تنويعات ورؤى نقدية في أعمال جاسم المطير السردية

الأدبُ , الفن , الجمالُ عوالم تعبيرية, الولوج فيها يقتضي وسائلَ مناسبة للحصول على ثمارها .. فالاشتغالُ على اللسان ِ يفترضُ ضرورةَ العودةِ إلى البذرةِ الأولى التي يتحددُ انطلاقاََ منها , المعنى وذاته معاََ .. حيث يقدّم كلّ نشاطِِ أدبي نفسَه في شكلِ مافوظاتِِ منتهية من الناحية الإنشائية البنائية .. تكون هذه الملفوظات هي المستهدفة في أي عمل تحليلي…

وإذا كان لازماََ أنْ نقرأَ وظيفةََ للأدبِ فعلينا لتسويغ ذلك أنْ نعودَ أولاََ إلى ما للروايةِ من قيمة سيميولوجيةِِ ( علاماتية , دلالية ) مزدوجة فهي من جهةِِ ظاهرة لسانية بوصفها حكايةََ أو تعبيراََ جمالياََللتشكّل الأدبي , وهي من جهة أخرى مسار خطابي أي رسالة أو موضوع للتبادل.

و من البُعدَين يمكن الكشف عن مردود نفعي أو وظيفي للأدب يكمن في الكشف عن العلاقة بين الإنسان و عالمه المحيط به في اللجظة الحية , و بذلك فالأدبُ رسالةُ تفاهمِِ تنشّط الوعي الجمعي لمتلقيه و تدفع به إلى مزيدِِ من التوحّدِ و الاندماج…أسوق هذه المقدمة للقول :- إنًنا بصدد مجموعة من الأعمال الأدبية التي تظل بحاجة للمناقشة و الدرس و استكناه معطياتها الجمالية و الفكرية بالعمق الذي تستحقه في أبعد من هذه لمداخلة التحليلية المجملة.

إنً إيراد هذه الملاحظة يأتي للتأكيدعلى ما حصل مع أدبنا كثيراََ من تقصير النقد الذي ظل مراوحاََ في الغالب بين جدران الدراسات الأكاديمية والأعمال الصحفية المستعجلة.لذلك تحاول هذه القراءة على توسيع دائرة التساؤلات ومحاور القراءة بما يخدم المتلقي غير المتخصص أيضاََ…

و بغاية منح هذه القراءة وضوحها سنعرض لتقديم تعريف بالأعمال قيد المناقشة والمساءلة ومثل هذا التقديم هو من زاوية معينة رؤية نقدية …

لقد كتب المطير زقاق الأقنان , تأملات سجان , رسائل حب خليجية , المولود في مدن القلق , الَزبْزَب ,و كذلك نهار النرجس ثم الخماسية القصصية : المقتدر بالله البغدادي ونسوانه , أنا عشيقة الوزير , لوفياثان , آه يا كاني ماسي , عراقسيس.

لقد توزعت هذه الأعمال بين الرواية و القصة و القصة القصيرة و للأهمية لابد أنْ أشير هنا إلى أنً بعض مَنْ قرأ في الخماسية نحا باتجاه عدّها رواية من جهة الاشتراك بالشخصية أو بالفكرة أو الموضوع وإذْ لا أنفي السمة الروائية ( مثلما لا أنفي أية سمات أدبية أخرى كالغنائية و الدرامية ) .. لا أجدني متعجلاََ لتجنيس هذه الأعمالالإبداعية في هذا النوع الأدبي أو ذاك.و مناسبة هذه الإشارة اعتقادي بدلالة الشكل الأدبي و تغيرها مع معطيات التغير النوعي للتعبير الأدبي و الفني.

و مثلما تتبدى تلك الأعمال حكائياََ أي في إطار ( الحكاية) جنساََ أدبياََ فإنًها تتبدى عبر جماليات التعبير الرمزي أو الواقعي. و في مستوى التعبير الرمزي نقرأ قصصاََ قصيرةََ مبنية ََ بشكلِِ هندسي مبدع يخضع لمعطيات هذا الجنس الأدبي كما هو حال مجموعة “” الزبزب”” فأغلب عناوين هذه المجموعة تستعير أسماء الحيوان رمزا َيهيئ للتعامل مع أجواء البنية الفنية المعبرة عن مادتها.

الزبزب حيوان له جذور في الذاكرة الجمعية تشير إلى معالمَ و توصيفات ِِ خرافية في منحى و واقعية في منحى آخر وهو ما يحصل اليوم حيث يفتك بالمدينة :- ” مجرم سفاك خطير تعذر على الأهالي رصده وقد سبق لهذا المجرم أنْ ظهر قبل مائة عام وألف عام” (1) والراوي بعد ذلك يمعن في عبارات توحي بما وراء سطورها بالإسطوري تعميقاََ لمعطيات القصة و عالمها. و لكن هذا العالم لا ينفصل عن الواقع المرتجى حين يتحدث الراوي قائلاََ:- ” لأول مرة في تاريخ بغداد يتفق سكانها على حماية مدينتهم اعتماداََ على رأي موحًد…”(2){و قد يكون في بعض ما يرمي إليه الروائي هو دعوة غير مباشرة لوحدة واجبة اليوم وهو أمر مفهوم الغاية}و القصة التي تتابع هذا الزبزب في جريمته لاتني تسلّط الضوءَ على صفاته, فغير كونه مثيراََ للهلع و قاتلا ََبلا رحمة فهو يكنّ في داخله التوجس من الأموات و الخوف من الأحياء الذين إذا ما اتحدوا هرب منهم..

و الرمزية تظل بادية ليس في استخدام الأسماء بل في بنية الحكاية كما يحصل مع ( الفيالون) التي ينضافإليها متعة الجمع بين المعرفة و الفلسفة والسياسة و الأدب التي تشكل لوحة منمنمة من فسيفساء المعرفة الفاسفة..

فلقد قتل الفيل المُهدى من حاكم الهند لحاكم العراق طفلاََ وها هو الراوي يقول :- ” حدثنا أبو عمرو أنً ديكارت وسارتر وماركس وبيتهوفن و روبسبير لم يستبصروا حتى الآن عن تنبؤ تقريبي لما حدث للصبي في بطن الفيل”(3) .. ومن الطبيعي أنْ يقول المتلقي منكم:- إنً جميع هؤلاء لا علاقة لهم بالاستبصار وليس بينهم فتًاح فأل و هذه الدعاية التي تنتهي بها القصة تعتمد في فتح مغاليقها على معرفة المتلقي تلك وفطنَتِهِ…

وفي ” المراسيم وراعي الغنم” تصير المراسيمُ التي تكيل بلادَنا لعنة ََ- أدركَ فيها بطلُ القصةِ أن ً مدينة الشط (البصرة) ستخلو من الحياة في ظل هذه المراسيم وفي الصفحة (27) من القصة يرى أنً البلد صار في ظل المخزيين سجنا ََ يبكي فيه كلّ مواطن .. لذا فهو يدعو درع النخيل أنْ ينهض َ أمام العواصف و أنْ يَنْطقَ الساكتُ و يتحرك للخلاص, طبعا ََ يجري ذلك وراء شفرات النص فمثلا ََ الأغنام أشرف الحيوانات, إنًها لا تأكل بعضها بعضا ََ, إنًها لا تؤذي وهذه إشارة أو شفرة وا1ضحة الدلالة…

و باستمرار رصد الرمزية نشير إلى قصة ” الكرات الحريرية” وهي لا تنطوي على الرمزية بمعناها المذهبي المعروف ولكنها تفرز ذلك من ثنايا توظيف طقوس أسطورية وأخرى تعود لبنية الحكاية الخرافية.. فبطل هذه القصة نصف إنسان نصف حوت وهو إذْ يطلب شرطا ََ لترك ( البصرة) آمنة يعود فيمنح المدينة أرائك زاهية للحالمين بالحكمة والفلسفة كما تقول الحكاية عندما يحصل على الفتاة\الشرط التي تلد للبلدة شاعرا ََ, راوية , طبيباََ , عالما َفي اللغة…

إنً ما تتصف به هذه المجموعة القصصية يتمثل في الخطوط العامة الآتية:-

الرمزية مع توظيف الطقوس الأسطورية… ومن ذلك نفهم أنً الأدب مايزال يعطي في إطار الآثار الفنية القادمة من الماضي البعيد ( الأسطورة , الخرافة , وغيرهما…) و هذا يعني أنً تلك الأشكال التعبيرية مازالت توفركفايات إيجابية لما لا يزال من الحاجات الجمالية محتفظا ََ بصفات البقاء و العطاء. و هذا يعني( أيضا َ) أنًنا بصدد قراءة وظائفية الأدب والفن في صلته بحياة الإنسان الروخية. ألا يستمدّ المطير هذا من الحكاية ( كما ألف ليلة.., كليلة و دمنة…)…..

ألا يستمدّ من الأسطورة والخرافة….

ألا يوظّفها جميعا ََ في قراءة موضوعة معاصرة بمعالجات جديدة ؟…..

إنًهُ لكذلك.

فمن توظيف الأسطورة نجد وظائف من نمط كسر أو تجاوز الأطر البلاغية – التقليدية و تعميق التضمينات والرموز التي لا تقصد لذاتها بل لإحياء دلالة أو معالجتها , ومن انصهار شكلين جماليين أو جنسين أدبيين يمنحنا نص المطير تحولا ََ بميكانزم ( آلية) اللغة العادية إلى شعرية ( بمعناها الواسع) الخطاب الروائي.

و المقصود هنا ظهور ثنائيات تقع على ضفافها تلك الشعرية مثل ثنائية:- واقعي \ أسطوري , حقيقي \ خرافي ,ثم توالد الدلالات عبر شفرة \ دلالة , متحوّلة ََ في صيرورة تستغرق العمل َ السردي ً كلًهُ. على أنًني لابد أنْ أذكّر هنا إلى أن هذا التقابل لا يؤخذ على أساس إيقوني حيث الأفعى تقابل الشريرة مثلا ََ … إنًنا بصدد أعمال سردية تفارق هذا المستوى الأولي للترميز و التشفير.

وبعامة يمكن القول إنً من سمات هذه المجموعة القصصية:-

الابتعاد عن الحكاية بنية والاقتراب منها موضوعا ََ….

عصرنة الموضوعة وتحديثها.. بالربط بين ماضي الحكايات و وقائع الحاضر….

و تختفي فيها المباشرة خلف حلول فنية مبدعة لا يمكن إغفالها…

و بغرض التنويع و الاختزال سأمر إلى مجموعة ” نهار النرجس” و هي قصص واقعية تخلو من الفجاجة و التبسيط كما يحصل أحيانا مع بعض الأعمال التي تتناول وقائع اليوم العادي للإنسان…

المطير هنا يبحث عن معادل موضوعي يكافئ تلك التجربة الشخصية الثرّة التي تجمعت في حناياه .. لكن ” أنا الراوي” عنده لا ينطبق على أية شخصية فعلية ملموسة ( رياضياََ) و لا حتى شخصيته هو نفسه ( أي المطير )نً ما يبدو للوهلة الأولى أنًه تعبير عن واقع محدد لا يلبث أنْ يتكشف عند التحليل النقدي والفحص الدقيق عن صيغة جمالية مفروضة على هذا الواقع.

إنً أي صورة واقعية تتحول لعمل أدبي تخضع لشروطه الجمالية.. فإذا قلت لي إنً ” صورة فتاة اسمها دليلة” هي وصف منقول من محضر تحقيق في جريمة مقتل خليل الجزائري فإنًني لن أخالف هذا القول إلاّ بالإشارة إلى النص لغة ََ و صورة ََ فليس من الملفات وصف إيماءات الوجوه و ارتجاف الأنامل وزاوية النظر للموضوع ومعالجته وليس منها تلك النهاية المتعلقة بصورة دليلة وإيحاءاتها بانفتاح على عالم آخر, عالم ما بعد تلك الجريمة …

و لمتابعة المجموعة و طبيعتها الواقعية سنقرأ قصة ” نهار النرجس” التي يخرج فيها الأب بعد خمس سنوات سجن ليكتشف مرارات تجرعتها عائلته من القريب قبل الغريب , ولكن ( صفاء ) ابنته التي كبرت وعركت مصاعب الحياة باكرا ََهي ورقة هذه القصةو بؤرتها وعلى لسانها تأتي مجريات القصة التي تكشف مظالم حكمت حياتها و حياة نساء مدينتها فتدخل في محاكمة حتى مع أوضاع أبيها التي استجدت بعد خروجه من السجن …وقد انفضً عنه حتى أعضاء الحزب الذي ينتمي إليه…

أما ليلة في القطار النازل فبطلها شاب يرافق والده في رحلاته الشهرية إلى البصرة { و لاحظوا معي ظهور البصرة كثيرا ََ في أعمال المطير } , وعبر الحكاية تتوالد حكاياتٌ متعددةٌ و متنوعةٌ لتتضخم القصة بهذا التوالد الحكائي , ولكن طبيعة تنظيم العلاقات داخل القصة و قوة السبك والبناء المحكم هو ما يقنعنا بالتجوال في أروقة تلك البنية المفتوحة.

إنُ البحث عن ( وثائق) في ثنايا الأعمال الواقعية أمر فيه وَهْمٌ كثير ذلك أنًنا نبحث في علاقة تقوم بين العمل وبين (خطاب) مبثوث يمتلك كلُ فرد يقرأ النص بعضا ََ منه … ولا يستطيع فرد واحد إدعاء امتلاكه لوحده . إنً أمر هذا الخطاب يقع في الوعي الجمعي حيث يتشكل الرأي العام وقيمُه الجمالية والفكرية…

و بالانتقال إلى الخماسية , فإنً قارئها يجدها تمتاحُ موضوعَها من واقع عرفناه نحن الذين نقرأ في هذه السطور , عن كثب عشنا أيام التحالفات والتصالحات والتقاطعات والاصطدامات , وكلها دموية بما فيها التحالفات .. فليس في الذاكرة إلاّ اعدامات .. اغتيالات.. اختفاءات وازهاق الحيوات بالجملة , هذاغير دم العذارىوالأجنة المجهضة وصدمات القلوب والأدمغة والثاليوم !!

هل من المنطق أنْ تكون هذه هي تفاصيل يومنا العادي ؟!!

منذ اللحظة الأولى لهذه المجموعات القصصية سندخل في عوالم ِِ مفسًرة ِِ موضوعيا ََ وأحاول هنا ترتيب أولويات الموضوعات ولغيرسبب تتقدم هنا موضوعة المرأة عند المطير أو في قصصه والإيروتيكية و طقوس العلاقات الإجتماعية المريضة التي تجابهنا باستمرار في أعماله مثيرة لجدل يفرض وقفة متأنية …

المرأة في هذه المجموعات في جميع الأحوال ساقطة هامشية لا تعرف من العلاقات ِ غيرَ أحابيل الخداع و الخيانة والغدر , إنًها مريضة ٌ غير سوية…

في لدغة النيران نجد الزوجة الباحثة عن حلول لمكانة زوجها المهددة بالضياع ولمنزلته ووظيفته , ومن ثم للجاهوالمال اللذين تمتلكهما نجدها تقدّم جسدها للعرّاف ثمنا ََ لذلك وتكشف لنا القصة عن نساء بالجملة ! فعَلْنَ الحكاية نفسَها ليحصلن على مطالب حياتية يمكن أنْ تأتي بغير هذه الوسائل الرخيصة.

وفي الطريق إلى كهف سوسياتا زوجة الهيبو(4) هي التي تنام في فراش العرّاف كرمان يحيى كرمان….

وفي طوبى للمحبين عالية تعاشر بدران وهي زوجة أخيه ( العرًاف )….

والمرأة في العبور إلى حقل الزهور هي الزوجة الثالثة التي لم تنجب لزوجها المسؤول الكبير في سلطة البلاد فتندلق على حكاية مع سائق سيارة زوجها لتنجب له من ذلك السائق.

أما في مجموعة أنا عشيقة الوزير فلا يختلف الأمر

إنًنا نقرأ عن السكرتيرة المتمردة تمارس الخطيئة حتى مع المستشار نفسِهِ والأمر مع عشيقة الوزير التي يحظى بها سائقُهُ قبل أنْ يجلبها له كل أربعاء..

لماذا هذا التوصيف ؟؟!

قد يتساءل بعضنا هكذا بتعجب !

لكنً الإشكالية ليست في صورة المرأةِ سلبية ََ , ولا في إشكالية الإيروتيكية بل في توظيف هاتين الموضوعتين..

وعلى الرغم من أنً المعنى الأول لهذا التوظيف يحمل كسرا ََ لتابو ( أو محظور ) في حياتنا عندما يتعلق الأمر بالتقاليد والعادات وما تتضمن بشأن موضوعات المرأة , الجنس وما إليهما.. فإنً عالم هذه المجموعة هو عالم سلطة فاسدة .. ولأنً المعالجة الفنية منصبًة على كشف هذا العالم من الداخل , من خلال شخوصه فإنًنا لسنا أمام توصيف المرأة العراقية ولسنا أمام عالمها مثلما نحن لسنا بصدد الوجه الآخرلها, الوجه الإيجابي المعروف عنها.

إنً المطير يريد بهذا الاختيار وعرضه بارزا ََ سائدا ََ, يريد عرض خطل عالم السلطة الحاكمة وفساد قمة الهرم فيها .. من هنا نلاحظ باستمرار إشارات واضحة لتوصيف اللوفياثان أو الرئيس..

ها هو الرئيس في أنا عاشقة الوزير يضع توقيعه بالموافقة على الزواج الثاني لوزيره (( ووراء التوقيع أمر يمكن العودة إليه في النص)). وهاهو في جسدان ليس بينهما إلاّ الخوف يبعث بخطابه عبر الهاتف حيث ترى العشيقة ُ الوزيرَ يقف مذعوراََ عار ِِ مؤد ِِ للتحية العسكرية… أما في لوفياثان فيوصف بأنًه لا يعرف الصداقة والقرابة ’ غرس في نفسه حب الذات فقط.

ويمكن القول :- إنً جميع التوصيفات المتعلقة بحياة شخصيات هذه الأعمال هي توصيفات ماحول الرئيس الذي يأتي ذكره باستمرار بوصفه النبع والمصدر لما حوله من شرور ومآس ِِ وسقوط أخلاقي شامل لايقف عند حدود شخصية المرأة وقد يكون في هذا بعض ما يفسر تلك الصورة…

إنً تفسيرا ََ أدق لمثل هذه الشخصية المهزومة يعود لكون السخصية محصلة ميتا-رياضية لإفرازات المجتمع ولأنً المجتمع الموصوف واقع في تراجيديا هجوم شرس لقوى الاستغلال واستلاب لجميع القيم الإنسانية فيه , فلابد للنتيجة أنْ تكون بالصورة التي عمل على إبراز أحد أوجهها نصّ المطير(( ولاينبغي أنْ نحاكم عالم نص بمعيار عالم آخر, مع أنً هذه المحاكمة تعود إلى علم اجتماع الأدب وتختص به كما في قراءات كولدمان مثلا )).إنً قلق الشخصية المرسومة و خواءَها يعود إلى صراعات( داخلية ذاتية) و( خارجية موضوعية) .. وحل هذه المشكلة لا يتأتى إلاّ بإعادة التوازن عبر هدم العلاقات الاستغلالية و إقامة علاقات إنسانية جديدة بديلة.إنً تلك الشخصية المرضية وباء المجتمع ولكنها في الوقت ذاته إعلان عن هزيمة المفهوم البرجوازي للمواطن حيث ارتباط الإنسان بالدولة وآليتها وهو ما تذهب به النظم الديكتاتورية إلى قمته فتتدخل حتى في غرف نوم الناس وفي قلوبهم وعواطفهم…

لقد اضطرذاك المسؤول الحزبي الكبير في ظل أحد المراسيم إلى طلاق زوجته ( وإنْ كان ذلك مراوغة ََ) ليلحقَ بها هاربا ََ فيما بَعْد , بَعْدَ أنْ طفح الكيل به مع حزبه ( الإشتراكي إدعاءَ َ ) ورئيسه الذي لا قبله ولابعده سلطة ولا قرار. على أنًه ينبغي هنا التأكيد على واحدة من سمات شخصيات قصص المطير فهي ليست كائنا ََ من لحمِِ و دم ِِ بنفس المقدار الذي نقيسها فيه بوصفها تشكيلة من الدلالات بخاصة عندما تتغلب سمة تحميل الشخصية رؤية ََ معينة و تحويلها إلى رقم يخدم السياق العام للفكرة التي تستهدفها القصص المعنية, فإذا انطبق هذا التوصيف على عدد من شخصيات المطير فإنً اهتماما ََ كلاسيا ََ نصادفه مع بعض آخر من تلك الشخصيات , وفي الحالة الأولى يكون توصيف الشخصية غفلا ََوذلك لأمر مقصود أي تهميش هذه الشخصية وتبيان انسحاقها وفي الحالة الثانية بحث عن استكمال عناصر جماليات نص مرسوم بعناية حيث إن جملة الأفعال المجسٍمة للحركة في الرواية تتم وتتعدد قيمتها ويتقرر اتجاهها بمقتضى نوع المستقبل المنشود وهو في سرديات المطير يقع خارج العالم الذي يفضحُه ويدينه وإنْ كنا لانقرأ ذلك تصريحا ََ بل مما وراء السطور.

الزمان والمكان : – ( فضاء قصص المطير)

ظاهرة الزمن في الرواية أو القصة تتبدى في التقاط الأشياء والحوادث المتناثرة في الواقع بكيفية فوضوية مبعثرة لتعيد تنظيمها وترتيبها لتخلق من هذا التنظيم قيمة جمالية برسالة ذات مدلول .. إنً الأدب إعادة تركيب للوجود ينفعل بفضائه زمانا َو مكاناََ بمقدار ما تشاء من الأنساق الإيجابية التي تمتاحها من اخضاعه لانسجامها الجمالي.وبهذا فالفضاء برمجة مسبقة لمجموعة من الأحداث وذلك عبر تخطيب سلسلة الأماكن والمقاطع الزمنية ومن ثمً منحه القيمة الفنية الدلالية المؤثرة .(5) لنلاحظ ما يفعله المطير لتخطيب الفضاء المكاني لنصه, فالأماكن عنده كتل مغلقة منعزلة جامدة حتى وهي تمثل المكان النسبي المتحرك(6) مثل السيارة (مكانا) فهو يصفها من داخل جدرانها, يضع شخوصَه قدريا ََ داخلها, إنًهم يطلون على العالم من وراء حيطان غرفهم , من وراء جدران الزنازين ( حيث الجميع محاصر أو مسجون , أسير عالمه) . إنً هذا التجميد تعبير عن بيئة سلبية تجاه الفاعل فيها – لأنًه ليس فاعلا ََ بالمعنى الأخلاقي الإيجابي , إنًه فاعل بوصفه مصطلحا بنائيا ََ.و المكان عند المطير لا مألوف بسبب ِِ من وقوعه في دائرة التهديد المستمر حيث لا حماية فيه فعلى الرغم من جدرانه والحراسات يظل مكشوفا ََ من أية حماية… لاحظوا خواء شخصية المستشار و كيف يعوض عقدَه ومشاعر النقص باللجوء إلى مكتبه الفخم الوثير , إنًه غرفة معيشة وحتى غرفة نوم من تلك التي تدور فيها أعمال الفحش المعتادة المألوفة لمثل هذه الفئة المختارة في قصص المطير.جغرافيا ََ لدينا ما هو واقعي وآخر تاريخي وأسطوري من الأماكن ونحن أمام بغداد والبصرة وذكر عابر للرمادي لكنه ذكر بوصف وظائفي عندما يتعلق الأمر بأماكن تتوزع في مدينة الضباب (لندن) , فشقة في العنوان كذا وملهى في ذاك…

عوالم الأسطورة لها أمكنتها الغنية بالتأثير الطقسي والدلالي :- الصحراء واتساعها الأفقي وامتداد الأفق نحو الغموض. والنخلة بين جذور ِِ ضاربة في أرض مدينة الشط وسعفها يعانق سماء البحر والنهر, أنًه يصنع منها درعا ََ( في نصه) لحياة الناس.ينقطع المكان ويصير معتما ََ ولاتنفع معه لا أبواب ولاشبابيك لتتلاءم مع(Atmosphere)ومن جهة الأجواء مزاج الشخصية وهو ملئ بالألوان , فسيح حيث يتحول فراش الخيانة إلى حجم ملعب للكرة…

وفي تخطيب الزمن نحن أمام لحظة متوقفة مجمًدة على حركة داخلية أو على الزمن الذاتي وطغيان وجوده حيث الموضوعية ملغاة نتيجة للتحلل الجذري لتعاقب الزمن , وحيث الواقعة المعاشة محدودة بمستوى التجربة الخاصة , والفردانية تطغى على الجمعية , حتى يبدو الزمن الذاتي أعلى من الزمن الموضوعي على الرغم من كونه وليد الثاني … على أنً مثل هذه المجابهة بين المتلقي والنص إنًما يُراد من ورائها تصوير حياة شوهاء وشخصية سلبية مهشمة (( لأمثلة بهذا الخصوص يمكن العودة إلى أغلب النصوص المذكورة)).تقنيا ََ على المستوى السردي الزمن عبارة عن قيمة كمية , الحركة فيها تجسد الوجود السلبي للشخصيات , والوضع الوحيد الذي يفلت فيه من هذه السلبية هو وقوعه على سهم زمن ِِ يتضمن انفلاتا ََ من قيم الوضع العام المحيط.أليس هذا ما ترشحه حالات الانقطاع بين الشخصية و بيئتها عندما تترك زمنها لترحل َ إلى زمن ِِ مغاير خارج جدرانه الجامدة الميتة..؟!

المطير بعد هذه الجولة القصيرة جدا في بعض أعماله نخلة ٌ عراقية ٌ عصيّة ٌ على عواصفِ الطغاةِ ….

إنًهُ نخلة ٌ إذا هَزَزْتَها تسًاقَطَتْ عليك ٌقَصَصَا ََجنيا….

ولايقف نص الطير عند انغلاق ذاتي بل يغدو جزءا ََ من الصيرورة العريضة للحركة المادية و التاريخية.أي أنً نص المطير عملَ على بناء المسرح المتنقل لحركته واتجاهه للفعل والتأثير بهذا ( المسرح ) إذْيطرح جانبا ََ:-

1- المقدًس حين يتخلص من اسراف بالالتزام بالقاعدة النحوية اللغوية المعجمية….

2- و انغلاق النص حين تنفتح معطياته الايجابية الموحى بها على الآخر الموجود في ذات المتلقي..

إنًه يكسّر كل التابوات ( أو المحظورات) طالما وقع ذلك في إطار ِِ موظّف ِِ لأهداف الابداع الأدبي …

إنً معطيات المحظور السياسي تُبرز ( في قراءة) أنً بطله ليس من دون تاريخ شخصي قذف به إلى الوجودبلا معنى وبلا قدرة على فهم كنه هذا كما يرى (هايدجار) في إنسان عصره , إنًه يقرأ متغير الشخصية حتىمنها تلك التي وُضِعَتْ في إطار فئة نفعية في خيمة رمز السلبية “رأس النظام” …

إنًه يطابق رؤية (لوكاتش) الذي يرفض الاعتقاد بخلو الرؤية الأدبية من الحسّ التاريخي فيُدْخِل المطير قراءَتَه لتحلل الشخصية والمجتمع في حالة محمول يمتلئ بامكانات التطور التاريخي في مجتمعنا محدِدا ََ اتجاه الحركة وارهاصات المستقبل وإنْ بطريق جمالي لا سياسي ولا أيديولوجي مباشر . وطريق تعبيره يغتني بعمق (حدثه)و إنْ وجَدَ بعض النقاد تكرارا ََ أو استطرادا ََ وتفصيلا ََ في بعض مواضعه .. فمسوغ هذا في المسار السردي هو بقاء (الوضعيات) حتى القريبة جدا ََ من حدث الرواية أوالقصة محايدة تجاه ذلك الحدث وغير متحققة فيه بصورة كاملة ولكنها تخدمه عبر طبيعة تركيب النوع السردي…

أما التناص الذي يتفتح فيه عمل المطير الأدبي فهو انفتاح على التاريخ القريب منه والبعيد , وانفتاح على الآخر الضد والحليف , وانفتاح على النصوص الابداعية الأحرى والأنواع الأدبية التقليدية والمحدثة.. كما هو حال الأسطورة والحكاية…

لعل قراءة مثل هذا التعدد في القيم النصية المتداخلة هو ما ينصح (باختين) بتحليله حيث من عملية السجال الداخلي و الأسلبة التنويعية المخفية تبدو لنا معطيات دلالية تخترق معجم المفردة ومعجم النص التقليدي.المطير يجمّد زمن الخطاب ولكنه يغني زمن التخيل حيث تدخلات في القبل والبعد و حتى في مداخلة( استرجاع- استباق – استرجاع ) وهي أدوات تقنية معروفة لكنها تتفرد هنا بخصوصية ملموسة هي التي أجلت الحديث فيها عن تجنيس أعمال المطير التي أراها تقدم لونا ََ أدبيا ََ متحركا ََ لا يقبل الخضوع لأشكال عبرت عن زمنها وبيئتها ليعبر هو عن بيئته التي نعرفها والتي أراد أنْ يعلن َ لنا أنًها حرافية جمعت كل فنون الموت والاستلاب مثلما احتوت على بذرة فنائها في ذاتها المرتعبة من حركة الزمن إلى الغد.المطير يقدم رواية من نوع جديد تتأقلم مع حاجات المتلقي المعاصر خاصة العراقي. إنًه يقدم سيرةَ شاهد ِِ على عصره فيفضح الجريمة َ ويعري أزلامها , إنًه يعرض الجريمة بكل تفاصيلها واضعا ََ إياها تحت مجهر فن المطير لكشف أكداس الجراثيم وطبيعة فعلها من إفساد , دمار , وخراب .. كل ذلك في نظام من الخطوط البنائية المتوازية التي تترك للمتلقي فرصة التوقف في مرحلة أو البدء من مرحلة في سابقة إبداعية تحلّق بنا في عوالم شاعريته وفضاءات جمالياته … ألسنا نبحر في عالم المطير الجميل ؟؟

 المصادر والمراجع

  1. أمبرتو إيكو , القارئ في الحكاية, ترجمة : أنطوان أبو زيد
  2. برند شبلنر , علم اللغة والدراسات الأدبية – دراسة الأسلوب والبلاغة
  3. جاك دريدا , الكتابة والاختلاف , ترجمة كاظم جهاد
  4. ديفد وورد , الوجود والزمان والسرد , ترجمة سعيد الغانمي
  5. رجاء عيد , فلسفة الالتزام في النقد الأدبي بين النظرية والتطبيق
  6. حسن ناظم , مفاهيم الشعرية
  7. رشيد يحياوي , شعرية النوع الأدبي في قراءة النقد العربي القديم
  8. السعيد الورقي , مفهوم الواقعية في القصة القصيرة عند يوسف أدريس
  9. سعيد بنكراد , مدخل إلى السيميائيات السردية
  10. شكري عبدالوهاب , المكان دراسة في تاريخ تطور خشبة المسرح
  11. رولان بارت , الأدب والواقع , ع.الجليل الأزري
  12. غ. باشلار . جماليات المكان , ترجمة غالب هلسا
  13. فراس السواح , الأسطورة والمعنى
  14. كلود جرمان , علم الدلالة , د. نورالهدى لوشن , بنغازي
  15. كولن ولسن , فكرة الزمان عبر التاريخ , فؤاد كامل
  16. ل. غولدمان , المنهجية في علم اجتماع الأدب , مصطفى الشناوي
  17. محسن الموسوي , عصر الرواية مقال في النوع الأدبي
  18. ه. ميرهوف , الزمن في الأدب , أسعد رزوق
  19. ميشال بوتور , بحوث في الرواية الجديدة , فريد انطونيوس
  20. محمد الماكري , الشكل والخطاب مدخل لتحليل ظاهراتي
  21. ميخائيل باختين , شعرية ديستويفسكي , ترجمة د. جميل نصيف
  22. ف. بروب , مورفولوجيا الحكاية الخرافية , ترجمة أبو بكر أحمد باقادر
  23. جاسم المطير الأعمال السردية:- ( الزبزب , نهار النرجس , لوفياثان, أنا عشيقة الوزير , المولود في مدن القلق , قصص المقتدر بالله البغدادي ونسوانه , )

...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *