الحداثة والهوية في النثر الليبي الجديد قراءات في نصوص روائية ومسرحية

تبقى المعارف والفنون قاسما ََ حضاريا ََ مشتركا ََ , منبعُها وجوهرُها الإنسان. ومن  بين  كلّ  تلك  النتاجات  المعرفية  تميل الأشكال الأدبية  إلى التعبير عن  سماتِ الفردِ أو خصائص الفئة لأسباب مختلفة , تكمن في طبيعة هذه  الأشكال الأدبية  وكينونتها . وتأسيسا ََ على ذلك  تفترض  دراسة الأدب

الالتفات إلى ما يجسد مفهوم الهوية الإبداعية من منطلقين :-

الأول:     يهتم بجدلية الحركة ” الزمنية ” ومعطياتها

والآخر:  يعالج الأمور القيمية المرتبطة بالنص بناءََ فنيا ََ وتركيبا ََ دلاليا ََ ..

وبقدر تعلق الأمر بقراءتِنا هذه  فإنًها تحاول اختيار النموذج النثري للإجابة عن أسئلة موضوعنا . وقبل ذكر هذه الأسئلة ومعالجاتها نؤكد على بقاء هذا الموضوع  –  موضوع الحداثة والهوية –  موضع اهتمام الأبحاث والدراسات طالما بقي الإنسان يبدع أدبا ََ ويعيد تداوله…

وبصدد أسئلة هذه المقالة فإنًها تنصبّ في:-

1-        قراءة  المعطيات  الاصطلاحية .

2-        قراءة المنجز النصي من جهتين:

           الأولى:-      تتعلق بحدود التغيير.

          والثانية:-      تختص بحدود التأصيل.

وسنحاول مقابلة التأصيل بتشخيص الهوية

                    والتغيير بالتحديث ومن زاوية معينة بالحداثة. 

وعند ذلك سنحاول الربط بين المفهومين مجيبين عن تساؤل يتمثل في الآتي:-

          هل يكون المتغير انفصاما ََ عن الذات ومفارقة الهوية والابتعاد عنها؟

        وهل يكون التأصيل حالة من التكلس والجمود أم يكون جزءاََ من تناص المنجز وانفتاحه  باتجاهات قيمية لا تقبل الاشتراطات المسيقة؟

لقد ظل الأدب في تصور أغلب دارسيه ظاهرة شديدة التعقيد , وظل عمق التنوع واتساع احتمالات القراءة ( أو أنتروبيا النصّ )  سببا ََ جديا ََ لوضع  الأدب على وفق بعضهم –   في تعارض  مع  المعيارية والقياس ولكنً ذلك لن يكون دقيقيا ََ إذْ نلاحظ خضوع الأدب لآلية مادته ومعاييرها وليست مادتُهُ سوى اللغة وضوابطها القياسية… وهو خاضع ومحكوم أيضا بمعايير تتعلق بقوانين الأنواع ( أوالأجناس) الأدبية ومساراتها البنائية .. وهذه هي الأخرى مقتضيات تخضع للقياس الموضوعي \ الرياضي ..  و من  ثمً فنحن  بصدد مادة نخضعها لقراءة موضوعية تتوخى الدقة والعلمية ,  في ذات الوقت الذي  تعترف فيه  بكون الأدب تعبير غني التنوع.. وبعبارة مستعجلة فالأدب وليد حاجة جمالية معرفية وهو لحظة تقع في التاريخ وليس على  ضفافهِ أو خارجه   مما يفرض على دارس الأدب قراءَته على وفق هوية مخصوصة تنتمي إلى تقاطع زمنين عمودي يغوص في عمق التاريخ ,  وأفقي يعبّر عن التزامن الراهني . وبذكر الزمن تُذكَر حركته الخطية المتصلة  ويذكر اتصال المتحرك المتغير الذي يرفض الثابت المطلق . وهنا نُجابَه بمصطلح  الحداثة  الذي يُختلَف  في تحديد معطيات مفهومه إلى درجة التناقض في تلك ( الحدود )..

أما أسباب هذا الاختلاف فنحيلها بإيجاز إلى :-

             ما هو ذاتي يعود لمنطلق الباحث وفلسفته وإسقاطه مرجعيته على المصطلح…

            وما هو موضوعي يعود لقوانين تباين مستويات التطور ولسنا هنا بصدد معالجة تفصيلية لهذا الاختلاف و إنًما بصدد وضع حدّ للحداثة يكون منطلقا ََ يوظًف في هذه القراءة.. والحداثة عندي  مشروطة  بقبول  المتغير  ورفض  الثابت المطلق,  وهي مشروطة بقبول منطلق احترام الهوية الحضارية المخصوصة لجهة المعبًر عنه, من دون التخلي عن  مشروع  التجريب المتصل ..  سواء في استثمار جماليات التلقي باعتماد الذاكرة الجمعية  –  نذكّر هنا بدائرة الأسطورة في المخيلة الجمعية مثلا ََ-  أم في الاستباق عبر الخطاب الأدبي المتخيل فيما يطلق عليه خطاب المحتمل.. وهكذا فالحداثة مصطلح يرتبط جدليا ََ يعامل الزمن الذي يحتوي(المكان) بعد تراجعه وتحوله إلى مفردة في قراءة زمنية لعالم الإنسان ووجوده.. وهكذا فنحن على وفق ذلك لانرى عالمَنا يعيش في زمن واحد والاختلاف فيه ليس جغرافيا ََ من جهة المكان حيث لا تشابه هويةُ الجنوبِ الشمالَ ,  ولا الشرقُ الغربَ. وإننا إذْ نلتقي عالم الصيد في أدغال  أستراليا  نشاهد دخول عالم الشمال زمن الانترنت ,  ولكل عالم شخصيته وهويته  وما يعبّرعنها من نتاج جمالي , يعود لأزمنة مختلفة على الرغم من وقوعها على محور عمود الزمن في نقطة واحدة.

ولاخوف في هذه الأزمنة المتداخلة المتصارعة من أنْ يموت الأدب المعبر بوساطة لغات الأدغال والأحراش في صراعه مع آداب الغرب الليبرالي لأنً ما يكون أشكالا فارغة هو الذي يزول وما يبقى هو ذلك الأدب المعبر عن دلالات وجود حقيقي ويمتلك هوية ذلك الوجود ويعبر عنها مضمونيا ََ.

والحداثة بعد ذلك تجاوز ضمني على محور الزمن يتصل بتجاوز أشمل يقع في التركيبة الحضارية وما يكتنفها من تحول في الأنماط الحياتية.

                     إنً جملة التصورات السابقة تمنحنا فرصة حوار مع النص النثري الليبي الجديد منطلقين في ذلك من طابع الحركة والتغير والتجريب الذي يَسِمُ مفهومَنا للحداثة . ولأنً موضوع القراءة الأدبية المحدثة ليس الظاهرة الخارجية التي تتمثل الأدب , ولأنً الأدبية أو ما يجعل من نصّ بعينه أدبا ََ هي قيمة تركيبية داخلية .. وَجَبَ اتخاذ نصوص محددة لهذه القراءة في طريق استقصائها مادتها وتقرير النتائج المحتملة . في النصّ النثري الليبي الجديد تبدو طييعةُ العودة للأسطورة طبيعة ََ مختلفة عن التناول الكلاسي المعتاد وعن التناول الحكائي الشعبي (الرومانسي) , إنًها طبيعة تقنية مخصوصة يبيّنها نص إبراهيم الكوني في مباشرته الأسطورة بوصفها الأداة التعبيرية وليس الغاية التي يتوقف عندها . فأسطورة تانس  والبئر والصحراء الجنة الخضراء هي وقائع تسجل تفاصيل اليوم العادي لإنسان يصارع أقدار حياته في هذه البقعة من الأرض .

وعليه فلا يمكن لقائل أنْ يزعم أنً رواية الكوني –  نموذجنا هنا –  هي التفاتة إلى الوراء لأنها تبحث بوسائل بدائية أو تتوقف  عندها –  أي عند الأسطورة  –

                       إنً وعي الدلالة يتعمق عندما نفارق البحث المعجمي المجرد انتحرى مفهوم المشهدية البديل , المفهوم الذي يعنى بتعزيز الرؤيا \ الصورة في مقابل الملفوظ \ السمعي في التكوين البنائي  وفي إعادة  قراءة هذا التكوين (من قبل المتلقي) على أساس المداخلة بين اليومي العابر والمدهش الساحر , الأسطوري الغرائبي , ولا يتأتى مثل هذا المتغير إلاّ بالارتباط بهوية  مخصوصة تعتمد الارتداد إلى الذاكرة الشعبية وإعادة انتاج التاريخ الجمعي لأمة أو شعب أو جماعة ..

ومن هنا اللقاء الذي أشرنا إليه بين ما هو حداثي وماهو تراثي من دون اللجوء إلى سطوة متزمتة لأية أشكال تعبيرية سابقة .. وفي مستوى آخر نتلمس التعامل المباشر مع الفكرة الفلسفية بما يحيل لمفهوم وحدة الأضداد

أي بالجمع بين ما هو متخيل وبين ماهو محسوس متصل بالملموس الواقعي ( ونذكّر هنا بكسر حدود الأنواع وظهور النص المفتوح) . وفي هذا الإطار نتلمس مشروع الخروج من تقنية الصورة –  وهو مفهوم أفاض النقاد في قراءته _  إلى تقنية الفكرة , ويمكننا أنْ نتابع ذلك في قراءة نص المسرحي علي الفلاح “جاك الليل, طاجين ليلة صيف” وحتى نصه اللعب على حجم الصدفة الذي يدخل في مشروع يتنقل بين تقنية الأسطورة \ الرمز \ التاريخ والحياة اليومية.

                        ولتوضيح  ما نرمي إليه نحن بحاجة إلى قراءة في تلك النصوص فتقنية الأسطورة جاءت من استدعائها بوساطة ايجاد المناسبة الملائمة لظهور الشخصية الأسطورية مع عدم إغفال تطويع هذه الشخصية في المُعاش اليومي عبر خلق أجواء الألفة والتوحد مع الشخصية الواقعية فالإنسان البسيط يلتقي العفريت المارد الخارق .. الواقعي بغير الواقعي وهكذا . أما الرمز فيتأتى من التحميل الدلالي الذي تخضع له مثل هذه الشخصيات ويمكن هنا الحديث عن سيميولوجيا النصّ بجميع عناصره  .(نعود إلى روايات الكوني)

في حين يكون للتاريخ وجوده من منطلقين هما , واقعية الوجود , وذهنية تصوره وتمثله في فكرة عادة تكون عند الفلاّح فلسفية النزعة.( نعود إلى مسرحيته جاك الليل).

                       وتجدر الإشارة في محاولة تفهم تقنية الفكرة –  إلى الخطاب الذهني التجريدي في الأثر الأدبي –   ولنا في توفيق الحكيم مثال . فإذا نحن تجاوزنا تحليل النصّ حسب الحَرْفية النقدية نجمل القول في كون النص النثري الليبي الجديد جاء متضمنا ََ امتدادين :-

الأول :   يُعنى بالتأصيل لوجوده وهويته منطلقا ََ من جدل علاقته بالموروث واستدعاءاته سواء فيما تعلق بالدلالات أم ما تعلق بتقنية الأعمال .. ويبرز هذا وضوح في نتاج الكوني وأساطيره بعيدة الغور في الوعي الإنساني وفي نموذج استدعاء المعاش التراثي الذي يمتلك طاقات التماس المباشر مع يومنا أي استدعاء الماضي القريب كما في حكايات الصيد ( في قصص وحدي في عرض البحر لعبدالجواد عباس) وكما في تفاصيل اليوم العادي للمسلاتي وإبهار السحري العجائبي الذي يوظفه في بناء نصه والامتداد الثاني يُعنى بالاتجاه إلى الأمام عبر مفهوم التعبير والتحديث في الرؤية الجمالية .

و يظل مثل هذا الموضوع بحاجة لمعالجات معمًقة لما له من شأن في تكوين الشخصية القومية ومرجعيات وجودها وخصوصية هذا الوجود . ولعل هذه الكلمات تكون قد أسهمت في تقديم محاور مناقشة تغتني وتتأصل برؤى الآخر المتأمل.

...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *