في الأدب والفن: اختزالات في مدارسهما وفلسفاتهما

قراءة في مسرحية الجرافات لا تعرف الحزن

                         [توجد قراءات سابقة في مسرحية الجرافات لا تعرف الحزن, أما هذه القراءة الجديدة لمحرّر المقال فهي لا تركّز على أكثر من شخصية العجوز ومسار المعالجة المذهبية الفنية التي تمّ توظيفها أو تشابهت أحيانا معها والتقت معها كما في مدارس الفن والأدب الإنساني المعروفة .. ولكن هذه القراءة تظلّ اختزالا سريعا جدا فيما تتناوله وتقدم المعالجة النقدية النظرية له .. ومن هذه الناحية نكثِّف بكلمات بعض ما يساعدنا على متابعة هذه القراءة السريعة.

فبيئة العرض رمزية بمعطيات دلالية تعالج الواقع العراقي في ظل الدكتاتورية , البطل في هذا العرض رجل عجوز  وُضِع داخل صندوق ما أنْ يُفتَح له بابه حتى تبدأ الحكاية , إنّه مستدعى من جهة أمنية للتحقيق عن علاقته بابنه الذي رحل إلى المنفى ومَنْ الذي ساعده على الرحيل؟ وكيف ؟ وطوال معايشتنا لحكايته نلاحظ المحقق يلفّ العجوز شيئا فشيئا حتى تكتمل عملية  خنقه وتكفينه وحجزه داخل سجن السلطة التي مارست معه فنونها.. لقد رحل الابن فأعقبه رحيل الأم ومازال الأب في الانتظار , لقد حاول ثنيه عن الرحيل لكن الابن كاد يختنق في عالم موبوء لا حرية فيه , فترك كل عزيز لتلك (السلطة ورمزها المتمثل بالجرافات) التي كانت تأتي على كل شئ  حتى تأتي على حياة ذلك العجوز في تراجيديا التدمير والقتل التي أراد العرض أنْ يجسّدها في  معاناة ذلك العجوز ونهايته المأساوية …]

                           إنَّ مهمةَ الأدبِ والفن ومنه المسرح هو الكشفُ عن العلاقةِ بين الوجودِ والعملِ, والإجابة عن أسئلةِِ من نمطِ هل المرء منّا من صنعِ ذاتِهِ أم غيرِهِ؟ ماالعمل؟ كيف نعمل؟ والفن من هذا النوع[أي النوع الذي يطرح مثل تلك التساؤلات: كما يحصل وإنْ جزئيا{وبخلطة من المدارس والمذاهب الأدبية والفنية} في نموذج مسرحية الجرافات لاتعرف الحزن التي نتابعها هنا] لا يكتفي بمتعةِ فارغةِِ أو تزجيةِ وقتِِ بلا طائل.. بل هو أبعد من التسلية, إنَّه استغراقُُ في التفكيرِ والتساؤلِ, ونجاحنا في ذلك ليس في عرض العالم لكي (نراه) حسب بل لنعرف وسائل تغييرِهِ أو أنْ نتحفزَ لإزالةِ العالمِ العتيقِ البغيضِ المريضِ..

                             لقد عبر الرومانسيون عن معطياتِ الغربةِ بوصفِها شعور الفردِ بالانفصامِ عن محيطِهِ. والرومانسي لا يجد الحقيقةَ ولكنه على يقين من وجودِها.. هكذا كان إحساس العجوزِ بعد رحيل ابنه تجاه محيطِهِ.. أما الواقعي فإنَّه يؤمن بأنَّ العالمَ زائف قائم على اللامعقول الذي يشكل حقيقة عالم مُسْتَلَبِِ مُستَغَلِِ وهو ما ظلَّ يردده ذاك العجوز..

                             والرومانسي يعمل على التوائم مع هذا الوجود وهو مالم يفعله العجوز الذي ظلّ يرفضُ العالمَ المحيطَ به كما أشرْنا للتو..

بينما الواقعي يعمل على مواجهته بكل فظاعاته وبشاعاته وإعلان الحقيقة بلا تزييف الأمر الذي لم يكتملْ في شخصية بطل الجرافات (العجوز) فبقي من دون مواجهة جدية واضحة.

إننا نرسم على وجه قمر حياتنا تخطيطات عاداتنا وطقوسنا وهي جزئية من العمل الذي ننهض به.. وحيث نتابع العجوز نجده يفعل ذلك ليس بوصفه بطلا تراجيديا يواجه مصيره… وبالانتقال إلى توجه آخر لمسرحية الجرافات نتجه للمسرح التغريبي حيث نجد بريشت الملحمي كما في دائرة طباشيره القوقازية يعمل على مشاركة الجمهور في الفعل المسرحي وعلى كسر وحدة الموضوع\الحدث .. ونجد مسرحيته الملحمية احتكاما قضائيا أمام هيأة محلفين هي الجمهور وهنا يستخدم المحامي (وهو المخرج المؤلف) كل وسائل الإقناع من تعليق اللافتات على الستار والجدران ورفع الشعارات واستخدام السينما لعرض صور ولوحات تؤيد وجهة نظر المؤلف..[أليس هذا هو ما لاحظناه في عرض مسرحية الجرافات لاتعرف الحزن] وفيها أيضا لاحظنا تحول اللغة البشرية إلى اللاتفاهم  [وهي في جوهرها ليست كذلك فاللغة أداة اتصال وتفاهم] وإنْ وظِّفت في المسرحية المذكورة بطريقة لم تعد لتبادل الآراء والعلاقات هنا جافة قاسية مع آلية رهيبة تحكمها قوانين الاستغلال وكلُُّ هنا يتحدث لغته في واديه فيما يمكن تجاوزا  أن نطلق عليه حوار الطرشان ومثاله حوار المحقّق مع عجوزنا هذا الذي عمل صانعا العرض على إجراء ريبورتاجا عن حياته

وهو ما يحيلنا إلى تشيخوف الأوتِشْرك أي(الاستطلاع أو الريبورتاج) الذي شكَّلَ ثورة ولكنه في الآن نفسه إظهار للعجز عن التغيير واستسلام بمرارة ويأس مع إحساس بالضياع واليأس كما في الشقيقات الثلاث ونحن نلحظ بعضا من هذا المعنى ما جاء على لسان العجوز ولا معقول وقائع حياته التي نتابعها…

ألم نتابع مدرسة العبث ونلحظ تفاصيل التغييرات في كل مفردات المسرح من الأداء التمثيلي إلى الإخراج إلى غير ذلك مما يُشبه ما نجده في التجاريب السريالية ولغة الاستبطان أو اللاوعي بخاصة عندما نستمع إلى نشيج ذات العجوز ودواخله حيث رؤية العالم الداخلي للإنسان هي الحقيقة حسب فلسفة هذا اللون الفني فيما العالم الخارجي له هو الزيف..

وفي إطار الفلسفة ذاتها لا منطق (محدّد) لفهم الأشياء إذْ نتلمس من وقائع استذكارات العجوز:

ـ الإحساس بالضياع وفقدان الثقة…

ـ التعرض الناقد للوضع الإنساني العيني…

ـ  تعرية العلاقات القائمة والضعف فيها…

ـ الكشف عن وحشية الإنسان المخيفة والمختفية وراء ظاهره المزيف

 لنتذكر خراتيت x  يونسكو ووحشية العلاقات

النازية وصعودها وتفشيها في ألمانيا..

[لغة العبث] التهكم والسخرية وصور الأحلام وخواطر المرضى السريالية

وهذا التذكّر يساعدنا على توضيح استدعائنا لمفهوم العبثية هنا …

وبعد فإنّ مايسمح لنا بتغيير مسار تطور المسرحية ليس وجود أزمة معينة (إننا خارج المسرحية في أرض الواقع في قلب الأزمة) ولكن رصدنا ذاك يأتي من متابعة حركة الشخصيات التي تتغير من المحادثة الخبرية الهادئة إلى الحركة الفيزيائية المعبرة حيث طبيعة تفسير الرموز في نطاق مثل هكذا مسرحية تعتمد أساسا على توظيف تقنية الخشبة والدلالات التي تضفيها هذه التقنية .. أي أنّ ما نراه مفكّكا غير مترابط في إطار تطور خطاب المسرحية “النص” لن يبدو كذلك عندما يكون على الخشبة نظرا لعوامل الربط الجديدة المضافة ممثّلة بالإضاءة, الألوان وما تخلقه من أجواء حلمية تستوحي الفعل الباطن في صورها أي بمشهدية المسرحية التعبيرية التي تُخضِع كل عوامل العرض في النهاية لما يخلق وحدة خطاب النص وخطاب العرض.

فالمكان في هذه المسرحية هو بيئتها ومن ثمَّ هو ذاته حدثها والهيأة الفيزيائية للشخصيات ولحركتها يُعدّ مفتاحا لتلك الحبكة ومن صميم معطياتها الدلالية والفنية جوالمسرحية العام The Atmosphere وطقوس شخوصها النفسية The Mood  ..

وعلينا بعد ذلك ألا نعتقد بأن هذه القراءة المقارنة تعني تجاوز ما سبق أن سجلناه من ملاحظات في ضوء معطيات مسرحية الفصل الواحد من حالات الاستطراد وحالات القطع الصراع الواثب أو القفز ومشكلة التعامل مع الشخصية وهويتها والحوار الذي يغرق أحيانا بالسرد الحكائي والمونولوج الغنائي الداخلي… وهو ما يمكن مراجعته في القراءة الأولى للمسرحية.

...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *