المرأة العراقية بين مؤسسة القانون ومؤسسة التقاليد

 لعبت المرأة العراقية دورا فاعلا في الحياة السياسية والاجتماعية العراقية منذ مطلع عصر النهضة الحديث في بلاد الرافدين.. فوجدناها مشارِكة في أبرز الأنشطة العامة وأهمها بل أخطرها حيث اصطدمت بالشرطة السرية وتصدت في مظاهرات حاشدة للأمور العليا في البلاد وقادتها مثلما شاركت أيضا في انتفاضات الشعب الوطنية.. وفضلا عن ذلك فقد انخرطت في الحياة العملية وأنشطة الدورة الاقتصادية وصار وجودها الملموس علامة على تقدمها الاجتماعي ورقي مجتمعنا في التعامل مع أعقد قضايا المجتمعات الشرقية ومنها الإسلامية..

وفي الوقت ذاته, وجدنا مجابهة شديدة من حاملي ألوية التقاليد والأعراف البالية التي وفدت إلى بلاد الرافدين أيام تبعيته لدول النظام الإقطاعي ومفردات قوانينه وتقاليده. وفي حقيقة الأمر فإنَّ المسألة لا تتعلق بمؤمنين بتلك التقاليد في مجتمعنا الجديد, بل المسألة تتعلق بآليات الصراع ووسائله في وقف عجلة التطور والارتقاء حيث تعمل قوى الاستغلال على ترحيل أزماتها وتحميل أعبائها على أكتاف قوى المجتمع العريضة..

أما لماذا تكون المرأة كبش الفداء الأول؛ فالأمر يعود إلى استغلال طبيعة المجتمع ومكوناته وتاريخه ومفردات ثقافته القديمة.. وبذلك تتمترس قوى التخلف وراء أقنعة الإيمان والاعتقاد بالديانات الموجودة من جهة وخلف تمسك مزيف بالتقاليد والأعراف المفتعلة أو التي تأخذ المظاهر الخارجية وتحمّلها مضامين تخدم مصالح قوى الاستغلال القائمة…

وفي مجتمعنا الشرقي ذي الأكثرية المتحدرة من أصول إسلامية, تتعالى أصوات تحمِّل المعتقدات أسوأ سمات استغلال المرأة ودفنها بالكامل خلف أستار وبراقع عزلها عن الحياة العامة.. وبهذا تكون المرأة أمام أكثر من تحدِ ِ فأولهما إشكال المنافسة التقليدية في الحصول على موقعها في مؤسسات الدولة من أول سلَّم الوظيفة وإلى أعلى سلَّم الإدارة السياسية حيث مجلس الوزراء ومجالس التشريع والقضاء العليا من برلمان ومحكمة دستورية وغيرهما وحتى مجلس الرئاسة. وفي أغلب الأحوال هناك اعتراضات ذكورية المنحى والمعالجة في أصولها ومعالجاتها عندما يتعلق الأمر بولوج المرأة مؤسسة الدولة..

ولكنَّ المرأة العراقية دخلت كل هذه المفردات والمسؤوليات منذ عقود بعيدة ولم تبق مسؤولية لم تدخلها وتنجح فيها بجدارة وإرادة قوية وفكر نيِّر ناشط ثاقب. على أنَّ ذلك صادف تراجعات جدية في العقد الأخير نتيجة سياسة عداء خطيرة خيضت ضد المرأة العراقية وصل الأمر في تلك السياسة أنْ راحت الدولة تحصد رؤوسهن وأرواحهن بتهمة جاهزة هي تهمة الدعارة وممارسة الجنس خارج إرادة ملكية الرجل والمسألة تتعلق بما هو أبعد من التهمة وفعلها ونتائجها… وحقيقة أمر تلك الجريمة البشعة تعود لدعارة مؤسسة  دولة الدكتاتور وليس إلى مصداقية التهمة …

ومع ذلك فإنَّ الذي اختار هذه التهمة لإعدام المعارضة السياسية من نسوة العراق الحرائر, قد استغل الغطاء المزيف الذي تتقبله فلسفة المجتمع ذكوري الثقافة كما هو حال مجتمعنا.. ولقد نفَّذت مؤسسة دولة  الطاغية جريمتها بذلك الغطاء … ولم نسمع عملا أو قرارا جديا ذا بال لاعتراض أية مؤسسة تابعة للوجود المجتمعي العام بخاصة المؤسسة الدينية على أقل تقدير لتبعد عنها شبهة التغطية للجريمة…

وهكذا فقد كانت المرأة العراقية أمام ثاني إشكالات وضعها العام؛ أي أمام واقع التقاليد والأعراف السلبية التي لا تنتمي في حقيقتها إلى تلك الثورة الإصلاحية التي نهضت بها قيم الديانات السامية من توقير وتقدير واعتراف بمكانة المرأة .. بمعنى مجابهة المرأة العراقية لقيم مجتمع التخلف الذكوري التوجه والآليات في حركته ولم يتأتَ هذا إلا من مؤسسة الدولة القمعية أولا …

وعليه فحيث توجهت المرأة لتحررها ولتقدمها ومشاركتها على قدم المساواة الإنسانية مع أخيها الرجل وجدت مشكلات في التعاطي مع مؤسستي الدولة والتقاليد الاجتماعية.. فأما مؤسسات الدولة فإنَّنا نشاهد ما جرى في مجلس الحكم من اعتراض عميق الخطورة على مشاركتها حتى تقلصت نسبة المشاركة من طبيعة وجودها التمثيلي في المجتمع الذي يصل إلى نسبة 60% من المجتمع العراقي إلى المطالبة بنسبة الــ 40% فقط إلى إقرار نسبة الــ 25% فقط لاغير وعلى مضض وتحفظ وتبرم وامتعاض…

ولعلَّ المشكلة مع مؤسسة الدولة لا تقف عند إشكالية نسبة المساهمة في إدارتها ولكنها تكمن في مخاطر أخرى منها القوانين التي تـُدار بها تلك المؤسسة وآليات العمل فيها وأهدافها ووسائلها في العمل…

أما في إطار مؤسسة التقاليد والأعراف وهي بين تركيبتين واحدة تنهض بها العلاقات الاجتماعية ومفرداتها وهي مجرد خلفية فكرية وطقوسية وعرفية وأخرى تتجسَّد في بعض أقسام المؤسسة الدينية من جهة ومؤسسات المجتمع وتشكيلاته من نمط وجود القبيلة والعشيرة وتقسيماتها ومعالم سلطتها وأفكارها السلفية الرجوعية باتجاه معاكس لحركة التاريخ وحركة التقدم الاجتماعي…

أين المرأة من كل هذا؟ إنَّها تقف بصلابة من أجل يومها وغدها وهي تدرك أنَّ وقفتها هذه ليست وقفة نسائية لأهداف فئوية تخصها فحسب بل لمهام تخص تحرير المجتمع من الفلسفة الذكورية المتخلفة لتتجه بالمجتمع نحو قيم التحضر والتقدم والتطور والتحرر من ربقة عبودية لا تقف عند تعطيل أكثر من نصف المجتمع بل تعطل المجتمع كاملا حيثما تحكمت بأوضاعه على وفق منطق قوانينها..

ومن هنا سيكون لتوحد الجهود بين كل قوى التحرر والتقدم وليس حصرها بالمرأة وسيلة لتغيير واقع مأساوي كارثي خلقته قوى الظلام التي تحكمت في البلاد والعباد طوال العقود الأخيرة وتقوم نيابة عنها اليوم قوى أخرى بالمهمة الظلامية المعادية للقيم الإنسانية السامية…

خاص بالكاتب العراقي    

...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *