المشروع الثقافي للعراق الجديد قراءة وتصورات في المسرح العراقي    

                             مرّ المسرح العراقي منذ نشأته بمراحل متعددة, وعرف تغيرات كثيرة, فبعد تلك البداية البسيطة التي اعتورتها العيوب في مناحي عدة أصبح المسرح العراقي حتى الأمس القريب يمتلك منجزه الخاص وملامحه الخاصة وإضافاته المميزة في ميدانه وفي التأثير إيجابيا في ميادين أخرى متنوعة, وتميّزت مراحله بتعدد الاتجاهات حيث الواقعية والرمزية والعبثية والصوفية وغيرها. لقد كان لمثل هذه الاتجاهات أثرها الملموس في تنوع المُنجَزالدرامي من جهة وفي طبيعة المتغيرات والتأثيرات في المتلقي وفي الحياة العامة

                           لقد كان من الطبيعي للمسرحية الاجتماعية أنْ تدخل في معالجات تلك الحياة وتفاصيلها مثلما كان للمسرحية التاريخية قراءاتها وتأثيرها  وكذلك للمسرحية السياسية التحريضية دورها المحرّك؛ ولم يكن التأثير الذي نتحدث عنه قائما على البعد الموضوعي والمعالجات المضمونية فحسب بل امتدَّ لتكون التطورات الفنية الجمالية في المسرح أداة لتطوير الذائقة الشعبية وتفتيح معالم روحية عند الإنسان العراقي مستثيرة في الشخصية العراقية قيما حضارية راقية…

                            وانطلاقا من هذه المكانة الحيوية للمسرح في حياة الشعب ومن أهمية تفعيل دور المتخصصين ووضعهم أمام مسؤولياتهم التاريخية لبناء عراقنا الجديد, وجدْتُ أنَّ من المفيد تقديم عدد من التصورات التي كان بعضها جزءا من مقترحات لم ترَ النور في ظل نظام القمع وتعطيل الحريات عندما قُدِّمت في إطار أطروحة الدكتوراه التي تلخّص جهودا بحثية طويلة؛ ومعروفة معاناة العلم والعلماء بمجابهة سياسة عسكرة الحياة آنذاك بدلا من رعاية الحياة الإنسانية الطبيعية وتطورها… اليوم أجد نفسي من جديد مقترِحاَ َ تصورات وأمان قد تكون أساسا لمشروع رعاية جدية لمسرحنا العراقي …

ولقراءة المشروع أقدِّمه في الأقسام التالية : ـــ

أولا :  ما يتعلق بالأبنية ودور المسرح:

                             عانى المسرحيون طويلا من مشكلة قلة دور العرض المسرحي ومقرات الفرق وأماكن تدريبها .. حتى أنَّ بعضها التجأ لاستخدام الدور الخاصة والشقق الصغيرة وبعض الغرف والدكاكين والزوايا الضيقة منبرا خاصا به فشهدنا على سبيل المثال لا الحصر مسرح الستين كرسي وشهدنا تعطّل مسرح بغداد لمدد متفاوتة عن العمل بسبب النواقص التي أصابته.. وعليه فإنَّ مسرحنا بحاجة إلى ترميم الموجود وتطويره ورفده بالتقنيات المطلوبة وبناء مسارح مناسبة في المحافظات والاهتمام الجدي بها..

                             على أنَّ  فنانينا بقدراتهم الكبيرة والعريقة يستحقون أيضا التطلع لبناء دار للأوبرا   و مسرح كبير يليق بمسرحيينا ويكون بشكل يعيد بطرازه بناء ((بيت أكيتو)) الذي يمثل المسرح السومري الأول ولعل مثل هذا المشروع يمكن أنْ يكون جزءا من مشروع سياحي ومن إعمار منطقة أثرية تاريخية عراقية مهمة ضمت أقدم مدن الحضارة الإنسانية فضلا عن آثار المسرح السومري القديم الذي نشير إليه هنا.. فهل سيكون لهذا المشروع  حياة؟! إنَّه يعتمد على عوامل عديدة منها بالتأكيد إصرار أصحاب الشأن عليه!

ثانيا : الكليات والمعاهد التخصصية:

                              منذ أربعينات القرن الماضي كان للعراقيين وسائل الدراسة والبحث العلمي في مجال المسرح, وتطور الأمر كثيرا فيما بعد. اليوم لابد من القول إنَّ جميع الثغرات التي مرَّت على المعاهد الدراسية لابد لها أنْ تُعالَج وتنتهي. لذا فنحن أمام عملية تطوير المناهج وتغييرها بما يتفاعل مع التطورات الجدية عالميا.. وتعزيز الكوادر التعليمية العالية وتأهيلها ورفدها بالمصادر والأدوات التي تحتاجها في عملها. من هنا فإنَّ أكاديمية الفنون تحتاج إلى دعم وتطوير جديين على كثير من الصُعُد ومثلها معاهد الفنون فضلا عن ضرورات الاتساع في الظرف المناسب بهذه الكليات والمعاهد بما يغطي حاجة المحافظات  كافة. والجدول الدراسي لهذه المؤسسات العلمية ينبغي أنْ يتضمن دعوات لمحاضرين من مختلف البلدان وخبراء في التخصص, مع توفير عوامل الاحتكاك المعرفي الفني عبر مختلف الوسائل المتاحة ..  ولاستكمال معالم التطوير للنظر في التصورات المتنوعة الملخصة في النقطة التالية:

 ثالثا: تصورات واقتراحات متنوعة :

                    وردت هذه التصورات في أطروحة الدكتوراه وفي مواضع أخرى لكاتب هذه السطور. وتُعدُّ هذه المقترحات نتيجة طبيعية لتعرّف صاحب هذه القراءة إلى ظروف المسرح العراقي ومساره التاريخي عبر دراساته الأكاديمية بخاصة منه النصّ الدرامي الذي تخصص فيه, ومن ثمَّ تعرفه عن كثب إلى ما جابه المسرح والمسرحيين من مصاعب وعقبات, تلك المصاعب التي لا يمكن التغلب عليها من دون تضافر الجهود الجماعية الاستثنائية ومن دون توفير الفرص الموضوعية الكافية لانطلاقة نوعية جديدة في مسرحنا. ومن أجل تحقيق هذا التطور وُضِعَتْ  هذه التصورات والاقتراحات:ـ

1 ـ   طبع النصوص الدرامية ونشرها: وليكن ذلك في سلاسل منها, سلسلة لنشر النصوص الحديثة, وسلسلة إحياء التراث الدرامي, وسلسلة الروائع أو النصوص المتميّزة, وسلسلة مسرحية الفصل الواحد…

2 ـ    التوثيق والأرشفة: لقد أصبحت عملية التوثيق والفهرسة ضرورة, من دونها, ستظل الدراسات والبحوث تراوح في مكانها وتجابه مصاعب جمة بخاصة عندما يعمل كل باحث بمعزل عن الآخرين, بسبب افتقار المكتبة إلى وجود ما يشير إلى البحوث وإلى النصوص.. وفضلا عن ذلك فنحن بحاجة إلى مركز وطني للتوثيق ولحفظ النصوص يمتلك الإمكانات الكافية لدعم جهود الباحثين. وإلا فإنّه في حالة عدم فتحه لجهود البحث والدراسة سيبقى محض متحف لعرض قليل من نماذج الماضي.

3 ـ    إدخال درس (المسرحية) في مناهج كليات الآداب أسوة بما يحظى به الشعر والقصة من اهتمام في هذه المناهج على أنْ تُمنَح الفرصة الكافية لهذا الدرس, كأنْ تُدرَس البنية المسرحية في السنة  الأولى والمسرحية العالمية والعربية في السنتين الثانية والثالثة والمسرحية العراقية في السنة الرابعة والقصد من تأخير درساة المسرحية العراقية, هو من أجل توفير فرصة لعدّ السنة الأخيرة سنة مشروع كتابة النصّ.

4 ـ   إقامة مسابقات خاصة بكتابة النصوص ودعم الفائز منها بالنشر والعرض.

5 ـ   إقامة دورات الكتابة الدرامية والنقد المتخصص بإشراف كليتي الآداب والفنون. ويُقبَل في هذه الدورات كتّاب المسرحية ونقادها وأولئك الذين يمتلكون أهلية مناسبة لهذه الدورات.

6 ـ   إقامة حلقات دراسية على هامش المهرجانات والعروض الموسمية تسبق احتفالات يوم المسرح العالمي ويكون من مهمات هذه الحلقات الدراسية تقويم النصوص المتنافسة.

7 ـ   تطوير نظام المكافآت وتعزيزه باقتراحات مناسبة جديدة, بإضافة جوائز جديدة منها مثلا جائزة النقاد للأفضليات (أفضل نصّ, أفضل مخرج, أفضل ممثلة \ ممثل, أفضل…) والجائزة الأكاديمية التي يمكن أنْ تشرف عليها لجنة من أساتذة الآداب والفنون.

8 ـ   إصدار دوريات بالمسرحية بخاصة مجلة شهرية تعنى بدراسات المتخصصين وبحوثهم والاهتمام في الوقت الحاضر بتعزيز النشر في الدوريات الأسبوعية واليومية من خلال توسيع الزوايا وتثبيتها, والتنسيق بين المشرفين عليها.

9 ـ   تعيين لجنة مساعدة للفرق المسرحية من كتّاب المسرحية ونقادها أو أنْ تهتم كل فرقة بأنْ يكون لها كاتبها وناقدها الدرامي الخاص بها.

10 ـ   ترجمة الدراسات المتعلقة بالمسرحية العراقية بخاصة والمسرحية العالمية بعامة إلى اللغة العربية وتوفير المصادر المهمة والدوريات المسرحية الموجودة في البلدان العربية أولا والبلدان الأخرى ثانيا.

11 ـ   تشجيع تشكيل المنتديات المسرحية في المحافظات ودعم الملتقيات المسرحية فيها ترشيح النصوص المتميزة في كل محافظة للتقديم في مسارح العاصمة.

12 ـ   دعم الكتابة المسرحية المحلية بخاصة في المحافظات إعلاميا وتقديمها للإذاعة والتلفزيون وتوجيه متابعة أكثر موضوعية (إعلاميا) لمسرحية المحافظات.

13 ـ   توفير هوية لنقاد المسرحية والباحثين المتخصصين تساعدهم على حضور (بروفات) وعروض المسرحية وعلى الحصول على المواد والنصوص التي يحتاجونها من مراكز الدراسات والبحوث والتوثيق المتعددة, وتكون هذه الهوية البحثية بديلا لنظام العلاقات الرسمية (الروتينية) وعقباتها الكثيرة.

14 ـ   تشكيل هيأة أكاديمية قومية لمتابعة شؤون التخصص الأكاديمي وتطويره من خلال الحصول على عضوية هذه الهيأة , بعد تقديم نشاط بحثي مناسب في الاختصاص. وهذا الأمر يتعلق بتطوير الكادر العلمي المتخصص في الكليات والمعاهد ..

15 ـ    تشكيل اتحاد المسرحيين وروابط الفنانين العاملين في المسرح كذلك روابط كتّاب المسرحية و (نقادها) المتخصصين على المستويات المحلية والقومية.. على أنْ يكون أساس برامج هذه الروابط هو الدفع بمسرحنا ومسرحيينا العراقيين إلى مستويات أرقى وأفضل. أشير هنا إلى الدعوة الموجهة بغية أخذ زمام المبادرة لتشكيل النواتات التحضيرية لهذه الروابط فورا.

16 ـ     إقامة المهرجانات السنوية مثل الاحتفال بيوم المسرح العالمي, إقامة مهرجانات المحافظات, إقامة مهرجان المسرح السومري وإحياء (بيت أكيتو) نفسه, إقامة مهرجان بغداد العالمي للمسرح التقليدي والتجريبي وغيرهما.

                                     قد يكون لتطبيق هذه المقترحات أثره  في دعم المسرح العراقي وتطويره بما يرتقي به إلى مستويات النضج الفني العالي. وأجد بشكل مبدئي بوصفي متخصصا بالدرس الأدبي المسرحي فرصة للدعوة لتطبيق عدد من هذه المقترحات في كليات ـ الآداب ـ مثل الحلقات الدراسية, والدورات التطويرية وغيرها من الاقتراحات الملائمة, وهذا الاقتراح يعدّ محاولة أو نواة طيبة لمواصلة العمل بهذه المقترحات. ومن ناحية أخرى أجد أن تسجيل الرسائل والأطاريح المتخصصة بالدراما أمر ضروري اليوم بعد أنْ كانت تعترضه مواقف متزمتة بخاصة في أقسام اللغة العربية. وهناك فرص مؤاتية كثيرة في ظل تطلعنا لعراق جديد توفر إمكانات تطبيق هذا المشروع.

...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *