إضاءات في ظلال مهرجان الفاتح المغاربي لمسرح الهواة

تقديم:

                           انعقد طوال أسبوع كامل (من 6 ـ 13 يونيو 1995) مهرجان الفاتح المغاربي الثاني لمسرح الهواة بمدينة بنغازي, وقد سجلت الفرق المغاربية لا حضورها الشكلي الرسمي فحسب, بل أثبتت حضورا فنيا متميزا عبر ما قدمته من عروض مسرحية مبدعة. وفضلا عن ذلك تجدر الإشارة هنا إلى ما تحملته هذه الفرق من مصاعب الرحلة وظروف عديدة أخرى.. كان هاجس التحدي وسيلة لتجاوز كل ذلك وتحقيق حلم المسرحيين بتقديم الأفضل والأبهى.

                            ولأجل متابعة مثل هذا الهاجس ومن أجل التوثيق للتجارب المسرحية المقدمة , تأتي هذه القراءة بوصفها محاورة تسجل إضاءاتها بإيجاز عن عروض هذا المهرجان. أما العروض التي قدِّمت في إطاره فهي عرض جمعية الشباب المسرحي بحمام سوسة من تونس حيث قدمت مسرجية “شهرزاد” تأليف حاتم الغانمي وإخراج لطفي غاغلي . وعرض الفريق الجزائري ممثلا بجمعية ابن سينا من المسرح الوطني الجهوي بوهران واشترك بمسرحيتين ” التمثال الحي وياريت” وهما للفنان الكاتب والمخرج مجاهري ميسوم كما قدمت مدينة وجدة المغربية فريقها في مسرحية “الهجهوج” تأليف محمد مسكين وإخراج يحيى بودلال  ثم قدمت فرقة المسرح الحديث بالبيضاء مسرحية ” سرحان” للمسكيني الصغير وإخراج المبدع عزالدين المهدي من ليبيا.

                               وقبل الدخول في تفاصيل هذه الورقة نشير إلى أثر الثغرات التقنية وإمكانات التجهيز (في المسرح الوطني ببنغازي) في تقديم العروض, مع عدم إغفال الجهود المخلصة والمتميزة للمجموعة التي أدارت العلم في ذلك المسرح.

ودون كل هذه العقبات أثبتت العروض مبدأ التزام الفنان بقضايا الإنسان العربي المعاصر وانشغاله بهموم الحياة ومعتركها , وإن ما يقدم من متعة وجمالية مبدعة يمكن أنْ يتم خارج العروض التهريجية التجارية المنحى وخارج تلك التي تحاكي الإبهار التقني حسب نهج (برودواي).

       – 1 –

   المسرحية الجزائرية ” التمثال الحي” تعبير عمّا تعيشه الجزائر اليوم

                      وهكذا يدخل عرض “التمثال الحي” بصحبة الفنان الكاتب والمخرج الجزائري مجاهري ميسوم ليجسّد الهم الوطني الدائر الآن. وحكاية التمثال الحي يمكن أن يتعرف إلأيها أي شخص يتابع أخبار الشقيقة الجزائر سواء من حيث المضمون أو الفكرة أو من حيث حبكة العمل .. ولكن الأمر على الركح يأخذ طابعه الخاص من جماليات العروض وليس من سياق خطاب نصِّهِ الدرامي , فالمتلقي لا تصل إليه العبارة ولا الكلمة المنطوقة كما في نشرة الأخبار ولا كما يعايشها. إذْ تتحول هذه العبارة إلى معزوفة (نازفة) بناءََ على دخولها في نسيج العرض.

              وعلى الركح تدور المعركة من جديد بين طرفين أو عالمين … واللوحة المسرحية أمامنا تتشكل بصريا من تمثال في وسط الخشبة مكسور الأنف والأطراف ( تلك الأضرار التي ستعود بها الشخصية الرئيسية من بلاد تناثرت فيها منذ زمن بكل ما يعني هذا من دلالات ) ولوحات تشكيلية ثلاثة تحاصر (الحومة) حول التمثال. وإليك فرصة تخيُّل هذه اللوحات وما فيها من ورود زاهية مقابل أخرى ذابلة ومن تشكيلات أسلحة مختلفة وهكذا … لقد أفلح المخرج بوضعه هذه اللوحات بهذه الطريقة في خلق جو الحصار المفروض على شخوص العمل , كذلك أفاد منها في التنقل بين المشاهد وبتوظيف جسد الممثل أفضى إلى تشكيلات بصرية على المستوى الأفقي لفضاء المسرح ولكنه لم يستغل وجود التمثال واللوحات (المنتصبة عموديا) بشكل كافِِ مما كان يمكن أنْ يفيد في استغلال فضاء المسرح عموديا مع كل معطيات مثل هذا الإشغال وتوظيفه.

                       كذلك لم نجد أثرا لتوظيف الإضاءة (وقد كانت الإضاءة المستخدمة هي الإنارة المنتشرة) في تفعيل تكوين سينوغرافي وتنوعات بصرية أكثر عمقا .. إذْ كانت الفرصة متاحة لتفعيل العلاقة بين الشخصية واللوحة (الكبيرة في حجمها) عبر إسقاطات ضوئية مناسبة. في الجانب الآخر لرؤية العرض وجدنا استخدام خطين في مسار البنية , الأول في خلق تراكمات مشهدية تصاعدية والثاني في تقديم لوحات متوازية وفي كلتا الحالتين كان الدفع بالثيمة يسير بثبات إلى الأمام حيث نهاية لعبة الكراسي والمسيرات العديدة باتجاه البديل إذ يتحطم طرف الجهل والتخلف ومن وراء ذلك عبر مقتل الشخصية التي رمزت لكل ذلك, وينهض الطرف المقابل ليعاود المسيرة المخلصة لانبعاث الحياة السليمة والصحيحة من جديد.

 

                              – 2

المسرحية التونسية  “شهرزاد”  والتشكيلات البصرية

                    في العمل التالي كانت الفرقة التونسية تقدم مسرحية “شهرزاد” للكاتب حاتم الغانمي والمخرج لطفي غاغلي , لقد أمتعتنا هذه المسرحية بتشكيلاتها البصرية وسحر سينوغرافيا العرض وكل تلك الإكسسوارات وقطع الديكور وألوانها بما حملته لا من معطياتها المضمونية عبر الدلالة الثابتة والمستقرة فيها بل عبر ما تحمله من معطيات بسبب توظيف العلاقة بين كل قطعة ولون من حرية من جهة وأداء الشخصية وحركتها من جهة ثانية. وإذا كان صحيحا أنَّ المسرحية من حيث الحكاية قد استدعت رمزا من رموز تراثنا الحكائي الأدبي, فإنَّه من الصحيح أيضا (والأصدق إشارة وتحليلا) أنْ نقول إنَّ شهرزاد التونسية وتضمينات غير موجودة في الحكاية الأصل (في إطار ألف ليلة وليلة) وإنْ وُجِدتْ في عروض مسرحية عربية مناظرة إلا أنها تظل تمتلك خصوصيتها هنا.. وعموما فإنَّ الموضوع قد اخترق أيضا شهريار (الشخصية) مقدّما في داخلها السيّاف لتصبح بهذه التركيبة نموذجا أو وجها آخر لنيرون أو هولاكو أو هتلر .. ولتخرج المسرحية بمعطيات إنسانية متسعة تفضح الاستغلال والدموية والعنف ولتنحاز إلى جانب الإنسان في صراعه من أجل حريته, ومن أجل تعميق هذا المضمون جاءت شخصية شهلول البهلوان لتتابع تطور الأحداث بتفعيل مباشر وهو أمر يذكّرنا ببهلوان شكسبير ودلالته. إلا أنَّ ما يؤخذ على الإخراج (الذي لا يمكن إلا تأكيد تميّزه وإبداعيته) هو وقوعه في تمزيق المشهد سواء بصريا في المعطيات الدلالية (في بعض مراحل العمل) فعندما كان يوظف يمين الركح ووسطه في توتر وصراع بين الشخصيات كان يضع على يسار الركح شخصية الجندي (الحارس) في وضعية هزلية كان يسرق من طعام شهريار مختبئا خلف المائدة. .  وغير ذلك من الألعاب التي أدت إلى فقدان وحدة التأثير للمشهد في الجمهور … وهكذا صادف مثل هذا المشهد ضحكا وهزلا من فئة من المتفرجين وشدّا وتوترا وأحيانا استهجانا من فئة أخرى من الجمهور.

وينبغي القول :  إنَّ الممثلين هنا قد أدوا أدوارهم بشكل جيد لولا شئ من الخطابية الفائضة في أداء شخصية شهريار (أدى الدور عبدالمجيد صيعة) وهفوات بسيطة في أداء الممثلة (نجوى الفتايتي) من ناحية توزيع طاقتها الصوتية. أما الفنان (سالم هلول) الذي أدى شخصية شهلول فقد كان مبدعا في تنسيق أدائه الصوتي والحركي وفي رأيي فإنَّه ينافس في نطاق هذا المهرجان على أفضل أداء.

                           هناك ملاحظة أخيرة أثيرت هي رتابة الحوار والحقيقة فإنَّ الحوار لم يقع في مثل هذه الرتابة ولكن (السردية) أخذت مساحة أكبر من حجمها في نطاق عمل يعتمد المشهدية والتقديم البصري لمعطياته ما خلق تعارضا بين هذه السردية والفعل الدرامي المجسَّد على الركح وطبيعة توصيف هذا الأخير وهو أمر يمكن تلافيه بمعالجة المشهد المقصود من وراء هذه الملاحظة عندما يبدأ شهلول بحكاية الأسد والأرنب …

–   3     –

المسرحية المغربية “الهجهوج” تجسِّد لغة الدراويش وسلوكاتهم

                             في صياغة مغايرة لرؤية عرض مغاربي آخر, وظّف المخرج , وتأسيسا على طبيعة النصّ, لغة الدراويش وسلوكيتهم محتفلا بشخوص عرضه (بهذه الطريقة). وهكذا فقد وفّر المخرج لعرضه فرصة التركيبة التي تدمج الأغنية في الخطة الدرامية وهو الأمر الذي وفق فيه سواء في تفعيل الحدث الدرامي للدرامي وحركته أم في استثارة الجمهور وجذبه بخلق منوعة إيقاعية من الموسيقا والغناء؛ غير أنَّ حركة التجاذب بين الصالة والركح ظلت في نطاق خطاب المسرحي التقليدي بدلا من توظيف طريقة للالتحام بالصالة ولم يفعل في هذا الصدد شيئا أكثر من دخول فريق العرض عبر جمهور الصالة وقريب الختام نزل بشخوصه إلى القاعة آليا أي بتغيير مكان الأداء من دون أنْ يربط مثل هذا التغيير الآلي بتفعيل المبادلة بين الفريق والجمهور.

                               هناك مسألة ثانية هي تصميم حركة الشخوص , اعتمد فيها حركة الشخصية صاحبة الدور في (الآن) وتجميد حركة بقية الشخصيات ما أدى إلى احباط الرقصات المفترض أنْ تكون بأداء جماعي وحركة كلية. وفي الصعيد نفسه ترك بعض العناصر جامدة لا عن الحركة وإنَّما راحت في انشغالات وانقطاع عن التفاعل مع جو اللحظة الدرامية ومتطلباتها.. ولا ننسى مدى تأثير مثل هذه الحالة سلبيا على تفاعل المتلقي مع المشهد.

                             أما بصدد فضاء الركح فقد حاول المخرج استغلاله عندما وضع شخصية صاحب الهجهوج فوق منصة السجن الذي احتلّ وسط المسرح, ولكن مثل هذا الاستغلال ظل في نطاق التوزيع المكاني الذي جعلنا نتنقل ببصرنا عموديا وأفقيا بما لم يخدم ملء فضاء الركح إيجابيا لأننا كنا نمر أثناء هذا التنقل البصري بمناطق لا يفترض ظهورها في لحظات معينة مما شتّت أحيانا الصورة الجميلة عندما نقرؤها وهي ثابتة بعيدا عن حركة الفعل الدرامي.

                                لا يمكن أنْ نفضّل الإشارة إلى التقطيعات بوساطة مشاهد مباشرة سواء في معطياتها أ/ في خطاب عبارتها الداخلة في حوار الشخوص, ولكننا إذا أردنا الإنصاف نشير إلى أنَّ جملة هذه الملاحظات (السريعة) لا تفي حق عمل يمتلك الكثير من الإيجابيات وأولها سحر الأسلوب الذي صاغ العرض وخطابه.. ولا يضير هذا التوفيق تسجيل وجهات نظر رؤى مغايرة. ومن الجدير بالذكر الإشارة إلى سحر الأسلوب إنَّما تنطلق من حقيقة البحث عن تأصيل هوية خاصة بالمسرحية العربية. هل يساهم مثل هذا النمط المسرحي في ذلك؟ المستقبل كفيل بالإجابة .. ونشاط وفاعلية مثل هذا الأسلوب وبقائه هو المحك..

–   4   –

المسرحية الجزائرية “ياريت” وقضايا الانتخابات في الجزائر

                                   في المسرحية التالية للفريق الجزائري , التقينا المبدع مجاهري ميسوم في عمل يتجاوز العمل الأول (بالمنطق الرياضي) في توظيفه التكوين البصري. وعلى الرغم من صغر حجم قطعة الديكور الوحيدة (وهي قطعة متحركة لغاية مرسومة سلفا) إلا أنَّ المخرج قد وظّفها في تغيير لوحات عرضه, وذلك انطلاقا من أفضلية كبيرة في التفاعل بين الشخصية وقطعة الديكور المشحونة بمفردات متنوعة بحسب العلاقة المصاغة مع اللحظة الدرامية ومع الشخصية. وإذا كانت الشخصية الرئيسة قد حملت حوارا طويلا أحيانا فإنَّ طابع الوصف والسرد الذي حملته قد كسَّره تفعيل تلك الشخصية بتقاطعات (متعمّدة) مع بقية الشخوص وذلك لتسريع وتيرة تطور الحدث وتنقلاته وهو ما عالج مثل هذه الإشكالية الموجودة في النصّ. وهذا يرشّح سطوة سلطة المخرج ورؤيته وهو يستدرك ما في النصِّ.

                                  وحتى نكون في جو هذه المسرحية فإنَّها تحمل ثيمة الإنسان العربي بعامة وهو يصارع من أجل وجوده وتحقيق حاجاته المادية والروحية في ظل ظروف الروتين وسطوة سلطة الموظف الكبير وما يخلق حوله من مريدين يدعمون سلطته ويقومون على خدمته في إشارة إلى الوساطات والمحسوبية وما إليها من صفات؛ ويداخل النص (في ثيمته) أفكارا تصل إلى قضايا الانتخابات والتزوير وما إلى ذلك .. وهذه جميعا أمور نوقشت محليا ولكنها مفتوحة الأفق على طبيعة نظمنا الاجتماعية.

                                  وما يمكن إضافته هنا أنَّ فريق العمل في هذه المسرحية قد وجد فرصة أكبر لإبراز طواعية جسد الممثل ولياقته في الحركة والإيحاء وكذلك في التسليم والاستلام بين الشخوص إلى الدرجة التي كان فيها الانسجام ممتلكا لسطوة عدوى تنتقل من ذلك الفريق إلى الصالة وهو ما يكون عادة غاية العمل الدرامي من أجل تبليغ رسالته , وهذه  فرصة للإشادة بأداء جميع أعضاء فريق العرض.

                                  ينبغي عند نهاية هذه الحلقة من الملاحظات السريعة في بعض عروض المهرجان المغاربي للمسرح أنْ يقال: إنَّ أكثر ما وُفِّق فيه في تلك العروض يتمثل بكفاحية أعضاء تلك الفرق وبما كانوا يملكون من رصيد فني متميّز, وفي مساهمة المهرجان بدور مهم من أجل تطور مسرحي أعمق وإثراء دائم لمسرحنا وثقافتنا الدرامية الجديدة.

–   5   –

المسرحية الليبية “سرحان” وجسد الممثل

                                   وفي العرض الأخير للمهرجان قدمت فرقة المسرح الحديث من مدينة البيضاء بالجماهيرية العظمى عرضا من تأليف المغربي المسكيني الصغير, وهي التفاتة طيبة في دمج جهود مغاربية متنوعة في عرض واحد.

اعتمد المخرج المبدع  (عزالدين المهدي) في أسلوب عرضه التشكيل البصري بوساطة جسد الممثل , أي أننا كنّا أمام المسرح العاري وليس على الركح غير جسد مطواع يتحول تارة إلى شخصية إنسانية كما في نيرون , معلمه ومستشاره, اليهودي, وشخصيات أخرى بخلاف شخصية سرحان, وتارة إلى أشجار تستظل بها هذه الشخصية أو تلك؛ أو إلى الكرسي الإمبراطوري لنيرون وأحيانا منصة أو منضدة لإجراء العملية الجراحية وهكذا دواليك . نحن, إذن بصدد مجموعة من اللوحات ظلت تتنقل من واحدة إلى أخرى بوتيرة مستمرة ولكن ما يؤخذ على مثل هذا العرض الذي يجرنا إلى حديث من ضغطه واستفزازه لمشاعر المتلقي بمظاهر من العنف والقسوة , هو ثبات المنظور في التشكيل البصري القائم على الركح الذي يمكن أنْ يراه مشاهد من وسط الصالة (مركزها) براحة تامة لكن أي زاوية رؤية غير مركز الصالة تفقد ذلك التشكيل بعضا أو كثيرا من قيمته بحسب اقترابنا أو ابتعادنا عن المقعد الأعمى..

                                     ولعل هذه الحالة ممكنة المعالجة لو أن الحركة الموظفة على الركح قد طوِّرت بحيث يتم تنشيطها من جهة وتعميق مفرداتها كأن لا تكون حركة تنقلية بسيطة على صعيد تغيير مكاني , وتكون ممتزجة (برقصات) يمكن تدريب الكادر عليها ودمج مداليل التشكيلات الراقصة بطريقة تكسر الوضع الثابت للتشكيل والزوايا غير المناسبة لبعض المشاهدين وأكثر تطويرا لهذا هو توظيف الإضاءة بطريقة ملائمة لاستحداث المفردات التشكيلية المشار إليها ـ البديلة ـ ومن جهة المؤثرات الصوتية فقد أفلحت هذه المؤثرات في كسر الرتابة الكلاسية في الحركة وقسوة العرض , إلا أنَّ وجود مساحة أوسع لهذه المؤثرات ومصاحبة الموسيقا لمفردات العرض كان سيؤدي إلى نهج أكثر توصيلا عبر التخفيف عن سطوة العنف والقوة التي طاردت ذهن المتلقي.. وعلى صعيد التمثيل فقد أدت الطريقة الكلاسية في الأداء إلى وقوع ممثلين في الشكل الخطابي بخاصة في أداء شخصية نيرون وشخصية سرحان أما الشخصية الأولى ـ نيرونـ فقد كانت في أحيان عديدة غير مقنعة ولم يفلح الفنان في توزيع طاقته الصوتية في صالة غير مجهزة تقنيا مما جعل وصول عباراته متباينا بحسب موقع التلقي.. في حين ينبغي الإشادة بالفنان إبراهيم أحمد الذي أدى دور سرحان الطويل نسبيا بتنويعات أدائية جميلة , وكذلك زميليه ذوي اللحى وهما يرمزان لمعطيات عدة؛ وحتى لا نضع هذه المعطيات في رموز شخوصها نقول : إنَّ المسرحية التي استدعت شخصية سرحان الفلسطيني قد كسرت هذه المحدودية في التشخيص لتجعل من هذه الشخصية مقابل لأي شخصية إنسانية مستلبة الهوية لترمى في لجة الحياة بلا حضور لذاكرتها ولتعيش في غربة مرة مع عالمها ومرات مع سياط وعيها الباحث عن وجود ومستقر, وزيادة في تعميق هذا المعطى تابعنا عمقا تاريخيا بعودتنا إلى نيرون وروما ولكن هذا النيرون الذي نعود إليه هو ابن عصرنا (والعالم الجديد) .. إذن فنحن غرباء عن عصرنا, نحن أيضا استلبنا الهوية ونحن من سنبحث في نهاية العرض لكي نستعيد الذاكرة والشخصية وعالمها. بقي أنْ نشير إلى حقيقة الجهد المسرحي المتميّز في هذا العرض, وبخاصة الإخراج الذي لو كانت هناك جوائز مهرجانية  لكان المنافس على جائزة الإخراج في هذا المهرجان المغاربي , وينبغي عند نهاية هذه الحلقة من الملا حظات السريعة في أغلب عروض المهرجان المغاربي  لمسرح الهواة أنْ يقال أنَّ أكثر ما وفِّق فيه هو تلك العروض بكفاحية أعضاء تلك الفرق وبما كانوا يملكون من رصيد فني متميّز. ومن أجل تطور أعمق وإثراء دائم ينبغي تواصل هذه التظاهرة التي مؤداها المزيد من تعضيد اللقاء والامتزاج بين الأشقاء وتجاربهم المبدعة وهم يشيدون مسرحا عربيا فاعلا.

ملاحظة نُشِر المقال في جريدة أنوال المغربية بتاريخ  01 \ يوليو \ 1995

الدكتور تيسير عبدالجبار الآلوسي
باحث أكاديمي وناقد مسرحي

2003\ 05 \ 21تاريخ النشر الألكتروني:  

...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *