إضاءة في الخطاب الدرامي

                               أُعِدَتْ هذه الورقة للمداخلة في نطاق أحدى ندوات مهرجان عربي لمسرح الهواة الذي انعقد  في منتصف التسعينات, وهي لهذا تحمل كثيرا ََ من العجالة والإيجاز , وغاية هذه الورقة مبثوثة في أسطرها لا في نقطة على حافتها , وذلك من أجل الخروج بتصور يؤسس لمفهوم هذا الخطاب في إطار التداخلات النقدية المقترحة.

                                وأول أسئلة القراءة هذه هو ما يدور حول حِرَفية الخطاب الدرامي وميكانزمه الخاص.. وبصيغة أخرى .. هل يتحدد الخطاب الدرامي بما هو أدبي أم بما هو فني ؟  أم بشئ ثالث هو المحصلة الرياضية لقوانينهما أو محصلة نوعية جديدة تفرزها آليات التطور المعرفي والفني؟

                                لنلاحظ من أجل إجابة دقيقة أنً الدرس الأدبي قد صادف تطورا ََ ملموسا باستفادته من المنجزات المعرفية فيما لم يكن تحليل العمل المسرحي مواكبا ََ لهذا التطور حيث ظل هذا التحليل أسير نظرة النقد الأدبي والفني الذي يقوم على الثنائية التقليدية الشكل والمضمون  وسالفتها ثنائية  اللفظ والمعنى .  وقد  ظلت هذه الحالة قائمة حتى دخول العمل المسرحي دائرة اهتمام النقد البنيوي , حيث اقترحت ثنائية جديدة (بديلة) تتمثل في خطاب النصّ و خطاب العرض المسرحيين بكل ما يحتويان من اختلاف في طقوسهما وبنيتهما ووسائلهما.

ولعله من المسوًغ , في ظل مثل هذه الثنائية الخارجية المفترضة, أنْ نجد أنفسنا أمام ثنائية لاحقة أو ناجمة عن ثنائية خطاب التأليف الدرامي أو المظهر المنطوق وخطاب العرض أو المشهدية والتشكيل البصري .. تلك هي ثنائية الجمالية (  Aesthetics ) التي تمثل المكوّن الموضوعي للعرض بوصفه عملا ََ يتشكل من توليف(جمالي) للعناصر الفنية العديدة من تكوينات بصرية وسمعية متنوعة ؛ والأدبية (  Poetics  ) التي تعدّ المكوّن الأساس الأسبق في الخطاب الدرامي .

                               ومن استقراء هذه الثنائيات نجد أنً ميكانزم الخطاب الدرامي أكبر من حدود القراءة الأدبية الصرفة لأنًه يكمن في ميكانزم لغة حفلة العرض وليس في نصّ مكتوب منقطع للقراءة , ومع ذلك فالأخير ممكن التحليل في إطار نظرية الأدب وآلياتها وقوانينها مع الاحتفاظ بملاحظة أنً مثل هذا التحليل لا يشكل إلاّ قراءة محدودة لمكون من مكونات حفلة العرض , وهو لهذا يظل بحاجة لآليات تلك الحفلة ولغتها, و يتطلع دائما صوب آثار إنجازها فيه . مع ضرورة التأكيد هنا على التزامنا بالتمييز بين خطاب التأليف الدرامي ( بوصفه نصا ََ مرسوما ََ بالكلمات) وخطاب العرض المسرحي ( بوصفه نصا ََ مكتوبا ََ بالصور). ولعلنا نحتاج للتفصيل في هذا الأمر , إلى وضع التقابلات الآتية :- فنضع في البدء

                                                    خطاب الكلمة في مقابل خطاب الصورة

فأما خطاب الكلمة فإنًه يخضع للدراسة الألسنية أو للغة بوصفها نظاما ََ صوتيا ََ(Acoustics  system)؛ وأما خطاب الصورة فإنًنا بحاجة لما هو أكبر من علم اللغة (Linguistics) لدراسته وما نحتاجه هو دراسة سيميولوجية بوصف السيميولوجيا نظاما ََ لغويا ََ أكبر وأوسع من الحدود الصوتية . وهكذا تجدون معي أنً ثنائية دال \ مدلول ليست هي المقصود المباشر هنا , فهي أبجدية معجمية اجتزناها منذ مراحل تاريخية بعيدة , منذ ولادة النصّ اللغوي الجمالي الأول –  الشعر مثلاََ –   فنحن أمام مستوى أعلى من المستوى المعجمي الأول..  إنًه المستوى الثاني المعقد التركيب الذي يتمثل في النص الإبداعي الذي يحتاج إلى معجمه الخاص .. فكيف بنا ونحن أمام نصّ يعبر بلغة أكبر من طاقة لغة الكلمات والأصوات؟

                              إذن , فنحن نتحول من ثنائية بسيطة هي ثنائية الكلمة \ الصورة إلى ثنائية مركبة عميقة جديدة هي ثنائية اللغة الصوتية ونظامها في مقابل اللغة العلاماتية المرئية ونظامها . وهي الثنائية القادرة على تقديم معجم خطاب النصّ من أجل التفكيك اللغوي السمعي .. ومعجم خطاب العرض , وهو الأهم , من أجل التفكيك اللغوي ( أيضا ََ) ولكنه اللغوي البصري \ المرئي وليس السمعي ؛ وإشارة لغوي في الخطابين توحد المشهد النقدي بمعنى أنًها لاتنساق وراء الانفصام بين التقابلات الابتدائية مثل دال \ مدلول أو لفظ \ معنى  وشكل \مضمون , والتعبير بالكلمة مقابل التعبير بالصورة والحركة , وإنًما تحلل (بنية ََ) هي التي يتجسد فيها بشكل كلي المغزى.. والمقصود هنا امتزاج القيمة الجمالية في عنصرَي الشكل والمضمون التقليديين من دون بروز أحدهما منفصلاََ عن الآخر.

                             ولأجل الاختصار أقترح مباشرة التقابلات المضافة التالية لكي نصل سريعاََ إلى المرام:  فالمسرح منظور يتأمل في المقابلة بين الملحمة والشعرأو بمعنى أدقّ بين ما هو ملحمي في خصائصه وتوصيفه وماهو غنائي , وفي ضوء ذلك يُشار إلى ماهو ملحمي بمعنىالموضوعي وماهوغنائي بمعنى الذاتي حيث يولد في ضوء احتوائهما نوع ثالث أكبر من المعادل الحسابي لهذه المقابلة التي تنتمي إلى الأشكال الأولى للإبداع ولاأقول الأشكال البدائية للتعبيرالجمالي؛ وهي الأشكال والبنى التي عكست الوضع الحضاري الإنساني الأول.. الملحمة والعصر البطولي في التاريخ الإنساني..والغنائية وعصر الإنسان الفرد في غابات الحياة الطبيعية… أما الدراما معادلنا النوعي الجديد فإنًها انعكاس لمنطق حضارة المدينة , حضارة المشهد الجمالي الأكثر تركيبا ََ. ومن ثمً حاجة  تمثُل الأمور والأشياء  بصريا ََ بعد أنْ حوصر الإنسان  بالمباني والجدران والأسوار وفَقَدَ صلتَه المباشرة بالطبيعة..

وإذا كان النوع الدرامي الوليد قد وُجِد أول ما وُجد في مجتمع المدينة والحضارة الإنسانية الراقية كما هو حال المسرح السومري والفرعوني والبابلي والإغريقي, فإنًه وُجِد متطورا ََ بعمق أكبرفي المراحل الحضارية اللاحقة.

و ما يساعدنا على تلمس هذا الالتصاق التطوري ملاحظة عنصر الصراع(Conflict) بوصفه جوهر الفعل الدرامي (Dramatic Action   ) الذي كان يدور بين الفرد و قَدَره في المرحلة الأولى حيث سطوة هذه الفلسفة على الحضارات الإنسانية آنذاك واتصالها المباشر بالوضع الإسطوري للتفكير والعقل الإنسانيين فيما دار هذا الصراع في عصر لاحق –  ولنأخذ عصر النهضة نموذجا ََ –   بين الإنسان الفرد ومصيره في مجتمعه فانتقل الصراع من عموديته إلى أفقيته , من أسطوريته إلى واقعيته… أما مسرح اليوم فقد فكً بل كسًر هذا الاستقطاب الثنائي شكلا ََ واندفع ليتمثل أعقد أشكال الصراع في نطاق المجتمع الإنساني؛ وبعد أنْ كانت خطوات هاملت الرومانسية تعزف  لحنها المتهادي , وبعد أنْ راحت أوفيليا في أحضان الثرى هادئة لم تعدْ هذه المعزوفة الفردية الهادئة بقادرة على معالجة واقعنا بأدواتها وجمالياتها ولم تعدْ  صرخة  نورا إبسن  ولا احتجاجها بنافع أمام آلة  الاستغلال الجهنمية المعاصرة وقوانين عصرنا شديد الاضطراب .. وهكذا كان هدير كادر بسكاتور وهاوبتمان مطلع هذا القرن وغربة بريشت وجنون بيكيت ويونسكو ليس انعكاسا ََ أو ظلا ََ فرديا ََ صرفا ََ بل علامة أخرى على طبيعة الخطاب المسرحي الجديد.

أعود لأكبح جماح التفصيل لأوكد بهذا الاستقراء السريع بأنً الخطاب المسرحي هو خطاب حضاري يحتاج بهذه السمة إلى ثقافة خاصة به , إنًها الثقافة البصرية أو قل المرئية , و إلى  تشكيل  مثلما  تحتاج  الكتابة إلى مَنْ  يفكّ رموزها ليقرأ ؛و تحتاج إلى المُشاهِد الذي يفكّ علاماتها اللغوية المرئية وهوما يقع في ميكانزم ذلك الخطاب.

فالتأثير يحتاج إلى توصيل والتوصيل يحتاج إلى التبادل والتبادل يحتاج الوسيط المشترك , اللغة المشتركة –  وهي لغة أكبر من سمعية  – وبشأن نموذجنا المسرحي الخاص  ومن دون مبالغة لم تصل دائرة اللغة المسرحية فيه إلى الانتشار الكافي الذي يحولها إلى قوة  مؤثرة وممتلكة للتوصيل .. فثقافتنا مازال يغلب عليها العمق السمعي , إنًها ثقافة الشعر والكلمة وهي ليست قاصرة بهذه الصفة ولكنها ليست في دائرة هضم اللغة المسرحية لغة الخطاب الجمالي لحضارتنا.

ولنلاحظ أنً المسرح الذي تسود فيه الكلمة \ اللغة المسموعة يكون عندنا أقرب لجمهوره من المسرح البصري ؛ بل إنً بعض المَشَاهد التي تعتمد التشكيل البصري يقتطعها تفسير ذلك الجمهور ولا تجد منفذاََ لطربه وانفعاله مع الايقاع المسموع للكلمة والموسيقا والمؤثرات الصوتية المختلفة …أذكٍر هنا بمقدار تأثير الفنان الذي يستخدم بعض المؤثرات الصوتية ذات الخصوصية في ذاكرة المتلقي مثلما يحصل مع استخدام أغاني الهدهدة الخاصة بالأطفال وهلاهل الفرح والأعياد والاحتفالات فذلك كله مما يخلق الهياج والمشاركة والانفعال أو التفاعل العميق, هذا هو الجمهور الذي يطرب للسماع ويمل أيضا منه , إنًه الجمهور الذي يبحث عن التوازن في المعطى اللغوي الصوتي بين الايجاز والاسترسال قاصدا ََ الوسط الحسابي لإمكانيته الذاتية ( إمكانية الجمهور على الاستماع) وتوظيف سماعه في المتعة الجمالية . والحل المسرحي لم يكن ولن يكون في هذا المعادل الحسابي وجوهره السمعي لأنً المسرح ليس عكاظا ََ ولا المربد.. ليس باحةََ للاستماع لخطبة وليس ركحا ََ لمطاردة شعرية.. إنًه يمتلك خطابه الخاص وعلى الرغم من سحر الكلمة فيه إلا أنًها لا تملك شرعية فرض ثنائيتها (ثنائية الكلمة النص والصورة العرض) المفترضة من خارج خطابه أو من تمزيقه وهو افتراض يستخدمه النقد التقليدي المتساهل أو الساذج أحيانا.

إنً اللغة واحدة من مكونات أو أدوات التوصيل المسرحي بين طرفي الحوار الموجودَين على مائدة ( حفلة العرض ), المخرج وكادر العرض من جهة والجمهور وفطنته ودوره (المعطل أو الفاعل) من جهة أخرى , والقاسم المشترك بين الطرفين هو الحسّ الدرامي الموجود في الذات الإنسانية طبيعيا ََ.

لكنني هنا لا أعود كما يفعل بعض المخرجين إلى إلغاء دور الكلمة النص أو تحجيمه إلى أقصى حد مهملاََ الأهمية الكبيرة للكلمة , التي لا تعدّ مكونا ََ عاديا ََ من مكونات حفلة العرض بل هي مكون تأسيسي يشبه في ذلك الشيفرة التي تحملها الكروموسومات التي يتكون في ضوئها الجنين ليكتمل إنسانا ََ وارثا ََ لكل الصفات الموجودة والمحدٍدة في شريط الجينات وكروموسوماتها , لكنه يظل دائما ََ كائنا ََ مستقلا ََ عن سلفه وهو حال استقلال حفلة العرض ورؤيتها عن النص الدرامي الذي ولدت من بعده…

أحاول الآن تثبيت ما ابتدأنا به , وهو معالجتنا حرفية الخطاب الدرامي تلك المعالجة التي أفضت إلى تأكيد حضارية ذلك الخطاب وأدلجته ومن ثمً عدم حياديته وهي الحالة التي تعالجها الألسنية في إطار تحول   دال1 \ مدلول1  إلى دوال جديدة ومداليل جديدة تعادل الأيديولوجيا ورموزها أو فكر العصر وأدوات عرضه بلغة معينة هي (هنا) اللغة الدرامية , تلك اللغة التي تحتاج إلى ما هو أكبر من ألسني لمعالجة علاماتيتها ولنضع افتراض السيميولوجيا في استنطاقها الخطاب الحضاري الجديد حلا ََ أو لغة للتفاهم بين أطراف الحوار (الدرامي) من جهة ولقراءة ذلك الحوار وفك أبجديته وإعادة توصيفه عبر استقلاليته وخصوصيته من جهة أخرى.

...

رأي واحد على “إضاءة في الخطاب الدرامي”

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *