قراءة في مسرحية الجرافات لا تعرف الحزن

تأليف: قاسم مطرود    إخراج: أحمد الزيدي

موسيقا: علي اشكودر     ديكور: ستار كاووش    تمثيل: هادي الخزاعي ـ أحمد شرجي

قراءة: الدكتور تيسير عبدالجبار الآلوسي

اندمج المسرحُ الأول بحياةِ الإنسان المتحضر, فعرض للحياة في سومر وطيبة ومثلهما في أثينا وروما.. وعَكَسَ تحليقَ الفلسفةِ والفكرِ بعيداََ عن الواقع في القرون الوسطى في مسرحيات الأسرار والمعجزات.ه فإذا وصلْنا إلى العصرِ الحديثِ وآلامهِ سمعْنا صرخةَ بطلةِ إبسن واستطلاعات أُوتشِرْك تشيخوف وريبورتاجاته عن أجواء الملل وبشاعات تفاصيل اليوم العادي..

ثم تهدر أقدام البشرية على خشبة بسكاتور وبرشت معلنة عالماََ جديداََ سرعان ما تشتعل فيه حروب يقدمها يونسكو بعين العبث أو اللامعقول تلك هي فلسفة المسرح الجديد الذي ما عاد يجد في أدواته التقليدية إمكانات تعبيرية ملائمة.. فيأتي بالترميز والتشفير أداةََ للتسامي بالحدث والشخصية الدراميين بما يخلق عالماََ فنياََ متخيلاََ يتشكل من مركَّب إبداعي فيه المتعة والفائدة في الآن.

لقد حولتْ قسوةُ الوجودِ البشري لغةَ التفاهم وتبادلِ الآراءِ والعلاقات إلى آلياتِِ جديدة جافةِِ رهيبة وتدميرية في آثارها .. فتحولنا إلى مجموع لغات جزرية انعزالية كلُُّ في واديه يهيم ناطقاََ بلسانه أو إيقونات عالمه المغلق المتحسس تجاه الآخر, فاقد الثقة فيه.

في هذا العالمِ نجدُ في آثار وجودِنا العراقي بلاد الخضرة والنماء مَحَلاََ وجدباََ؛ في أرض السواد قفارا.. ومفازاتِِ للهاربين من لظى الموتِ والعذابات وبعيداََ بخيوط من شعاع الشمسِ في ظلماتِ جهاتِ الأرض الأربع يرتبط شتات من أبناء عراق الغربة أو عراق الغربات السبعة(كعجائب الدهور السبعة ورؤوس خمبابا عدو جلجامش السابع). هنا كتب مسرحيو هذه الغربة (التي لا توصف) بين الأمل والتجهّم, كتبوا صراعاََ درامياََ عبّروا عنه بروح غنائي كثيفِِ كثافة القسوة التي يتعرض لها غريبُ الدار والأهل والمسار.. فصرنا نشاهد مسحةََ شعرية في العبارة الدرامية إنه تعبير عن توحّد الذات الجمعي وليس عن اختزاله وعن تسامي الذات الفردي ليتقمص آلام جموع الملايين الخمسة بل العشرين..

وموضوعات الآلام كثيرةُُ عندنا وأنينها أكثر الوداع الأخير لأرض الولادة والحياة..الرحيل .. الفراق .. وهاجس عودة الأبناء أمر سادَ ألسِنةَ الآباء يحتضرون (في انتظار الذي لن يعود).. هكذا بالغَتْ الجرافات في تصورها تحت يافطة(الذي لن يعود),(والذي لن ينهار)… وفي التشريح الأول نجد في الجرافات لا تعرف الحزن [وهي مسرحية هذه القراءة] اختبار المؤلف وقد تركز على الآتي:

الكشف عن عسف السلطة الدموية ففي الوقت الذي كانت سبباََ في رحيل الأبناء وغربتهم.. تقف خصماََ لدوداََ يطاردُ الأهالي ويعاقبهم لمجرد اتصالهم بهؤلاء الأبناء الذين تغرّبوا … لاحِظوا ما يرمز إليه صراع المحقق (الرجل) والأب(العجوز)..

وفي الموضوع تلوينات عديدة فليست التراجيديا ولا المسرحية الجادة عتمةََ أو حالةََ من الوجْد ومشاعر الحزن القاتمة, بل هي غير ذلك لا تقف عند حدود حالة التطهير بعد عاطفة الشفقة (كما أخبرنا سيّد نقاد المسرح الأول أرسطو) إنها جماليات ذلك الوجد وتلك المشاعر حيث يتحول الحزنُ والألمُ والموت إلى أمل بالحياة وثقة بالفرح القابل\القادم وإلى ولادة جديدة تمحو الماضي المتعَب المثقَل بالهمّ.. إنّها تحدي الطغيان وسلطة القتل فيه, حيث قتل البسمة ونشوة الحياة وجذوة الإبداع.. يقابله خلق الضحكة والسعادة والعطاء ..

2ـ يختار المؤلف لموضوعته هذه بنية مسرحية الفصل الواحد وهذه المسرحية عادة ما تعتمد توظيف المناظرة أو الجدل  و”المونولوجات” :والمناجاة وسيلة درامية رئيسة وهو ما يعرّضها أحيانا

ـ لحالات من الاستطراد استنادا إلى سردية أو حكائية الحوار وكونه أحيانا مونولوجا غنائيا ( بالمعنى الواسع لمصطلح غنائي) الأمر الذي يشتت التركيز على المسار الكثيف للحدث ومن ثمّ يشوش الاتصال بالفكرة أو :الغاية الدلالية ففي الحوار بين المحقق والعجوز نسمع الأول يصرخ

ـ اعترِفْ!

ويجيبه العجوز

ـ بماذا؟

هنا يحشو المؤلف تقدمة حكائية وصفية كما في عبارة ” صرخ في وجهي” إنّ مشهد المواجهة قائم بالفعل على الركح وهو في منطقة (حاسمة) هي نقطة التحول ومن ثمَّ لا يمكن قبول مثل هذه السردية التي ستُعَدّ هنا فائضة خاصة أننا التقينا بمثلها في مواضع أخرى شبيهة من جهة ما لاحظناه من تناقض .. والحقيقة فإنّ كونها عبارات فائضة يكمن أيضا في كسرها البناء الدرامي وتداخلها معه بوصفها في حقيقتها جزءا من السرد القصصي الذي ينتمي لنوع أدبي وفني مختلفِِ.

[ ولأمثلة أخرى من هذا النمط نجد العجوز في المشهد نفسه يخبرنا بأن  المحقق الذي يهدده بالجلد في مشهد درامي مجسَّد (قد فعَلَها) أي بادخال عبارة وصفية سردية في اللحظة التي يكون فيه الاصطدام مجسَّدا فيزيائيا على الركح ]..

3ـ كما يختار المؤلف لمسرحيته خلطة تعبيرية من عدد من الاتجاهات الدرامية المعاصرة.. فهو يوظِّف العبثية في إطار من تكوينات مشفّرة برموز ومعطيات دلالية هي مفاتيح لمسار الخلفية الواقعية … ويمكننا أنْ نقول : إنّه كان يعوِّل على مفاتيح دراما تعبيرية تستند إلى إضاءات التقنية المسرحية لمقاصدِها فكيف للمتلقي أنْ يقرأ دور المحق ورؤيته من دون تفسير المشهد البصري الذي يظهر فيه من حركة وفعل فيزيائي على الركح.. بل كيف للمتلقي أنْ يفسِّر عبارات العجوز ذات الكثافة الشعرية من دون الإسقاطات البصرية ثيمة أو قيمةََ..

ينبغي هنا أنْ نلاحظ تركيز فعل العجوز في تأثير الكلمة ـ العبارة فيما تركيز فعل المحقق بفعله الفيزيائي على الركح. ولقد جسَّد المخرج هذا الانقسام إلى عالمين بهذه التوصيفات ليفصل بين العالمَين بأعمق ما يكون الانفصال فالتضاد والاصطراع بينهما..

ومن هنا نغادر نصَّ الكاتب حيث ما أشرنا إليه من :

شعرية العبارة وكثافتها

سردية النص في مواضع منه

عبثية المعالجة المغَلَّفة بخلفية واقعية

أما نصّ العرض أوالمخرج الذي ننتقلُ إليه فهو يلغي أو يخفّف من الأدوات المنتمية لمسرح اللامعقول بخاصة وضوح شخصيات الرجل(النادل) ثم الرجل(الحصان) والرجل (قاطع الأشجار) وهي جميعها شخصيات متنوعة المظهر متحدة الجوهر في شخصية المحقق [ لنتذكر هنا مثل هذا التصوير في عدد من مسرحيات ستينية عراقية \ مثل مسرحية النقطة ..وغيرها ] وهو الأمر الذي التقطه المخرج ليدفعه إلى الأمام تحت مشرط المعالجة الواقعية..

ونحن نلاحظ هذه المعالجة منعكسة في طريقة الأداء التمثيلي التي قدّم بها أحمد شرجي المخرج\الممثل شخصية الأب العجوز ومن ثمَّ الرسائل التي بعث بها إلينا في عباراته محمِّلا إياها أعمق المعطيات الواقعية المطابقة للحقيقة والواقع [ طبعا في وقت نستذكر شفرات المؤلف التي أراد بها أنْ يمثل العجوز مظالم أكثر من ألف عام في بلادنا العراق…] وفيما حصلت هفوات في أداء الافتتاح تألق (أحمد) في العرض الثاني متجاوزا تلك العبارات التي ضاعت في ثنايا محاولة التلوين الصوتي في حين مُنِحتْ حياة مجسّمة في المرة التالية..

إنَّ خيار الواقعية لأحمد المخرج أسقَطَ لوناََ واحداََ(منسجماََ) على لوحة المؤلّف التي لوّنتها تعددية في الاتجاهات بين عبثية ورمزية وواقعية… غير أنه لم يأتِ بواقعية وعظية ساذجة بل عمل على تطعيمها برموز [ ولا أقول رمزية بما تحمله من غموض وخصوصية في البنية] وأدوات جمالية مركَّبة بخاصة الأبعاد البصرية وبالتحديد استخدام الشاشة السينمائية ليس بوصفها وثيقة مجردة كما يحصل في المسرح التسجيلي ولكن بوصفها عالماََ آخر يظل يذكرنا ( بوجودها) بانفصال عالم المحقق عن عالم العجوز المعتقَل الذي يقرّبه منّا باتخاذه لغتنا للاتصال فيما تظل وسيلة اتصالنا بالمحقق وعالمه مرسومة رسماََ بصرياََ مزدوجاََ (سينمائيا ومسرحياََ) إننا نحسّ بتأثيره ووقعه الثقيل علينا من خلال أعماله بينما نحن نعيش الحالة التي يجسّدها العجوز وكلّ شئ فينا ينطق بذلك.

أما بخصوص وحدة الفعل في المسرحية فإننا لا نجد خذلانا لذلك بكل قسوة الفصل بين العالمَين واختلاف أدواتهما التعبيرية ؛ وإنّما نلاحظ تلك الوحدة في ظاهرة الفعل وردّ الفعل.. في ذلك التجاذب بين حركة المحقق الفيزيائية الضاغطة على محيط العجوز( وهو يضيِّق الخناق على عالم العجوز وبيئته) ورد فعل العجوز في إجابات عباراته على تلك الحركات..

غيرأنّ هذه الوحدة تُخدَش عندما ينسى المخرج الفرق بين التقديم التعبيري والمعطيات الدلالية لعبارات وجودية الاتجاه أو رمزية مشفّرة وبين التقديم الواقعي لها فصرخات العجوز في أبيه الراحل” كلماتك ياأبتِ كلمات ..كلمات .. مجرد كلمات” تُرسَل إلينا بمعطياتها الواقعية المباشرة ويسترسل في أدائها ويطيل حتى تصل إلينا بمعنى اهتزاز الثقة بالجذور والأصالة التي قدمتها لنا رموز العباءة والسيف أو العصا والبندقية إلى آخر تلك المعطيات.كذلك فقدان الأمل في قوله “لا الصبح يأتي .. ولا سقوط الأشجار يوقف الجرافات ” وفي عبارة “إنني أقف على حافة الانهيار” وهو في الحقيقة أعلن انهياره بعباراته تلك…ولعل التفسير يكمن في اختلاف السياق التعبيري ومنهجه الذي يؤدي بالضرورة لاختلاف المُعطى.. إنّ هذه اللمسة تناقضت مع ما أُريد للخاتمة من تأكيد (من جهة النية) على أن السقوط في حبال الموت هو حالة استشهادية وتضحية في طريق لا يموت فيه الأمل بل يتجدد مع بقاء الحياة الإنسانية ـ في المنتظَر, الابن المنفي ـ وهو مسعى المسرحية وهدفها الأكيد عبر تحليل مكوناتها.

ملاحظات في العرض

ـ لابد من الإشادة بالفنان هادي الخزاعي وفطنته فهو ممثل قدير في التعامل مع الركح في ميزانسين حركته وفي معالجة الزاوية التي يقف فيها وكيفية خلق التفاعل مع الآخر وتوزيع طاقاته بين مفردات العرض. وقد ارتقى مع الفنان الزيدي في لمحات مبدعة لا تتكرر كثيرا على الخشبة وإنْ أردتُ التأكيد هنا على ضرورة ضبط موسيقا اللغة العربية في صرفها ونحوها فبعضُُ من ذلك لا يقف تأثيره عند الأداء الصوتي بل يمتد إلى شؤون عميقة في بناء المسرحية.

ـ لقد كانت حركة شخصية العجوز الدورانية التائهة وضبط ظهور المحقق من زوايا عمق المسرح(من البعيد) في وقت يكون فيه العجوز قريبا من مقدمة الخشبة فضلا عن استغلال عمق المسرح في بعض المشاهد التي تطلّبت ذلك؛ لقد كان ذلك تمرينا طيّبا في قراءة ميزانسين العرض.

ـ لامحيص من ذكر مصاعب توظيف الإضاءة بخاصة عندما تطلّب الأمر إبراز إيماءات وحركات الشخصية بشكل دقيق حيث كان للإنارة دور مهم لو أتيحت الفرصة بهذا الشأن. ومع ذلك فقد كانت الحزَم الضوئيةُ الملوّنة مساعداََ مقبولا في فكِّ رموز معينة أو منح مشهدِِ عمقَهُ الدلالي المُبتغى.

ـ أما الديكور وإنْ شهدْنا فيه لمسات فنان تشكيلي مرهف في التعامل مع التفاصيل فإنّه من جهة التصميم ضاع بين الرمزي والواقعي من جهة والعبثي والتعبيري من جهة أخرى إذْ لم يستقر على توليفة ذات تأثير مميَّز.

ـ في الموسيقا والمؤثرات الصوتية اكتفى المخرج بصوت نزول الشاشة مشابها إياها بأصوات الجرافات وهو أمر قد لا يكون وصل كثيرا وبوضوح إلى المشاهدين.. ولم يستفِدْ كثيرا من صوت التسجيل بخاصة عندما احتاج ذلك في صوت الابن والأم والجد وبعض المشاهد التي تطلّبت مؤثرات صوتية مرافقة ومثالنا على ذلك عند احتدام الفعل فيزيائيا على الركح. إنما علينا الثناء على تلك النغمات الموسيقية والأداء الشفاف للفنان علي اشكودر ومحاولاته منح الصوت الملائم لمجريات الفعل ومراميه الدلالية.

المسرحية بعد ذلك حظيت بلقاء وحفاوة وترحيب من جمهور الحاضرين وكان تأثيرها في الشأنين القصدي الدلالي والفني الجمالي قد برز في ملاحظات المهتمين بقراءة الفن وعلاقته بالمتلقي..إنما يظل هاجسنا التقدم والارتقاء إلى مديات عملنا المسرحي الذي عهدناه في فناني العراق المبدعين مستمرا في حركة صعوده وتطوره.

 

...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *