المعرفة شرط لوجود الديموقراطية نظاما ومنهجا وركن أساس فيها

الديموقراطية والمعرفة: نشرتُ منذ سنوات قراءات في الديموقراطية محاولا تعريفها كما هي حقيقتها وجوهرها وكي لا يجري العبث بتطبيقاتها على وفق ادعاءات بائسة تضليلية تنشر الأباطيل فيما يُمارس بحق الناس من جرائم .. ما الديموقراطية وما آفاق تطبيقها عراقيا بصورة حقة لا بقشمريات نظام واجب التغيير جوهريا ونهائيا؟؟؟ هذه إجابة عن ركن أساس توضيحا  مع تطلعات لمزيد حلقات بالخصوص

                       لكلِّ مشروعِِ  أسسٌ لابد من توافرِها فيه تميِّز مكوناتهِ ووسائل تحقيقهِ وأهدافَهُ الجوهرية وتفاصيلَ ما يُحتمَلُ أنْ يجابهَ مسيرةَ تنفيذِِهِ؛ بخاصةِِ إذا ما كانَ ذلك المشروعُ يحملُ روحاََ جديداََ ويمثلُ تغييراََ جذرياََ في إطارِ الواقعِ الذي سيُطبَّقُ فيهِ. والديموقراطيةُ المنشودةُ لعالمِ حياتِنا ما بعدَ الدكتاتوريةِ هي مِنْ أكثرِ المفاهيمِ السياسيةِ التي تحتاجُ إلى الدراسةِ المتعمقةِ المتأنيةِ , بما يضمنُ مجيئَها علاجاََ لمشكلاتِ بلادِنا لا مرضاََ آخرَ يُضافُ إلى ما ابتليتْ بهِ بسببِ ذلك الضيم الطويل الذي حاقَ بأجواءِ حياتِنا بكلِّ مفرداتِها..                                                      

فمَنْ يعرف أهميةَ العمليةِ الديموقراطية ؟ ومَنْ يعرف أهميةَ المشاركةِ في تلك العملية؟ وكيفيتِها أيضاََ ؟ إذا كانَ شاعَ بين المواطنين الجهلُ والأمية حتى لمْ تعُدْ أكثرية منهم ترى أكثرَ من أرنبةِ الأنفِ .. فصار هؤلاء لا يجدون مصالحَهُم إلا فيما يكسبونَهُ في يومِهم وما يصادفونه عشيةَ عودتِهم لبيوتِهم منهكين يبحثون عن لحظةِ استرخاءِِ مما استنزفَهم لا عن قراءةِ كتابِِ أو صحيفةِِ أو أي زاد ثقافي معرفي ينير لهم مجريات معاناتهم اليومية التي تدور في فلك بلا بداية ولا نهاية..

                          إنَّ مَنْ يشارك في الشأن العام والقرارات التي تتعلق بتوجيههِ هو الذي يعرفُ كيف ترتبطُ شؤونُ حياتهِ الخاصة بالشأن العام .. وهذا ما لا يتحققُ لشخصِِ توقفَ عند فكّ الحرفِ وكتابةِ اسمِهِ للامضاء على أوراقِِ ووثائق لايعرف كنهَها؛ ولابد لهذهِ المشاركةِ ومعرفة أهميتها في حياة أيّ فردِِ مِنْ معرفةِِ أخرى أبعد وأعمق , وهو ما يمكنُ الإشارة إليه بالوعي السياسي القائم على مجموعةِ ِ من المعارف.. وإلا فإنَّ المعني بالأمر سيظلُ في حالةِِ من الاستغفال وسرقةِ حقهِ الكامل بالمشاركة. وكيف يعرف أهميةَ هذه المشاركة مَنْ لا يعرف ذاتَهُ ! وهل يأتي ما نريد بغير معرفةِِ ؟ وهل سنستطيعُ التعبير الأمثل عمَّا نستهدفه في مثل تلك الحال ؟ أمْ سيكون صوتُنا مجردَ صراخِِ  ورفعَ عقيرة بغير منفعةِِ أومردود  ذي بال !! وعليه فمن أجلِ أنْ نعرفَ ماذا نريدُ بالضبط وكيف نحققُ ذلك ينبغي لنا أنْ نمتلكَ ما يعرّفُنا على فلسفةِ الديموقراطية وعلى مؤسساتِ المجتمعِ المدني التي تنضوي تحت لواءِ الديموقراطية وممارستِها بأكمل وجهِِ. ومثلُ هذه المعرفة لا تأتي باطلاع تجريدي على معادلاتِ ِ رياضيةِِ لا تسطيع معادلاتُ الحياة هضمَها وتمثيلها في مفردات مسار فعلِها ؛ بل تأتي عبر فعلِِ اجتماعيِِّ جمعيِِّ عام  في مسار تجسّدهِ وهو ما يندرج فيما يسميه العلماء العملية التربوية المتواصلة الوشائج مع كل مفاصل الحياة الإنسانية .. بمعنى حاجتنا لمقدمة تستند إلى السلام الاجتماعي أولا وإلى قدسية العمل واحترام الآخر والتمرّس على الإنصات لصوته والتفاعل إيجابياَ َ مع تنوع الرؤى في أجواء التسامح ووقف الانفعالية والتنافس السلبي والفئوية والعصبية لأنماطها التقليدية (كالعشائرية أو القبلية والعنصرية والطائفية) والمعاصِرة (كالروح الحزبي الضيق والشللية ومظاهر معاندة الذات وركوب مركب الجهل بالضد من نور الحقيقة الساطعة خضوعا لتلك النوازع السلبية!). إذن فالمعرفة ضرورة وقد لا يختلف في ذلك إثنان ولكن أية معرفة ؟ وكيف الوصول إليها؟ والإجابة تنبعُ من الطبيعة الاجتماعية لهاتيك معرفة ما يعني تحققها من خلال مؤسساتِ المجتمع المدني وسيلة وبالاستناد إلى التمدن والتحضر والمعاصرةِ وعدم الارتداد إلى الوراء هدفا موظّفا لامتلاك القاعدةِ المعرفية التي من دونها نتجهُ إلى مخاطر لا تُحْمَدُ عواقبها! وبها نستقرئ المناسب لمجتمعنا ولتجربتنا وخصوصيتها وطبيعة ما تمر به من ظروف ومستجدات .. وبها ـ أيّ المعرفةُ ـ لايُستغفَلُ فرد ولا تنجرّ فئة أو قوة ما إلى أجواءِِ بعيدة عن الروح الديموقراطي بل تتعمق حالة التفاعلِ الواعي بين الأطراف المتنوعة بل المختلفة الرؤى .. ثم ما دور شخص يدلي بصوتهِ بين طرفين بلا معرفة تشكل له المعيار المنطقي والحارس العقلي ؟ وما دورُهُ في توجيهِ الفعلِ الاجتماعي وهو لا يعرفُ معطيات البناء الاجتماعي ومفاصلِهِ وحركاته ومتغيراتهِ ودوافعَها؟ وما دوره في توجيه المؤسسات العامة كالبرلمان مثلا من غير معرفة بمثل هكذا مؤسسة؟ الديموقراطية غير موجودة ولا يمكنُ أنْ توجدَ في وسطِ ِ بلا معرفة.. ولعلَّ هذا يدفع بنا لمضاعفةِ الجهود في خلق القاعدةِ المعرفية عند الكافة….

ولموضوعنا بقية

الدكتور تيسير عبدالجبار الآلوسي

باحث أكاديمي ومحلل سياسي\ناشط في مجال حقوق الإنسان

                     2003\ 08   

المقال في الأرشيف بالنموذج السابق للموقع
Website :   http://www.somerian-slates.com

 

 

 

...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *