح أيضا أن هذه الحالة الطارئة ـ على الحياة المسرحية من جهة وعلى نمط الجمهور المسرحي من جهة أخرى ـ قد امتدت واتسعت مؤخرا في ظروف معينة تمر بها شخصية المتلقي العربي لهذا الفن.لقد وُلِد المسرح من وسط احتفالات الجمهور بأعياده وظل منذ ولادته ومايزال حاملا طابع الالتصاق بواقع هذا الجمهور وتجسيد شؤونه المختلفة. وعليه فمسرح اليوم وهو يقوم بفعالية تفريغ التوتر والشدّ الكبير الذي يلاحق إنسان العصر بعد أيام العمل وعنائها إنما يقوم بمهمة هادفة تمتلك مقومات موضوعيتها بالضد من تصور بعضهم الذي يتسم بالعبثية واللاغائية, حيث يتخذون نموذجهم في مسرح جذب الجمهور عن طريق تقديم المهازل الهابطة والغنائيات الراقصة الرخيصة التي تعتمد طريقة الإبهار عبر قدرة هذا الفنان أو تلك الفنانة على أداء الحركات والسكنات المثيرة للابتذال.وخلاصة القول فإنَّ مفهومَ الكوميديا تعرّض للتشويه من جهة وذلك بوضعه عنوانا لكل عرضِِ (مسرحي) يتوسل الضحك وإلى الخلط بينه وبين أصناف أقل شأنا في سبيل جذب الجمهور ومخادعته بل توريطه في مشاهدة أعمال لا تمتّ بصلة للكوميديا الحقيقية (المهذبة).ولعلّ هذه الحالة لا تقتصر على ما شهده المسرح العربي من عروض (طارئة عليه) وإنّما نجده حالة ثابتة ( تشكل ظاهرة) في كثير من المسارح العالمية معبرا بذلك عن أهداف المسرح (التجاري) وغاياته خير تعبير.ولم يقف النقد المسرحي الجاد مكتوف الأيدي, فكان له دوره الكبير في محاصرة هذه الظاهرة الطارئة وفي إشاعة القيم والمفاهيم الصادقة للكوميديا الحقيقية. ونحن هنا نتوصل بناء على ما جاء من تحديد لمفاهيم المتعة والترفيه والضحك وأنماط جمهور المسرح, إلى أنّ الكوميديا الحقيقية هي ضحك بمضمون واحترام ومنفعة إنسانية, وهي أيضا ذوق راق ومحتوى فلسفي فيما تمثل المهزلة (الفارص FARCE) خاصة عند (جماعة المسرح التجاري) قهقهة فارغة وابتذال ونفعية تجارية (مادية) وقلة ذوق وسوقيةه ويمكن القول إنّ الأخيرة(THE FARCE) مثّلت إضرارا بالغا بالقيم الفنية والفكرية على حد سواء فيما يخصّ المسرح من جهة وفيما يتعلق بجمهوره من جهة أخرى.إنّ الكوميديا الحقة بهذا المفهوم بعيدة كل البعد عن العروض التجارية السائدة وهي إذا كانت تضحك فإنها تتوسل بالإضحاك إلى تجسيد رؤية معينة في الحياة وفي العلاقات الإنسانية بل في المجتمع والعصر بأسره. وهي بهذا تقوم على موضوع وفكرةِ تحقّقِ غايةِِ محددةِِ بوسيلة الضحك من المآزق والإشكالات التي تقع لشخوصها. ومن هذا المنطلق يكون للكوميديا أهمية جدية عميقة ذلك أنها تظل دائما مطلوبة من ناحية قدرتها على جذب الجمهور ولكن ! وهذه الـ ( ولكن) اعتراض قاطع وحاسم تجاه ما تفعله المهزلة التجارية من تخريب وتشويه وهي لا تمثل الاختلاف بين صنفين بل تضع تقاطع التضاد بينهما؛ بين العمل الذي يجعل الإنسان جوهرا له وبين من يضحك على الإنسان وقيمه الجمالية الراقية والأخلاقية المهذبة.وهكذا فإننا مع وجود الكوميديا على أنْ تكون هذه الكوميديا هي كوميديا الذوق الراقي فنا وسلوكا؛ وإلا فإننا لا نتفق مع الهزليات التجارية الرخيصة ليس لتخريبها الذوق والأخلاق حسب ولكنها فوق ذلك لا تشكّل لنا أية قيمة فنية جمالية , بخاصة عندما نتذكر ظروف ولادتها سواء في تاريخها الأول أم في ظروفنا القائمة اليوم..

 

...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *