قراءة في تجاريب مسرحية عراقية

انطباعات من ذاكرة النقد المسرحي

قراءة في تجاريب مسرحية عراقية\ المخرجان جاسم العبودي وإبراهيم جلال

يرى  بعض النقاد الطارئين على دراسة تاريخ الإخراج المسرحي يرون فيه مجرد ترفِ ِ معرفي أو دراسة من باب التوثيق و الاطلاع. وهكذا يحوِّل هؤلاء الدراسات النقدية والأكاديمية الرصينة إلى حال من التشدق بذكر الأسماء اللامعة في سماء الإخراج المسرحي  والتباري في ميادين المهرجانات الدولية والسباقات التنافسية بآفاقها الضيقة وليس مما يمكن الإفادة منها على صُعُد الارتقاء بمعطيات جمالية مضمونية مفيدة…

                                        فيما ثبت من التجربة الإنسانية أن لكلِّ إبداع قواعده و أسسه المعرفية التي من دونها لا نستطيع أن نشير إلى علامة إبداعية واحدة  لأنً ما سيُنظر إليه لن يكون سوى مظاهر سطحية بدلا من قراءة في إبداع جماليات راقية. ولابد لنا بعد ذلك أنْ ننطلق من التعرف إلى تجاريب الماضي البعيد والقريب ومن أهمية النظر في استخلاص أبعادها وثمارها, وأخذ العبرة و الدروس بدلا من المراوحة في موضع والدوران فيه من غير تقدم إلى الأمام بالتوافق مع تقدم الحاجات الجمالية للإنسان واختلافها باختلاف المراحل المعنية بالدراسة أو القراءة والمتابعة..

                                         لقد ظل المخرج والإخراج في الغالب بعيداََ عن ذهن الجمهور المتلقي  بسبب من انعدام الاتصال المباشر بين المتلقي والمخرج وإلى تصور بعضهم بأنً المخرج مجرد مترجم لإرشادات و توصيات يكتبها المؤلف الدرامي فضلا عن خطورة تأثيرات الثقافة السمعية وعمقها عند شعوبنا بالقياس إلى حداثة الثقافة البصرية  – نسبياََ ـ ما يجعل من كلّ هذه الأسباب أمرا فيه كثير من التعقيد والصعوبة وفيه كثير من التعرجات غير الطبيعية يعرقل قراءة المخرج وتجربته الإخراجية..

                                     و حتى ندخل في قراءتنا لتجربتي المخرجين جاسم العبودي وإبراهيم جلال أذكِّر باتصاف  تاريخ الإخراج المسرحي العراقي بغنى الأساليب و المعالجات الإخراجية و تنوع الرؤى يصل أحيانا إلى  حدِّ التناقض في التصورات و الطروحات التي يقدِّمها المخرج نفسه بين عمل مسرحي وآخر… ولكن الأمر يختلف مع قراءة مخرج مبدع ورائد تأسيسي لفن الإخراج المسرحي في العراق كالعبودي وجلال اللذين وضعا أسساَ َ وتقاليد راسخة وإيجابية في هذا الفن عبر دروسهما وتجاربهما قوية التأثير…

جاسم العبودي :

 

عمل الفنان جاسم العبودي مع فرقة المسرح الحر, ما كان له أثره المميَّز في المسرح العراقي آنذاك. و كان في عمله [واقعي] الاتجاه إذ تميزت أعماله بالدقة التاريخية الأمر الذي يستدعي المعالجة الواقعية المناسبة للتعبير الفني بآلية الدقة التاريخية. ولقد نقل المبدع العبودي  طريقة الأستاذ الكبير (ستانسلافسكي) متأثرا بمفردات رئيسة منها  بخاصة  مسألة  توجيه ( ممثليه )…  حيث فرضت حال قصور التقنية المسرحية في  زمنه مسألة إبراز دور الممثل وتأكيده ولذا وجدناه  يعتمد عليه [أي على الممثل] في معالجاته الفنية الإخراجية.

وكان للفنان العبودي  فضل في تصحيح الوضع السائد  في طريقة     الأداء ( التقليدية ) في المسرح العراقي إذ يمكن الإشارة هنا من باب التذكير فقط إلى الأداء الخطابي على شاكلة نموذج [الفنان المصري] يوسف وهبي.  وفي التقنيات المسرحية مارس عددا من الآليات التي برهنت على لمساته الباهرة التي أفاد منها تلامذته وواصلوا ابناء على تشكيلاته الإبداعية وبصريا يمكن أنْ نتوقف سريعاَ َ عند توظيفاته في  مجال الإضاءة.  فقد وظف الإضاءة في تعزيز الإيهام المنظري عبر مساقط منوعة كان يستهدف منها قيما بصرية بوصفها مفردات دالة بمحتوى ومضامين تفسيرية حاملة لرسائل دلالية ملموسة…

وألغى الفنان العبودي من ديكوره المنظر المرسوم على الخلفية مطوراَ َ ذلك إلى المنظر بوصفه بيئة مجسَّمة مستخدما لهذا الغرض الكتل والأجسام.. كما يمكن للمتلقي أنْ يجد قراءات مهمة تدخل في خطاب العرض المسرحي الذي يديره المايسترو العبودي. فكانت لقطع مناظره معانِِ و دلالات متنوعة غنية تضيف لدلالات الحوار الدرامي ومعطياته ومحتوى الرسالة فيه..  فهي رموز مُفسِّرة,  فالعجلة على سبيل المثال تدل على الزمن كما في بعض مسرحيات قدَّمها و الشمعة  إلى الفكر و ما إلى ذلك من مداليل يمكن الاستدلال عليها من السياق وتداعيات لغة المفردات البصرية ومعجميها العام المستدعى من الذاكرة الجمعية والخاص المقروء في إطار معطيات خطاب العرض ذاته…

ومن ناحية أخرى يمكن أنْ نستدعي من الذاكرة انطباعا مخصوصا في أعمال العبودي حيث تميزت طريقته باعتماد التكامل بين النص و عناصر العرض الأخرى. فرفض جاسم العبودي تشويه المخرج للنصِّ بحجة إضفاء لمساته و اتبع طريقة (ستانسلافسكي) في  دراسة النص  و تحليله أو ما يمكن بشئ من الحذلقة تسميته من هذه الناحية [فقط] المخرج المفسِّر ولكوننا أمام مخرج من طراز مبدع لا يكتفي بالإدارة ولملمة العناصر فإنَّ إيقاع العمل عنده  كان قد تألـَّف من  توحيد  كل مكونات العرض بطريقة توليدية مبدعة.

والعبودي بعد ذلك  انصبت غايته على النهوض بحياة  الإنسان والمجتمع العراقيين, و لم يتوقف عند حدود أية تصورات [تجريدية بحتة] تبعد بالمسرح عن جوهره الإنساني وتجعله مجرد هلوسات وخطاب عرض بصري للإبهار أو لتزجية وقت بلا قيمة مضمونية. ونحن بهذا يمكن  أنْ نقول إنَّ الفنان العبودي مال إلى المخرج المفسِّر الذي يُخلـِص للنص و يحرص عليه بما يعمِّق القيم الدلالية والمضامين أو الرسائل المفيدة التي يبعثها عبر خطاب أعماله المسرحية.  من هنا كان دعمه لدور النص ولتطويره…  فيما لم يفقد في الوقت نفسه روح المخرج المبدع  في تكوين العرض المكتمل وخطابه المسرحي المركـَّب مثلما أسلفنا في هذه الانطباعات المستدعاة من الذاكرة ومن بضع وريقات محررة منذ سنوات بعيدة.. ولعلَّ عدد من نقادنا المعروفين بخاصة المجايلين يمكنهم إغناء قراءة جدية أعمق وأكثر تدقيقا وتخصصية بما ينفع أجيال العمل الجديد في مسرحنا اليوم.

إبراهيم جلال:

في الذاكرة تلتمع مسرحيات معينة من إبداعات هذا الفنان الكبير وصاحب الريادة الحيوية في الإخراج للمسرح العراقي وهو ما يجعلنا نقول إنَّ أسلوبه كان أقرب للملحمية. فإذا عملنا على قراءة تفاصيل مفردات عمله الإخراجي فيمكن أنْ نشير فيما يتعلق بالممثل عمله على تحقيق انسجام بين الأداء و رؤية المخرج  ودأبه المتواصل على تطوير أدوات الممثل ليصبح  منتجاَ َ.  وهكذا فإنَّ إبراهيم جلال وظـَّفَ الممثلين في  تشكيل الفضاء المسرحي وتطريز ذياك الفضاء بتنقلات الممثل لغرضية معلومة.  ولكن مما  تجدر الإشارة إليه أنَّ إبراهيم جلال قيًد حرية الممثل ودفعه من ناحية أخرى إلى التغرٌب عن  نفسه وإلى التحامه بالدور.

وتلتمع من الذاكرة اهتمامات جدية من المبدع إبراهيم جلال بما كان يصب في كثير من المفردات البصرية على الركح ومنها مسألة التقنية, حيث كان قد أدخل تقنية رفع المناظر بوسائل مبتكرة على صعيد الخشبة المسرحية العراقية في حينه.. وهي معالجات تدخل في إطار المزاوجة بين العملي في سدِّ بعض شؤون الركح وبين القيم الفنية التي سعى إلى دفعها في رسائل خطابات عروضه الفنية…

وكان قد أدخل الإنارة الملونة  موظِّفا إياها في جمله البصرية المعروفة.  فيما استخدم أجزاء مناظره لتوضيح أفكار بعينها ( بشكل رموز ) لها دلالات… ولقد عمل في إطار تلك القيم البصرية على تحويل الكلمة إلى الصورة, فطوَّع النص لإسلوبه الإخراجي ومن ثمَّ عدَّه  [أي النص] موحِِ للعرض  فلم يهتم كثيرا بإعطاء تفاصيله ما يعطيه آخرون من اهتمام إلا أنه لم يصل إلى حد تفكيك النص وإلغائه.

على أنَّ ميزة هذا المخرج الكبير هي استخدامه لمناهج و مدارس متعددة كالتغريبية و التعبيرية و الرمزية و الواقعية؛ ولكن استخدامه لكلِّ واحدة جاء حسب رؤاه الخاصة في كل عمل مسرحي على انفراد. وهنا يمكننا القول بأنَّه عندما عمل على صناعة توليفته من هذه المدارس وكان قد وظـَّفها  في تجريب ملموس لخصوصياته الإبداعية المعهودة.

إن تجارب هذين المخرجين في تاريخ الإخراج المسرحي العراقي قد حققت دورا مهما وناجعا عبر رحلة تحتاج إلى دراسة وافية تكشف عن الإضافات التي قدماها في إطار بحثهما عن هوية خاصة ليس لهما شخصيا حسب بل لفن المسرح العراقي وهويته المحلية المخصوصة… و ينبغي القول هنا إنً جميع الأعمال قد تفاعلت مع الذاكرة الجمعية المحلية ومع موروثها ((السمعي)) و ((البصري))  حتى تحولت خزائن هذه الذاكرة تراثاََ و معاصرة إلى تجارب لها قيمتها الكبيرة على خشبة المسرح العراقي.

...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *