دور جماليات التلقي في توجيه الأسلوب

                                     في نطاق البحث الأسلوبي تبقى محاولات اختراق دائرة البحث اللغوي البحت وتوليد نطاقات بحثية جديدة أكبر من أنْ تستوعبها الرغبة الذاتية الطارئة لهذا الباحث أو ذاك ذلك أنَّ الأدب بطبيعته أكبر من أنْ يتحدد بمادته الأولية ـ اللغة ـ  هذا فضلا عن وجوب الإقرار بكون  مادته ليست هي (الكلمات) بشكل مباشر بل (العبارة) وبناءََ َ على ذلك تنشأ أدبية النصوص من اتحاد عناصرها التفصيلية الأولية التي يمكن أنْ نسميها الدائرة البنائية الصغرى مع عناصر دائرة بنائية أخرى (الكبرى) تتصل بانفتاحات النص الماضوية المستقرة والمرهصة المتغيرة.

 

                                     إنَّ موقع البحث الأسلوبي يقع في خارطة النص المرسومة هنا في هذه الدائرة التي تستمد معطياتها بشكل جوهري من علاقة النص بالمتلقي حيث يشتركهذا الأخير في تحديد اتجاهات النص أسلوبياََ.

                        والأدب رؤية جمالية للعالم ونهج في معاينته , ولكننا على الرغم من ذلك لا يمكن أنْ نجدَ علاقة مباشرة بين وجودِهِ المستقل ونماذجِهِ المرجعية في الواقع اللهم إلا إذا كان ذلك قسرا وأنّى له أنْ يكون أدباََ في هذه الحال؟! فحسب أرسطو فإنَّ المحتمل (وهو هنا الأدب) ليس علاقةَ َ بين الخطابِ ومرجعِهِ وإنَّما هو علاقة بين الخطاب الأدبي وما يعتقد القارئ أنَّه صحيح, فالعلاقة تقوم هنا بين العمل وبين خطابِ ِ مبثوث يمتلك كلّ فردِ ِ من أفراد مجتمع ما بعضاَ َ منه ولكن لا أحد يستطيع أنْ يزعم امتلاكه, وبعبارة أخرى , إنَّه بحوزة الرأي العام وهذا الرأي ليس بطبيعة الحال هو الواقع وإنَّما هو مجرد خطاب ثالث مستقل في العمل.

                                     إنَّ الأدبَ تعبيرُُ جمالي متجسّد في بنية مرسلة يقوم المتلقي بإعادة انتاجها وهي العملية التي تتم فردياَ َ على  مستوى الواقعة  ـ واقعة إعادة الانتاج ـ وجمعياَ َ في ضوء سلطة المجتمع من دوافع وروادع يخضع لها ذلك المتلقي لحظة إعادة انتاجه النصّ الأدبي (بالقراءة)…

                                       من هنا فإنَّ محددات الأسلوب في دائرة المتلقي تكون بين مستويين فردي صرف يمكن أنْ نسميه المستوى الضيّق أو دائرة التلقي الفردي الأولى وآخر جمعي واسع .. المستوى الأول [في الغالب] منقطع سلبي التأثير يمثل عملية التلقي الاستهلاكي الجامد , في حين يمثل المستوى الجمعي مستوى التلقي الإيجابي الفاعل الذي يعود على النص بقيم أسلوبية مضافة تمنحه قدرة الفعل الاجتماعي وهو ما ينسجم مع القيم البنائية للنص الأدبي بوصفه ظاهرة اجتماعية سواء من حيث الكينونة أم من حيث الأسلوب.

                                        إنَّ هذا التطابق بين الجوهر الاجتماعي للأدب ودور التلقي في تحديد الأسلوب الأدبي يرسخ مفاهيم حيوية في نطاق الظاهرة الأدبية ويبعد عنها تلك النظرة التي تضعها على هامش الحياة الإنسانية ومن ثمَّ تقطع الصلة بين المتلقي والنص طالما كانت تلك الصلة قائمة على تفعيل دور المتلقي والكشف عن أثره المباشر في النظام العلاماتي الذي ينتظم فيه المبدع والنص والمتلقي…

                     

                       إنَّ هذا الموضوع بحاجة إلى بحث من زوايا عديدة يمكن للقراءات النقدية أنْ تغنيه وتمنحه أبعاده الأفضل في مساحة قراءة أكبر من هذه العجالة التي تمثّل نقطة إضاءة صغيرة فقط

...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *