عروض مسرحية بالهولندية وجهود فنية عراقية

سينوغرافيا مميزة لِقطّة المهرجان وفضاءات أسطورية للحب السومري

في إطار المهرجان الثقافي العراقي قُدِّم عرضان مسرحيان بالهولندية كان العمل الأول بعنوان ذيل القطة ولهيب الشمس و شارك فيه الفنان صالح حسن ممثلا .. وقد اعتمد العرض بسبب صفة اتجاهه إلى جمهور من فئة عمرية محددة , اعتمد على الزخرفة اللونية في سينوغرافياه ما منح العرض قيمة بصرية مميزة ..

وإذا كانت الفكرة في العرض قد أفادت من تخيّل مجتمع متعدد الأعراق أو الانتماءات فإن ذلك انعكس بوضوح على جملة التفاصيل الاستعراضية التي تضمنها العرض والتي ساءها وجوده في قاعة بإنارة نهارية أثرت كثيرا على دور الإضاءة وفعلها في الجملة البصرية بخاصة في عملية التنقل بين المشاهد الأمر الذي حاولت شخصية المعلّق (القطة) أن تتجاوزه بمحاولة التأثير على الجمهور وجذبه وإضفاء الهياج على القاعة وخلق روح المشاركة الانفعالية .. من الملاحظات السريعة التي يمكن أن نسجلها هنا هو تمركز الفعل وسط الركح وجعل المناظر الخلفية للديكور عائدة إلى أجواء مكانية غريبة على زمن الفعل وهي محاولة لإضفاء الحُلُمية والتنقلات الخيالية التي تتعامل مع ذهنية المتلقي المقصود من جهة ومع طبيعة الموضوع أو ثيمة العرض من جهة أخرى ؛ كذلك كان هذا موفقا في إظهار مركزية الشخصية ودورها تجاه بقية الشخصيات ولكن ليس من الصحيح دائما مركزة كل الشخصيات والوقائع في موضع واحد بخاصة عندما نحتاج إلى انسيابية في ميزانسين العرض الذي يعتمد القيمة البصرية وتؤثر فيه حالات اختلال معالجة أية مفردة في إطارها البصري والمقصود هنا استخدام فضاء الركح عموديا عندما تُستخدَم المستويات المتعددة وأبعاد هذا الركح عندما يتعلق بالحركة أفقيا أو في عمق المسرح فمن المفردات المفترضة محاولة الدمج بين المناظر الخلفية والبناء التشكيلي لحركة الممثل \الشخصية ولحركة مجموع الممثلين سويا أي في حال التفاعل وتجسيد الحدث المسرحي ولنتذكر في جملة هذه المفردات رقصة السيوف والحدث الذي يجري على الشاطئ والرقص الكلاسي واحتفاليات المجموعة وتداخلها .. ومن الضروري هنا أن نسجّل للفنان صالح حسن دقة أدائه وتنقلاته في فضاء العرض وتعبيرية الحركة وما كانت تمنحنا إياه من دلالات في سياق العرض إلا أن هذه الحقيقة تمَّ اختراقها في أكثر من موضع انسجاما أو استجابة لطبيعة (لحظة العرض ) ومن ثم علاقة الممثل بجمهور الحفلة في تلك اللحظة بما يقطع الهارموني البصري المقرر في خطة العرض بسبب ما أفلت في تلك اللحظة التي أشرنا إليها؟ كما كان لصالح أن يستجلب بعض الحركات التي ينتمي إلى قيمها الحضارية عندما يتعلق الأمر بتقديمه بوصفه القادم من بلاد النهرين الأسطورية وبعامة فقد نجح العرض في غاياته وفي إطاره الخارجي ودلَّل على حِرَفية مميزة وإنْ كانت الهفوات البسيطة عائدة إلى طبيعة مكان العرض واستعدادات الفريق للتقديم فيه.

وفي العرض الثاني “حب في أوروك” الذي كان من إعداد الشاعر صلاح حسن وإخراج الفنان المغربي الأصل ماجد شكري ومرافقة موسيقية لعازف الناي ستار الساعدي وجدنا محاولة للمزاوجة بين الماضي الأسطوري وموضوعة آلام العراقي في يومه القائم ومحاولة لاستجلاب عوالم الفعل البطولي للأمس وتقديمه على مسرح معاصر جديد .. تابعنا في الحقيقة التباسات عديدة ففي محاولة استخدام طريقة بريشت ومسرحه الملحمي وقعنا في التباس بين أنْ نفسِّر جمود الحركة وبطئها بمفهوم العمل (التاريخي) ومفهوم الأداء التغريبي المعهود وتعلق هذا الأمر بالإخراج الذي سنجد له لمسات طيبة في ثنايا العرض مثل إبرازه الصراع بين الراعي والفلاح وهو ما أرادت الأسطورة تسجيله عندما كانت تعالج استقرار الحضارة وانتقالها من سلطة الراعي المتنقل إلى الفلاح المستقر أي زمن ولادة الحضارة الإنسانية الأولى , السومرية هنا لحظة ولادة أولى المدن وحضارة المدينة ودولة المدينة وسلطتها الجديدة وفي الحقيقة ظل الإخراج حائرا بين الاستجابة لإعداد النص الذي توقف عند نقل حرفي للنص مرات وتدخل في سياق الاقتباس لم يأتِ بمردوده الفني المطلوب وهنا ننتقل إلى التباس آخر بين أهداف الأسطورة وأهداف الدراما فهما فنيا مختلفين وعلى صعيد مادة أسطورة ديموزي فقد كان لها ما أشرنا إليه للتو بينما ما أرادت دراما صلاح حسن أنْ تقوله لنا هو ذلك الحب الذي تقمص قصة ديموزي وإينانا لكي يضفي عليه المثالية والقدسية ولكي يمنحه التشخيص المحلي الذي يستجيب للغاية الأخيرة في عرض آلام شعب ما بين النهرين بالاستناد إلى شخصيته الحضارية من جهة وإلى امتدادها الكبير اليوم الواقع تحت ضيم الدمار الشبيه بالذي حلَّ بأوروك الأسطورية … ومثل ذلك لم تُفهم حكاية إنانا التي تحكي تعلّم الأبجدية الحضارية عبر جماليات إنسانية استخدمت الأسطورة لهذا الغرض موضوعة المرأة واللذة من دون أنْ تقف فيما قدمته عند حدود اللغة الإيروتيكية البحتة التي لاحظناها في معالجة الإخراج والأداء المعاصرَين ؛ وبالعودة إلى الملحمية أوالتغريبية نتساءل عن طبيعة توظيف المغني وهل كان في تلك القطعة المسرحية ممكن الحذف من دون تأثير يُذكر ..ألم يكن من الضروري معالجة مفردة المغني والمعلِّق بحساسية مختلفة وتذكّر ما للملحمية من أهمية لهذه المفردة؟ وفي موضع آخر كيف أمكن تقديم كل ذلك الصراع المحتدِم الشرس بين مستويين حضاريين بكل ذلك البطء والرتابة في الحركة ؟ وكيف تُرِك الركح بكامله ليُقدَّم الفعل في منطقة البروسينيوم وكل إفادة العرض من عمق المسرح هو نقل اللاعب (الممثل) عند انتهاء أدائه إلى ذلك الموقع بعد أنْ يكون قد جمّده في وقفة بروفايل أو ربع أو نصف بروفايل ورفع رأسه ليلقي بأداء خطابي نراه يتطلع في البعيد الضائع سابحا في الفضاء اللامنتهي لا في أمر محدد ملموس. أما جوانب المسرح فقد (اقتعدها) المغني ؟ و (عازف الناي؟) مخرجا ألحانه التي توافقت مع تفكير مخرج المسرحية من جهة الإيقاع الحزين الرتيب فيما كان ينبغي أن يغيِّر من إيقاعه في لحظات احتدام الصراع لنتابع إخراجا موسيقيا مفسِّرا لا معلِّقا سلبيا بخاصة في مثل هذه الأعمال التي تصلح للتحوّل إلى أوبرا ناطقة بمعطيات الأمس وما تركه للحاضر بمعنى يؤكد القيمة الموسيقية ودورها الفاعل ولا ينفع في هذا الشأن وَلعُنا بالناي ولا ببراعة أدائه إذْ أن الأمر يتعلق بمسائل جمالية بنائية ومما نضيفه هنا أنّ الإضاءة لم تظهر إلا في مشهد واحد فقط عندما أُستُخدِم الأحمر بامتداد ديموزي واستلقائه في أحد مشاهده ومع ذلك شوَّش عليه نسيان الأزرق في معاكسة ضوئية اتلافية .. وعلى أية حال وفي جملة ملاحظاتنا هنا نستوحي ما وصل إليه المسرح العراقي ومن ثم لا ينبغي التهاون مع مَنْ يمثل هذا الفن المتقدم عندنا أن يعود بنا القهقري , حتى لو كان من يفعل هذا هو نفسه الذي أبدع بالأمس ليخفق اليوم فبلا معايير جمالية لانتقدم.. غير أن حب في أوروك يظل له حق الحديث عن طلب المشاركة والتفاعل مع المهرجان لنؤكد للآخر ما يكمن فينا من تطلّع إلى المثاقفة والتلاقح الحضاري والتفاعل البنّاء ويظل لها محاولة الدمج بين العظمة التاريخية ومجد الحضارة وقوة الفعل ليوم تتحقق فيه إرادة الشعب في البناء والخير والسلام…

 

...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *