قراءة نقدية في مسرحيتي البهلوان والخراب

مسرحية البهلوان:

فإذا باشرْنا قراءتنا السريعة في عروضِ الاحتفاليةِ وسلَّطنا الضوءَ على [البهلوان] نجدْها بنائياََ اعتمدتْ خطَّين دراميين : الأول يسيرُ في الحاضر والآخر يوظَّفُ في استعادةِ الماضي.يبدأُ حدثُ البهلوان قريباََ من نهايةِ الأزمةِ \ الحدث وهو إذْ يتقدَّم نحو الحلّ أو الخاتمة يظلُّ ملتفتاََ إلى الوراءِ عبر استرجاعاتِِ بآليةِ [ الفلاش باك] حيث تمثلُ كلُّ حلقةِِ من حلقاتِ الحدث الملتفتةِ إلى الوراءِ خلفيةََ فاعلةََ لدفعِ مسارهِ خطوةََ إلى الأمامِ .. ولأنَّ الحدثَ الدرامي يقومُ على حركةِ الفعلِ النفسي أو الانعكاسات النفسية عند الشخصيةِ الرئيسةِ فإنَّهُ يستمدُّ طاقتَهُ أو قدرتَهُ من تفعيلِ تلك الذاكرة الانفعالية..

والحدثُ في المسرحيةِ يتجسدُ في مجموعةِ أسئلةِِ هي تعبيرُُ عن أوصافِ مجتمعِنا العراقي في المنفى .. الاستغلالُ بألفِ وجهِِ , ولكنَّهُ بجوهرِِ واحدِِ وهذا ما يحيلُنا إلى العلاقةِ بين الماضي والحاضر. الصراعُ هنا بين حقِ اللجوءِ من جهة , وكلِّ قوانينِ المنافي وظروفِها وأدواتِها وأول ذلك “البوليس” من جهة أخرى ..

وحالةُُ كهذهِ تجعلُ المتلقي يلاحظُ تفتّتاََ في الخطةِ الشخصيةِ, لكنَّ ذلك لا يتعارضُ مع الوحدةِ الوطيدةِ لبنيةِ المسرحيةِ .. تلك الوحدة الكامنة في الخلفية الفكريةِ , ولنتذكّر بهذا الصددِ تصويرَ الاستغلالِ عراقياََ في عسكرةِ ” المشهد” فالدكتاتورية لا تظهر إلا بوجهِ الحربِ والدمارِ وهو مشهدُ إكراهِ الشبيبةِ على دروبِ الموتِ والدم.ه أليس هذا هو المشهدُ العراقي من عقودِِ ثلاثةِِ مازالتْ جاثمةََ بكلكلِها؟!

ويشبهُ ذلك صراعَ اللاجئ مع البوليس عندما ينتقلُ من استغلالِ الداخل وقمعهِ وحصارهِ إلى استغلالِ الخارج وقمعهِ وحصاره ..

وفنياََ مرة أخرى تستخدِمُ المسرحيةُ (وحدةََ ) من خارجِ بنيتِها كونها تقترحُ حركةَ حدثِها الدرامي ليس من تفصيلاتِ وقائعِ ذلك الحدث وإنَّما من التأثيراتِ غير المباشرة .. الإيحائية.. المرمَّزة أو المشفَّرة وهو الأمرُ الذي يمنحُنا مفتاحَ تفسيرِ مشاهد الشخصية (الهُزْأة) , لاعب السيرك , الجندي في محرقة الحرب والكشاف الملقن .. فالمحكمة وعلى أبواب مكتب الأمم المتحدة UN وغريق السفينة .. إنّها استغاثة فكلّ صفحة فيها تكفي سببا لأكثر من لجوء…

لقد نجحتْ عينُ المتلقي الفاحصة في تفكيكِ أو تحليل المشهدِ العام وأجوائهِ ثم إعادة قراءتهِ عبر استنطاق الُّلحمة التي جاءتْ في سمفونية نفَّذها (باحتراف) الفنانُ بحق رسول الصغير وهو (يلعب) ـ تلوينات صوتية ـ مستويين أساسيين الأول هو لحظة السرد والآخر هو لحظة التقمّص والتشخيص أما المستويات الأخرى فهي تنويعات لحنية أضفَتْ تناغما مع المشهد البصري الذي ضغطتهُ ظروفُ الانتاج القاسية [ وهذا أفضل الممكن إنتاجيا.. علينا هنا أنْ نثمِّنَ عاليا جهودا مخلصة من رابطة بابل بهذا الخصوص وندعو كلَّ الحريصين على مستقبل الثقافة إلى تطوير دعمهم …] . الفنان هادي الخزاعي يتنقل بين شخصياتِِ متعددة متلونةِِ مختلفة وهو في جميعِها لا يتقمص إنما يرسلُ خطاباتِها بآلياتِِ تعي الدلالةَ فتشكِّل الدال من انسجامِِ بين الشكل والعبارة بغايةِ زيادةِ التأثير …وبالعودةِ إلى النصِّ المسرحي نجدُ أنَّ اختزالَ الخاتمة وحجمها الصغير وإبقائها على وتيرةِ الواقعي في مسارِ الحدثِ , قد كان عاملَ إضعافِِ وإذا كان صحيحا اختزال الخاتمة فإنَّ من الصحيح منحها طاقة كافية لتكون مفتاحا دلاليا واضحا ومقنعا وممتلكا قوة التأثير وسلطته. ولأنَّ مسارَ الوضعية الأساسية بدا تراجيديا فقد يكون من حسن قوة الخاتمة توظيف المشهد الذي يردّد فيه البطل “فكنة من السجن بالله ياسجان” وذلك لما لهذا المشهد من خلفيات يمكنُ أنْ تحمَّل الرموز المطلوبة.وسريعا يمكن الإشارة إلى استطرادات حوارية تعارضت مع ضرورة التكثيف الدرامي ولكنها ظلت مسوَّغةََ بهدف تقديمِ الكشفِ الدرامي والفضْحِ والتعرية المستهدفَين من العملِ المسرحي.

مسرحية الخراب:

بدءاََ اطلعتُ على النصِّّ العربي وتابعتُ العرضَ المسرحي باللغةِ الكرديةِ, ولأنَّ العرضَ يركِّز على الكلمةِ فلابد من بابِ الإنصافِ أنْ أقولَ: إنَّ ما يتعلق من ملاحظاتِِ تهمّ الترجمة أمر ينبغي تجاوزه, فليس من الصائبِ تكوين قراءة أو نقدِِ لعمل على أساس ترجمةِِ غير متخصصة بمعنى عند مراجعة النص العربي سنجد لغة يعتورها كثير من الملاحظات النحوية واللغوية المعجمية والصرفية.. والجملة هنا تتحمل ثغرات عديدة لكنَّ البنية الدرامية هي ما تعنينا عند مناقشة هذه المسرحية.. وسلفاََ نسجِّل أنَّها حوارية تتجنَّب اعتماد الوقائع وتتخذ من السرد والوصف وسيلة لتعبيرها الفني.. ويأتي ذلك على لسان الشخصية (المونو) … من المؤكّد إذا استبعدْنا حاجة المسرحي للقدرات الإنتاجية عند تعدد الشخصيات أقول إذا استبعدنا هذا السبب الخارجي في اللجوء إلى مسرحية المونودراما فإنّ مثل هذا التوجه قد يكون من بعض دوافعه عمق الأزمة التي تطارد الإنسان العراقي فتضعه في اغترابِِ عن محيطِهِ أولا وعن نفسهِ ثانياََ وتعزله لاحقاََ فتجعله في حالة من الانقطاع عن بيئته وتُعْمِلُ ماكنة السحق فيه؛ كل ذلك يشكل مُتصوَّر المثقف اليوم لأوضاع تطحن مواطنه وليس لديه سوى الرحيل منفرداََ في عالم حُلُمي , عالم الواقع العبثي اللامعقول.. لقد نزل المستحيل عن صهوة جواده وترجَّل ليخْلي الساحةَ لهمجية غير مسبوقة.إنَّ كل هذا العنف وسلطته هي محاولة (الخراب) أقول محاولة (مسرحية) الخراب الجمالية, وعسانا بهذه القراءة نضفي ما أرادته المحاولة من إشْعال لهيب الاحتجاج والتعبير عن مكنونات الصدور.

مرة أخرى تعزف القيثارة المسرحية على أوتار حوارية الشجن الإنسانيه فالإنسان في الخراب ينطلق من عقوبة السجن التي تصادر حريته وتلغي حق التفكير ليجابه سجن العقوبة سجنا أكبر, سجن الواقع المريض الذي انفصل عنه قسرا وهاهو يجابهه بقسةته وثقل جرمه عليه..أليس هو الخراب بعينه؟‍ لا شئ يساعد على وصف هذا الواقع سوى الواقع نفسه وهذا ما فعلته المسرحية.

الإخراج في عرْضَي البهلوان والخراب:

كعادة مخرجنا العراقي يستفيد من مدارس إخراجية متنوعة انطلاقا من روحِِ تجريبي يبحث في توظيفِ الخبرات وألوان المدارس في خدمة توصيل الفكرة. ومثل هذا الهدف يستبعدُ مدارس الإبهار واعتماد التقنياتِ في تشفيرِ العملِ الدرامي كما عند فوخس وكريج وآبيا وجوفييه وجاستون في وقت يُركِّز على الممثلِ بوصفِهِ خالقَ العرض مثلما هو الحال في تجريبية مييرهولد وتايروف وواقعية ستانسلافسكي ودوق ساكس مايننغن (أو جورج الثاني). وفعلَتْ العروضُ الثلاثة هذا الأمر مثلما عملت على توظيف [ آلية قراءة قطعة مقتبسة] على لسان الممثل في أدائه لدوره حسب غروتوفسكي ومسرحه الفقير. ومثلما ستانسلافسكي أكد رسول الصغير على تركيز قوة الأفكار في الصوت وهو يتوافق مع الحركة الجسدية التي جاءت مستندة لامتلاك الحس الموسيقي أما البهلوانية عند الصغير فهي عودة إلى رؤى مييرهولد.ولقد كسرَتْ العروضُ الثلاثة حاجزَ مسرحِ العلبةِ .. وكأنَّ جاك كوبو يُلتزَم في انفتاحِ الخشبةِ على الصالةِ وفي إلغاءِ إضاءةِ البروسينيوم لكسرِ الحاجزِ بين الممثلِ والجمهورِ وهو ذاتهُ في إبقاءِ مييرهولد على أنوارِ الصالةِ لرفعِ حرارةِ الجمهور وتفاعلهِ مع العرضه ومثل ذلك لاحظنا الإفادة من الحركةِ لتوليدِ الصورِ الحُلُميةِ (كاميران والخراب) ورفضِ الإبهار وتوظيفِ التقنيةِ لخدمةِ الكلمةِ حسب بيتوييف وبيتر بروك. وعملت العروض في دائرةِ هذه الخطوط الإخراجية على استخدام رمزيةِِ دالةِِ عند تعلّق الأمر بالديكور[نذكِّر بجورج بيتوييف] ومع أن جميع العروض اعتمدت الممثل في تقديم العرض إلا أنها لم تذهب لما فعله تايروف من إهمال قيمة التقنية والابقاء على الخشبة حالةََ من المسطحات بلا زخارف بل عادت إلى توظيفات جورج الثاني وأنطوان المعبرة واقعيا من حيث الصلة بين الممثل وبيئته ـ الديكور ـ ورمزيا في خدمة الفكرة وتقديمها عبر القيم البصرية أو في سينوغرافيا العروض.. وهي على أية حال لم تكن غروتوفسكية(أو من المسرح الفقير) وإنْ احتاج المخرجون هنا لذلك بغية تجاوز خوانق الأزمات الانتاجية.

وفي قراءة ميزانسين العروض أو انطباعات الحركة بصريا في المشهد المفترض بعيون المتلقي فإنها كسرت فكرة المستوى الواحد [ولكن ذلك كان] في ذهن المشاهد لا على الخشبة, وألغتْ الحركة المتقاطعة العمودية ووفرت أشكالا مناسبة للتعبير المطلوب.

وفي مثل هذا الاختيار لصالة اليوم تذهب بعيدا قراءات من نمط حساب موقع الممثل وزاوية وقوفه أمامية أم بروفايل, جانبية أم لا .. وهكذا؛ حتى صار الاندماج بالصالة والجمهور وسيلة لعلاقة حيوية تُحَس بعيدا عن مشهد اللقاء المادي بالوقوف الأمامي بالمواجهة بين الممثل والمشاهِد.ه ولكنها أيضا تتطلب حيوية وسرعة تغيير الحالة وتنويعها لتلافي لحظات انعدام تلك المواجهة المطلوبة.

إنَّ جملة من المعطيات ستظل مغفلةََ عند الاكتفاء بهذه العجالة لقراءة أعمال نالت حرارة اللقاء ومصداقية الإبداع وعلى سبيل المثال استخدام الرمز في مسرحية عليكم سلاما بخاصة في المشهد الختامي وتوظيف غنائية رومانسية شفافة لإضفاء الروح الشعبي على المعالجة وكيفية تناول الموضوع.. إنّ أمورا عديدة غير قابلة للحصر هنا تظل بحاجة للإضاءة والمناقشة ويظل النقد مطالبا بقراءتها بتأنِِ وهذا من شأنه الدفع بإبداعات فنانينا للتطور والترسّخ وتأصيل التجاريب المجِّدة.

...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *