ثقافة الداخل.. ثقافة الخارج

يكثر هذه الأيام الحديث عن انقسام شعبنا بين الخارج والداخل بخاصة في ضوء الكم الكبير من الفئات التي اضطرت للنزوح أو خضعت للنفي القسري الذي مارسه النظام الدكتاتوري منذ حوالي الثلاثة عقود؛ ولعل هذه الإشكالية تبدأ أول ما تبدأ مع ظاهرة استخدام مصطلَحَي خارج\داخل بغية التعامل مع الواقع في تقسيمه الجغرافي البحت بتوصيفه المكاني, ثم تتوسع المسألة مع تعمّق البعد الزمني ودخوله على الخط ليشكل عامل انفصال أولي بين القسمين من جهة تراكم حالة البعد والانفصام حتى إذا تواصل الأمر واتصل الحديث صار بعضنا أبناء لحظة أقسى بتراكمات الواقع المعاش في الداخل تحت رحمة الدكتاتورية وعوامل تأثيرها في استلاب أبعد لكل شئ ومن ذلك مزيد من تسطيح الخطاب الثقافي وإلغاء دوره ومصادرة أية محاولة جدية للتواصل مع الحياة والإبداع في أجواء منطقية أو طبيعية.

وصار بعضنا الآخر يخضع لعوامل وتراكمات (الخارج) وظروفه ومنطق قوانينه سواء تأثيرات الغربة أم تأثيرات التفاعل والاندماج مع عالم جديد. فتكون الثقافة المولّدة كما ظهر المولدون في أندلس الأمس.. ولكن هذه مجرد إشكالية أو قضية أو أمر موضوعي يمكن تحليل أبعاده وتقبل منطق نتائجه.. إنما المشكلة تكمن في أمر آخر هو في مَنْ يستغل هذا في مزيد من تعميق حالة الانفصال والانقسام ويعمل على خلق حالات من التعارض والتقاطع بين الطرفين بدلا من البحث في حالات التكامل واللقاء والتفاعل بما يخدم مسار مجموع فئات شعبنا وأقسامه حيثما كانوا .. ولعل المثقف وعالم الثقافة هو خير قسم من شعبنا ممن تقع عليه مسؤولية إبراز الشخصية الوطنية وهويتها الواحدة وليس من ضير في التفاعل مع التيارات الإنسانية المتنوعة المختلفة والإفادة من تجاريبها ولا نقف عند عبارة (لاضير) بل من النافع لثقافتنا ألا تقف عند حدود الانغلاق والتحجر والانقطاع عن المحيط الإنساني وذراعنا في التفاعل والاتصال هو عالم المهجر والمنفى فهذا قسم من ثقافتنا التي نعتز بإبداعاتها وخصوصية ما تقدّم ولا يمكن لتحليل موضوعي أو لمنطق أنْ يصادر حالة انتماء هذا القسم لشخصيتنا الحضارية وعندها لا يمكن القبول بفكرة حق أهل الداخل في استبعاد أهل الخارج أو باستعلاء أهل الخارج على أهل الداخل على أساس تفاوت الخبرة فكل قسم يملك خبرة التعامل مع وجوده المباشر ولكن الثقافة ليست كالسياسة في تعاملها مع المباشر الآني أو العابر , إنها تتشكل من العمق التاريخي والجذور الحضارية الضاربة في تكوين العقل ومصادر وجوده وإبداعه … حيث لا تعارض بين الخارج\ الداخل في الثقافة العراقية بل بشكل أدق نقول : حيث التكامل بين القسمين هو الذي يشكل الوحة العراقية ومشهدها الحقيقي ومن دون ذلك لا تتشكل لوحة الثقافة العراقية الكاملة . وقد يكون من دواعي ما نذهب إليه هنا هو وجود مئات آلاف من مبدعينا ومثقفينا اليوم في منفى الاضطرار (الخارج) وهم يرفدون بتواصلهم حركة الثقافة العراقية بكل ما يساهمون به في مسار الإبداع الإنساني حيثما وجدوا حاملين لواء ما اختزنوه وحملته الضلوع من حبل سري لم ولن ينقطع وما لا يمكن لمنصف أن ينكره على مبدعِِ عراقي التزم همَّ الوطن والناس .. وفي مثل هذا الموقف سيكون علينا استذكار تطلعنا جميعا لعراق ديموقراطي لا ينصِّب فيه طرف حكما أو وصيا على آخر ولا يهمّشه أو يبعده أو يمنع عليه أنْ يأخذ دوره في بناء الغد القادم إلينا بكل عوامل اللقاء لا الفراق , عوامل التعاضد لا التقاطع, عوامل احترام ثقافة الآخر والتفاعل معه بنائيا لا اتلافيا وتلك هي الثقافة العراقية واحدة لا خارج ولا داخل في انفصام وانقسام إلا بالعودة إلى لحظة استخدام المصطلح لموضعه ومنطقه الصائب .. وصواب الأمر أننا واحد في حالة من التنوع كما هي حضارتنا وثقافتنا أزلا وأبدا…

  الدكتور تيسير الآلوسي

                                        نُشِرَتْ المادة  في جريدة البيت العراقي عدد25

...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *