العلاقات القرابية العائلية بين الصحة الاجتماعية والتقاطع مع القيم الحضارية الجديدة

طفَتْ في ظلِّ الأوضاعِ القسريةِ العقابيةِ للنظامِ الدكتاتوري الظلامي عدداَ َ من العلاقاتِ الاجتماعية المريضة. وكان من بينها حالاتُ الاضطرابِ الخطير الذي دبَّ في أوصالِ اللحمةِ الاجتماعيةِ العراقية الوطيدة  “العائلة التقليدية” فكان افتقاد الثقة بين الأبناء والآباء حيث خوف الطرف الأخير من سطوة السلطة على عقول أبنائهم وتلاعبها بها وخديعتهم ليكونوا عيونا على أهاليهم.. ووصل الأمر [وإنْ بنسبة ضيقة بسبب من مقاومة الأصالة ودفاعها عن نظافة الذات العراقية] وصل حتى بين الأزواج بسبب من عمليات التسقيط التي اتبعتها أجهزة النظام ومنظماته كما فعل كل من الاتحاد (الوطني؟) واتحاد النساء!

ولكنَّ هذا ليس هو مقصودنا فقد ذهبت المساوئ وعوامل الضعف إلى عوامل وتفاصيل أخرى.. فنشأ عن اضطراب الوضع العام اضطراب في العلاقات الأسرية نتيجة محدودية تأثير القوى الإيجابية ومحاصرة فعلها ونشاطها الاجتماعي فضلا عن فعلها السياسي. وكان انقطاع الحوار نتيجة عوامل الخوف واختفائه نتيجة التباعد والانفصام العائلي حيث الابن والزوج في جبهات القتال طوال أيام الشهر أو حتى الشهرين وأكثر وحيث الأب مطحون في دوامة الحياة وتفاصيل توفير لقمة العيش وحيث عوامل الاختفاء عن أعين السلطة ..

كلّ ذلك وغيره أوقف لغة اللقاء  والحوار ومن ثمَّ التفاهم, فتولدت لغة الصمت أولا ومن ثمَّ لغة التحسس والوجل وتدرجت حتى صار الأمر بين أطراف العائلة الواحدة بحاجة للتأويل والتدخل الشخصي الخاص لقراءة عبارة الآخر وهو ما أدى في اللحظة التالية لسوء الفهم وللاختلاف والتقاطع وانفصام العلاقات التقليدية الودية الحارة.. وهذا هو الوجه الأول لحقيقة ما أصاب الجو العائلي من أمراض.

لكنَّ الوجه الآخر كان في اللجوء إلى العائلة الصغيرة والأسرة التقليدية الكبيرة والعشيرة أو أقسامها في حلِّ الأمور الشخصية بعد أنْ صارت الدولة وسيلة تصبّ بهذا التوجه زارعة التراجع الاجتماعي ومن ثمَّ تراجع الإدارة الحكومية وخضوعها لمنطق العلاقات القرابية (العائلية والعشائرية) في التوظيف وفي تقديم الخدمات وفي رسم السياسات والتوجهات. وهكذا صعدت من جهة مكانة العلاقات القرابية ودورها في توجيه السياسة العامة من جهة وجرى تخريب مصداقية تلك العلاقات من جهة المضمون والجوهر .. فتحوّلت إلى علاقات وروابط مصلحية أو نفعية ضيقة..

ونحن نجد المظهرين قائمين هنا في حياتنا اليوم بصورتيهما السلبيتين وليس من نافلة القول أنْ يقرأ التحليل العلمي ما للظاهرة من آثار مباشرة على منع قيام الدولة الديموقراطية المؤسساتية الصحيحة والصحية في آليات عملها ومفرداته. فكيف يمكن لنا الحديث عن العمل المؤسساتي الجمعي القائم على الصلاحية والكفاءة وعلى موضوعية الخيار في وقت تتأسَّس مواقفنا على دور مباشر للعلاقات القرابية  ونفعيتها وعلى التعاطي مع قرار أبوي ملزم للرأس العشائري  في نصرة أخاك ظالما أو مظلوما في التفسير المَرَضي الضيق لخطاب هذه العبارة؟!!

وإذا كان بعضنا يتحدث عن الأسباب التاريخية والمرحلة التي مرَّ بها عراقنا, وإذا كان بعضنا الآخر يتحدث عن إمكان تطوير الوضع وتصحيح العلاقات, فإنَّ الأمر الواقع يسير باتجاه الطحن والتراجع ومزيد من تفريخ التداعيات السلبية.. ولا يكفينا التفسير والقراءة ولا الصراخ في القربة المقطوعة ولكن علينا وضع آليات المعالجة بخاصة دراسات المثقفين والتكنوقراط للحالة وتشخيصهم للمستهدفات المطلوبة على المديين القريب والبعيد.

وفي وقت سيكون سليما ومفيدا في الجوهر تصحيح حالة العلاقات العائلية وتصويب مسارها, سيكون من المفيد أيضا منع تداعيات سلطة العشيرة والعائلة أو العلاقات القرابية على مؤسسة الدولة الجديدة وإلا دخلنا في دوامة لا منتهى منها بغير خراب وألم كبيرين.. وعلينا في القرار السياسي القانوني الدستوري منع التعاطي مع أية مفردة تسمح بالتجاوز من هذا المنطلق بل نحتاج في بعض الأحيان وفي بعض المواقع لمنع وجود عناصر من عائلة واحدة, وأنْ نحقق في الكفاءة والتخصص والمناسبة بين الشخصية والعمل الوظيفي المحدَّد للتأكد من خلو المسار من تأثيرات العلاقات القرابية وتوجيهها فلسفة العمل في هذا الموقع أو ذاك من مؤسسات المجتمع..

وقبيل مؤسسات الدولة فإنَّ مؤسسات المجتمع المدني أَولى في قراءة أوضاعها من هذه الناحية قبل غيرها وعليها تجاوز المحسوبية والعلاقات القرابية بالتحديد في الخيارات وفي التأثير على مسار القرارات ومصير السياسة العامة لهذه المنظمة أو تلك.. وكثيرا ما نصادف مثل هذه الحالات حتى في المنظمات التي تزعم لنفسها العلمانية والحيادية والموضوعية في قراءة الحياة الإنسانية؟ ولا أضع تعجبا لهذه الحالة فهي جزء من الحالة وليست شذوذا على القاعدة السائدة …

ومن العلاقات العائلية أو القرابية ما سنجده ملحقا بالعلاقات داخل التيار السياسي والفئة والطائفة وعملية التجمع انطلاقا من مبدأ حماية الذات ضد الآخر وهي حماية سلبية تلجأ إلى الأضعف من الخيارات لانعدام البرامجية الحضارية أو السياسات الإيجابية لديها ولافتقارها للنظرة الموضوعية البعيدة  وهكذا تصبح لدينا جملة من المسائل التي تقتضي المعالجة الصحيحة الموضوعية. فإشكالية العلاقات العائلية الصحية ينبغي التوقف عندها توقفا متأنيا وصادقا وقفة مع الذات بما يبعدنا وينزّهنا عن قيم انتهى منها المجتمع الإنساني المتحضِّر منذ مئات السنين.

 ولنسائل أنفسنا لماذا هذه المواقف الضيقة والمعالجات التراجعية التي لا تتفق وموضع عيشنا زمنا (في عصرنا القرن الحادي والعشرين) ومكانا سواء في بلاد أوروبا أم في عراق الحضارة؟ ولماذا نعيش الجهل ونتقمص التخلف في أقنعة تصورات مزعومة عن تحضرنا؟ ينبغي أنْ يكون خيارنا بغير ازدواجية بل تعددية وتشظي في شخصيتنا.. وينبغي أنْ نخلع عن أنفسنا لبوس تلك التشنجات الثأرية لمواقف شخصية أو عائلية أو عشائرية أو ما إليها من علاقات قرابية فجمودنا على مثل هكذا فلسفة يضعنا أمام خيار التحضر والتخلف أمام خيار الإيجابية والصحة مقابل الرداءة والوضاعة وليس من قيمة مضافة لمكانات شخصيات اجتماعية لأنَّها تتصور قدرتها على معاقبة الآخر والثأر منه لوقائع شخصية عائلية عفا عليها زمن وولى بلا ذاكرة..

إنَّ الذاكرة الوحيدة للحياة الجديدة ينبغي أنْ تقوم على الوعي الصحي الإيجابي لقيم التآخي والترابط والتماسك والتسامح وإلا فنحن في تراجع حققه أعداؤنا في أنفسنا ضد أنفسنا أو أنّنا اخترنا أنْ نكون من الأشرار ولكن من المؤكد لن نكون من الأشرار مستغلي البشرية من الدرجة الأولى إذ سنظل من الدرجة المتخلِّفة الوضيعة لأننا لسنا بقادرين على تحريك أوضاعنا وتبادل المكان والمكانة مع أشرار الدرجة الأولى من الطبقات العليا!!؟

ولنا متابعة مع الخيارات الفئوية والطائفية وما يشبهها ويترابط معها ومع الخيارات العائلية الضيقة المريضة.. لنسجِّل رفضنا لما يُراد أنْ يُفرَض علينا عبر أوباش الزمن الردئ من جهة وعبر جهل بعض الأفراد وتخلّفهم وجمودهم على قيم تخلى عنها حتى الأناس الذين عاشوها قبل أكثر من 1500 سنة من زمننا فتحرروا من رخيص قيمها وعليلها ومن آثارها المدمِّرة ألا يرى هؤلاء أهمية التضامن مع  أولئك الذين يبحثون في الثأر لمقتل أحد أسلافهم من جيل نياندرتال من عائلة القتلة من إنسان جاوة؟ وإلا فما معنى إيمانهم بمبدأ ألا تحتاج مواقفهم لأسباب وعلل وتفسيرات ومبادئ ينبغي أنْ نتبعهم بالتزامنا بها مثلما يفعلون؟

 أيّ قيم حضارية جديدة وأي صحة في العلاقات وتطور وتمدن وتحضر في مثل هكذا حال ,هكذا أجواء: بئس بنا من قوم إذا ما رضينا أنْ يسوسَنا مَن لايدري لماذا قال عالم منا قبل ألف عام [حضَرَ القومُ إلا حماراَ َ] … ويريد هؤلاء أنْ يكونوا بروح الثأر والجهل وضيق الأفق ومحدودية الذهن وانحسار الفكر وخطل الحكمة وفقدانها, أسيادا يحكمون بلادا تاريخها الحضاري أكثر من عشرة آلاف عام!!؟ أو نعم بنا إذا ما كان ردنا التفاؤل والتغيير وترك الفاسد من العلاقات وقيم السلفية المتحجرة ونزعنا إلى الحضارة جذورا  تاريخية وتطلعا مستقبليا!

...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *