الحب والرحيل متابعة لرؤى “الآخر” النقدية في الأدب العراقي الحديث

هذه ترجمة مكثفة وهي قراءة أكاديمية بحتة من داخل المجتمع الإسرائيلي لواحدة من الروايات المكتوبة بالعربية بقلم أحد أبرز كتّاب العراق في يومنا وأكثرهم غزارة في الانتاج الأدبي. وتبقى الترجمة المختارة هنا محاولة لمتابعة رؤى الآخر في أدبنا وكيفية معالجاتهم النقدية لشخصيتنا الإبداعية وما يتلو ذلك من قراءات تالية متنوعة مختلفة الغايات ..

إنَّ الترجمة المستعجلة هذه تفرد بضع عبارات للتعليق عليها من جهة الموقف من رواية المطير بالتحديد.. فهي في الحقيقة تمتلك أسألتها المشروعة عندما يتعلق الأمر بالتعبير عن حقائق تاريخية مثل الحديث عن إسرائيل قبيل ظهورها بصفة دولة ولعله يغفل أو يتغافل عن وجودها بالاسم مشروعا في ذهنية الحركة الصهيونية والتجمعات اليهودية وهو ما أرادت الإيحاء إليه الرواية من دون تصريح سياسي فج أو مباشر.. كما أنَّه لم يفصح عن الأخطاء التي يتغاضى عنها لمضي عشرات السنين عليها وكأن الأمر بإيحائه قد ترسَّخ تاريخا بما لا يحتاج للجدل مع تصورات ترد في رواية برأيه تغالط تاريخه أو حقائقه التي يشير إليها..

 أما بخصوص الكتابة عن التجار وطبقة البرجوازية وليس العمال فهي إشارة سياسية تحاول قراءة الحقيقة الأدبية بلغة نقدية سياسية وكأن الشيوعي مثلا كالمطير لا يمكنه قراءة البرجوازي أو لا يجوز له إلا أنْ يكتب عن العامل ويحصر إبداعه فيه .. وهذه القراءة النقدية ليست أدبية الأرضية ولا علاقة لها بمتابعة نص المطير نقديا لا من جهة البناء الفني ولا من جهة المضمون إذ حتى من جهة المحتوى أو المضمون يمكن للنقد أن يبحث في كيفية معالجة مادة النص وأي علم وأي منهج تحليلي اعتمد وما الخلل بين حقيقة المنهج ونتائج التوظيف والممارسة أو التطبيق ولكنه ليس من الصحيح مطالبة أديب بانتهاج طريقة معالجة لا غيرها أو مادة بعينها لا غيرها كأن نقول لمن يكتب عن النبلاء لماذا لم تكتب عن الفقراء؟

مع ذلك ينغي أن نلحظ الروح الأكاديمي في القراءة النقدية للدكتور ساسون بخاصة عند حديثه عن موضوعية الكاتب في قراءة الشخصية اليهودية ولكنه ينسى أن النص الأدبي العربي الذي يتحدث عنه هو نتاج ثقافة الطبقات الحاكمة السائدة التي غرست في ذهنية الكاتب العربي المعاصر موقفا سياسيا في تهميش المجموعات اليهودية في مجتمع إسلامي محافظ من جهة وفي أجواء سياسية مأزومة بدءا ببيانات صهيون وبلاغاتهم وخططهم وليس انتهاء بتصورات الدولة العثمانية وتقسيمات الصراعات الدولية الحديثة ووعود الدول الكبرى ودورها لا حقا في خصوصية حل المسألة اليهودية وما جرى لا حقا من ولادة دولة إسرائيل والكيفية التي أُديرت  بها الصراعات والأزمات ومن الطبيعي أن يكون التهميش الاجتماعي والسياسي منعكسا في التهميش لدور الشخصية اليهودية أو في تناولها من وجهها التشويهي وكأنها حالة من السلبية أو كتلة من الشر وهو ما ينبغي أن يتغير عبر كفاح اجتماعي وسياسي ومن ثم في إطار الأدب الذي يمكنه أن يرقى إلى معالجات موضوعية جدية للشخصية اليهودية كما حصل في رواية المطير وغيرها..

وفي واقع الحال سيبقى الموضوع بهذا التوصيف الذي أتعى عليه الأستاذ ساسون حتى تتغير أرضية الثقافة السائدة في مجتمعاتنا من جهة وحتى يرقى الكاتب العربي عامة إلى مستويات جديدة من القراءة والمعالجة الإنسانية وهو ما حصل من عشرات كتابنا تجاه هذه القضية بالتحديد.. ولكنها الحريات السياسية والاجتماعية التي تحظر ظهور تلك الكتابات الإيجابية في إنسانيتها تجاه كل التنوعات الدينية والمذهبية والفكرية في مجتمعاتنا العربية وفي بلادنا العراق بتنوعاتها بخاصة بعد سقوط زمن الطغيان والاستبداد اليوم..

فنحن بانتظار قراءة ما جرت كتابته ولم يظهر في الأمس تجاه وجودنا الاجتماعي بقيم جدية إيجابية جديدة.. إنها فرصة أكثر من صحية أن يطلع أدبنا ونقدنا الناطق بالعربية وبكل لغات شعبنا العراقي  على القراءات الأخرى ورؤاها وأن يتناولها بالرد الصائب بما يمكننا من كشف تصوراتنا ومصداقيتها وصواب ما نقوم به من معالجات حيث نخترق قمقم العزلة ونتجاوز خط الخوف وانعدام الثقة بالذات الجمعي الثقافي فنحن نتحصن اليوم بقوة الذات وعمقها وموضوعيتها لا بالعزلة والبعد عن الآخر..

إنَّ جملة الملاحظات السريعة هذه تتضمن تقويما إيجابيا لتلك القراءة النقدية الأكاديمية التي بين أيدينا مثلما كشفت عن بعض مواضع الاختلاف ومواضع الخلل أيضا فيها في قراءة دقيقة فضلا عمّا يتيجه النص الأدبي والنقد الأدبي كذلك من فرص التنوع من دون أن يكون ذلك مثلبة في رأي الآخر..

أرجو أن يجد القارئ متعة وفائدة في المقال النقدي التالي المترجم عن الإنجليزية بخلاصة سريعة كنت قد كتبتها بعيدة قراءتي إياه قبل أشهر وها أناذا أحاول تقديمها للقارئ كما وضعتها في حينها مؤجلا النظر فيها ولتقدم الوقت أنشرها على أمل أن نجد الوقت الكافي للحوار والمعالجة التدقيقية في وقت غير بعيد…

كثيرا ما كتب الباحث الإسرائيلي عن الأدب العربي وحاول سبر الشخصية العربية التي تحيط به ليتفاعل مع محيطه من منطلقات مدروسة بعقلانية وبقراءة تمتاح من العلم والمعرفية ما يساعده على التعاطي مع ذاك المحيط مستخدما ما أُتيح له من قراءات مناسبة  أو منتقاة لأغراض قد تكون أكاديمية معرفية بحتة وقد لا تكون ولكنها في كل الأحوال تمر بالتأكيد عبر الدرس الأكاديمي المعرفي البحت..

ساسون سوميخ أحد الذين درسوا في بحار الأدب العربي وهو الأستاذ بجامعة حيفا الذي يحمل شهادتي دكتوراه أحداهما في الأدب العربي عن رواية نجيب محفوظ. والأستاذ ساسون يكتب هنا عن رواية الأديب العراقي الأستاذ جاسم المطير دراسة نقدية هي التي نعمد إلى وضعها مكثفة في الترجمة الآتية في محاولة لقراءة تصورات الآخر لنا وشخصيته الحقيقية التي ينبغي لنا أنْ نتعاطى مع مفردات معارفها ورؤيتها لنا. فضلا عمّا يمكن للقراءة الثقافية أنْ تتيحه لنا من التعرف إلى محيطنا وإلى ما ينتظرنا من آتي الزمن القائم وحتى القادم.. يقول الأستاذ ساسون:ــ

نص المقال النقدي:ــ

هذه الرواية العربية مختلفة تماما عما سواها من المؤلفات التي كتبت بالعربية؛ فهي لا تحاول ترسّم الجوانب السلبية لليهود, ولكنها بدل ذلك تقدمهم كونهم لا يختلفون عن بقية أبناء البلد…

“عاشقان من بلاد الرافدين” هو عنوان رواية بالعربية أُرسلت لي مؤخرا من أحد أصدقائي في السويد.. إنها رواية حول عاشقين يهوديين يحاولان كشف حقيقة ما جرى ولقد سمعت أن العنوان الأصلي كان راشيل وجرجي وهما اسمان يهوديان نمطيان ليهود العراق لكن الناشر غيَّر العنوان خشية أن يفسره بعضهم كونه كتابا يهوديا …

ظهر الكتاب في بيروت نهاية العام 2003 للكاتب جاسم المطير  الكاتب العراقي الذي يعيش في المنفى والمطير شيوعي سابق يعيش منذ سنوات في هولندا تشير قائمة كتبه التي تظهر على غلاف روايته إلى غزارة كتابته وتنوعها بين ثماني روايات ومجموعات قصصية ومثلها من الكتب غير الروائية و الدراسات والمقالات  والكتب حول الاقتصاد العراقي..

في الحقيقة هذا هو قدر الكاتب العراقي وهناك كثير منهم منذ اعتلى صدام السلطة ذهبوا إلى المنفى واستقروا في الشتات, فلندن اليوم تبدو عاصمة للأدب العراقي المعاصر ولكن هناك كتّاب من بلاد الرافدين ينتشرون في بلاد غربية أخرى كهولندا والسويد واليونان وأمريكا.. هؤلاء هم كتاب يمتلكون أبعد نشاط إبداعي حتى وهم في معازل المنافي بخلاف زملائهم الذين استقروا في البلاد العربية حيث وجدوا نعمة العيش ولكنهم افتقدوا الحرية التي تسمح لهم بنشر إبداعاتهم..

المطير روائي ثاقب البصيرة ممتلئ السيطرة على أدواته الفنية القصصية وهو يكتب بعربية غنية فصيحة ولكنها بسيطة أي بأسلوب السهل الممتنع

لقد قدم العراق عددا من القصاصين والشعراء اللامعين  حيث مهاراتهم الأدبية تلزمنا باحترام مضامين أعمالهم. وهم كذلك يملكون الشكل مشهور العظمة في الأدب العربي في كل أنواعه, إنه من الممكن ألا يختار قرائي رواية المطير بخصوصية  لمضمونها اليهودي المهتم بالقضية اليهودية وهو دافعها “بل قد يكون لأمور أخرى فنية مثلا” ..

حكاية الرواية يمثلها العاشقان بطلا الرواية راشيل وجرجي وهما شابان يهوديان من ميناء مدينة البصرة العراقية .. أما زمن الحبكة فينتشر على مدى حوالي العقد إذ يبدأ منذ 1941 سنة الفرهود وهي سنوات تقع قبيل تأسيس الدولة العبرية إسرائيل؛ كلاهما ترعرعا في بيتي تاجرين غنيين ووقعا في حب بعضهما وعشقهما. ومن نتائج الفرهود كان انفصالهما الجهنمي الصعب قد وقع عليهما فراشيل ذهبت مع أبويها وأخيها الأصغر إلى مدينة النفط عبادان جنوب غرب إيران وبعد بعض التردد هاجرت العائلة إلى إسرائيل لتجد بيتا في يافا فيما ظلت راشيل في إيران حيث وجدت (عملا) وظيفة لها من خلال عمتها سكرتيرة لأمريكي يدعى رونالد أحد عملاء CIA اللامعين وعلى الرغم من الانفصال بقي الحب بين راشيل ـ جورجي زاه ومن وقت لآخر كانا يلتقيان على الحدود بين البلدين… لقد برزت علاقتهما من خلال رسائل كانا يتبادلانها والرسائل هي التي غطت وحملت الخطة أو الحبكة إلى قارئ الرواية…

لماذا لم يلاق جورجي حبيته في إيران أو في أي مكان آخر من العالم ولماذا لم يتزوجها؟  إن الإجابة تكشف ما يربط هذا “الشاب اليهودي” بالبصرة وانتمائه لأرضه تلك هي الوطنية التي جرت في عروقه. وبالانتقال إلى معالجة لمفردة أخرى في هذا النص, أجد أنّ الحبكة عانت من الضعف في رأيي وفي الرواية منذ البداية إلى النهاية؛ كونها أثرا من واقع الحب الذي ينتصر في النهاية..

وحيث الوطنية فقط في هذا الطراز من الشخصيات (كجورجي مثلا الذي أصرَّ على البقاء في الوطن ولم يغادر) يمكنه أنْ يولّد انفصاما طويلا ممتدا, وفي الفصل الاخير تتسلم راشيل رسالة من أخيها ساسون وهو الاخر رفض الهجرة وبقي في البصرة.. يعلمها أخوها فيها أن جورجي قد اعتقل لانه مرتبط بالحزب الشيوعي العراقي وقد سُفـِّر إلى بغداد لتقديمه لمحكمة عسكرية ومصيره غير معروف

فيما نجد على الجانب الاخر راشيل التي تتقلى تلك الأنباء قد غرقت في شؤون دونالد مسؤولها ولكنها لم تفكر بهجر حبيبها أو التخلي عن حبها الأبدي لجورجي في الحقيقة جورجي نفسه كذلك مر بعلاقة مع مسلمة شبه عاهرة

وبملاحظة نقدية خاطفة يمكن القول إنّ الابتكار أو التجديد في الرواية يتمثل في علاقتها بمصير اليهود وكل شخصياتها الرئيسة: راشيل عمتها عزيزة أخوها ساسون ووالديها مثل جورجي وأبيه الوطني “الشيوعي كما ولده”,كلهم: يهود مسلمون مسيحيون يظهرون في القصة كشخصيات ثانوية …

وأنا لم أعرف كتابا (رواية) بالعربية كرواية الاديب المطير حظي بهذه المكانة أو الاحترام. هناك قصص ومسرحيات الشخصيات اليهودية تلعب دورا وحتى أدوارا كبيرة ولكنها جميعا تدخل في اطار البروباغندا التي تصور اليهودي من جانبه السلبي وأحيانا كشرير حيث تتجه للتشهير ضد اليهود…

 كما في رواية مصرية تعرض “لجريمة تصفية دموية جرت بحق يهود دمشق العام 1840” وحسبما في ذهن بعض الكتاب من رؤى نقرأ كمثال رواية لاتتركني وحدي 79 بقلم الكاتب المصري المعروف احسان عبدالقدوس..  فبطلتها يهودية من القاهرة تدعى لوسي طموحها ان تسلم حتى تستطيع عند طلاقها من زوجها اليهودي أن تكون زوجة لاحد رؤساء النظام نهاية اعوام 30

رواية “عاشقان من وادي الرافدين” تختلف عن هذه الكتب لانها لا ترسم الجوانب السلبية للشخصية اليهودية ولكن تعمل على انصافهم وعرضهم بشكل لايختلف عن بقية ابناء البلد

خلالهم يوجد خونة وسلبيون مثلهم مثل ما موجود عند غير اليهود. و عند الحديث عن الدعاية الصهيونية لا تتحدث رواية المطيرعن عدم إخلاص بطل الرواية اليهودي للوطن.. بل يجري الحديث هنا عن نواتج الفرهود وما كان وراءه من الدعاية النازية

الرواية مفعمة بالقياسات المسؤولة في تعبيراتها  مثلما تجد تعبيرات أخرى بارزة أو علامة في الرواية فأحيانا تجد فصولا يطفو فيها الجنس حد الافراط, كما كنّا قرأنا ذلك في استخدام كلمة بالعربية هي “ن…” الجماع أو f كما في الانجليزية ومشتقاتها إذ تذكر مئات المرات في الرواية.. هاتان الظاهرتان اللتان تترسّمهما “الحرية” وربما ما بعد او فوق “الحرية” من النظام الطهري في بلد الكاتب…

 في بعض التفاصيل حول اليهود في اسرائيل يقع الكاتب في اخطاء على سبيل المثال في بداية الرواية يقول هذه رسائل مترجمة من العبرية الى العربية حيث ذلك الوقت ليس جيل راشيل وجرجي هم من يعرف العبرية الحديثة ولكن الناشطين فقط من الصهاينة هم العارفون بها, وهذان البطلان في الرواية بعيدان عن الصهيونية كبعد الشرق من الغرب…

 خطأ آخر هو ظهور اسم اسرائيل في رسائل العاشقين قبل تاسيس  الدولة بوصفها دولة هناك اخطاء اخرى يمكن اغفالها طالما جاءت عن زمن تجاوز الستين عاما مضت على أحداث الرواية التي نقرأها…

ويمكن ملاحظة تناول الرواية لطبقة التجار مغفلة الوجه الآخر من المدينة وهم فقراء اليهود من العمل وغيرهم وهو الوجه الآخر من المجتمع ككل بخاصة والكاتب المطير هو شيوعي سابق لا ندري ما دفعه للكتابة عن التجار وليس العمال عندما اختار اليهود نموذجا لبطولة روايته؟

* كتب المعالجة وترجم النص الدكتور تيسير عبدالجبار الآلوسي  أستاذ الأدب العربي الحديث والنقد الأدبي عندما كان في جامعة أوروبا الإسلامية ـ سخيدام الآن هو رئيس جامعة ابن رشد في هولندا

...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *