دعوة لوقف الاعتداءات الهمجية الظلامية على النُصُب والتماثيل والأعمال الفنية؟!!

من أجل تطوير عملنا النوعي دفاعاً عن أجهزتنا الثقافية والإعلامية والفنية

 بدأت الأوضاع في عراق ما بعد سقوط الطاغية وزوال أجهزته القمعية بالاتجاه نحو حال من أعمال الابتزاز والإخضاع لمصالح قوى مافيوية تتستر بواجهات العمل الحزبي في ظروف “انفلاشية” وليست ديموقراطية قائمة على أسس المجتمع المدني والعمل المؤسساتي.. ونقول هنا “انفلاشية” لنحت مصطلح يستجيب للواقع بما فيه من “انفلات” و “تسيّب” وبما فيه من تهديم كما يقول العراقيون “تفليش” فيأتي المصطلح “انفلاشية” ليحتل صرح الديموقراطية الذي كان ينبغي أن يعلو ويُبنى في بلادنا.. وهو ما سيتحقق بالتأكيد عبر قراءة جدية مسؤولة من القوى الحية الفاعلة في وطن الحضارة والمجتمع المتمدن…

وفي ظلال هذه الأوضاع المتردية أمنيا ومن ثمَّ سطوة قوى المصالح الاستغلالية الجشعة بدأ الظلام يخيِّم على أجوائنا ومورست أشكال التضليل والتخويف وإرعاب الناس وإرهابهم وابتزازهم في مصادر رزقهم وفي ليِّ أذرعتهم بخطابات القدسية الدينية المدّعاة من بعض المزيفين أو التي تسوِّق وتستغل جمل حق بما يُراد من ورائها من باطل..

في مثل هذه اللغة التكفيرية لبعض من يحاول تقمص دور المرجعية الدينية متسترا على مطامعه الحقيقية، بدأ هؤلاء بتنفيذ سياسات تستهدف تعزيز مكانتهم كما كان بالأمس غير البعيد الاقطاعي والسركال يعمل على منع المدارس من دخول الأرياف والأحياء الفقيرة لتجهيل الناس واستغلالهم في أمور عيشهم وحوياتهم. فصاروا اليوم يدوسون على كل أشكال الخطابات العلمية المعرفية والثقافية الإبداعية من أدبية وفنية وغيرهما…

الذاكرة الجمعية العراقية لم تنسَ هذا الأمس وممارسات الاقطاعي والجهات الاستغلالية  بالدوس على كرامة الإنسان وحقوقه ومنعه من التمتع بخيرات ما تنتجه يده وما تبدعه قدراته الإنسانية من آداب وفنون.. والذاكرة الجمعية للعراقيين هي ذاتها وبوعي لكل ما يجري من ألاعيب حول العراقي اليوم هي الكفيلة بفضح الجريمة المتسترة المقنعة سواء بسلطة المافيات والميليشيات أم بالمخادعة والتضليل الديني وقدسيته والدين الحق من تلك المخادعة براء…

ومن مخاطر الجريمة التي تتصدى لمحاربة الثقافة والمثقفين المبدعين ما يجري من محاولات لإخلاء البلاد من التماثيل والنُصُب واللوحات التي سجلت المسيرة الظافرة لتضحيات شعبنا بتعبير جمالي إبداعي مميز يستمد تاريخ الحضارة العراقية ويجسِّد الحجم النوعي الكبير لمبدعينا ومساهماتهم الكبيرة في الإبداع الإنساني المعاصر في شتى شؤون الثقافة والأدب والفن…

إنَّ التعرض للإنسان العراقي اليوم لا يقف عند حدود لقمة العيش ولا عند مسائل أمنه وتفاصيل حياته بل يمتد إلى كل مفاصل تلك الحياة من قيم روحية يجري العمل على تخريبها.. فالدين جوهره الروحي قيم الجمال والحق والعدل والتهذيب ورفض العنف والتدمير والتخريب والعبث بجمال ما أوجده المبدع الخالق.. وليس من سبب لايهام الناس بتضليل رخيص يقصد من ورائه منع لغة الإبداع والإعمار والبناء..

ومن هنا كانت المعارف والثقافة أساس يلتزمه الإنسان دينا ودنيا ومسارا روحيا له.. ومن هنا كان الإبداع الفني والأدبي ومنه فنون التشكيل من نحت ورسم أمرا يجب الاعتزاز به ليس لتسويغ هامشي كمالي فليس بالخبز وحده يحيا الإنسان.. وليست حياة الإنسان كدّ ومتاعب وأوصاب وآلام، بل حياته أيضا رموز تخلق له البيئة والأجواء المناسبة التي تسمو بتفاصيل يومياته وترقى بها وتشذبها وتهذبها..

وبتلك الفنون والقيم الجمالية السامية التي تسجل تاريخ الوجود الإنساني الظافر وانتصاراته وتحذره من انكساراته واسبابها، بتلك الفنون الرموز الشامخة يعلو صوت الحق الذي كرَّم الإنسان وأمره تعمير الأرض التي استخلفه عليها.. ولكن أوباش الحياة واشرارها ومرضى الجشع يأبون إلا أن يخرِّبوا كل جماليات الحياة بجهلهم وغباء أفعالهم المريضة الشريرة..

نحن اليوم لا نكتفي بدعوة المثقفين المبدعين لتضافر جهودهم ووحدتها دفاعا عن الأعمال الفنية ووجودها بل ندعو أبناء الضواحي والأحياء الفقيرة للدفاع عن حقهم في تجميل حيواتهم والعيش في بيئة إنسانية مرسومة بقيم البصر الجميل والبصيرة  الواعية التي لا تقبل ولا تخضع للتضليل والمخادعة..

إن من حق الإنسان أن يتمتع بتخليد سيرته ونصب ما يسجل قيمه الصحية الصائبة شامخا في سكنه وفي مؤسساته وفي الساحات والميادين.. ولنا أن نشير للعالم أننا أبناء الإبداع السامي المتمدن المتحضر منذ سومر الخلود ومرورا ببابل وأكد وآشور وبغداد الحكمة والعزّ والجمال.. ولماذا لا يبقى نصب التحرير رمزا يذكر العالم ببغداد المجد والجمال والعقل التنويري والمساهمات التاريخية في تمدن المجتمع الإنساني اليوم؟

لأنَّ بعض زعران المافيات ممن يزعمون ويدعون حقهم بوضع الفتاوى المزيفة موضع الأمر والنهي عن معروفهم ومنكرهم الخاص وجوهره في مصادرة الناس واستلاب حقوقهم في الحياة الروحية المثقفة المبدعة.. وهكذا قرأنا أن مصائب العراق تكمن في نصب الحرية وهذا المتخلف محق لأن نصب الحرية يمثل الرمز لمصيبته هو ويطارده في ليله ونهاره لأن النصب يسجل تاريخ ثورة العراقي وحركته في التحرر والانعتاق منذ سومر وحتى انعتاق العراق في ثوراته التحررية الوطنية المعاصرة..

فهل نسكت ونتركهم يمضون في جرائمهم وغيهم وهم يهدمون ويعيثون ويخربون بحجج واهية وأضليل واباطيل.. كأن يتحججون بتبديل مكان نصب أو تمثال أو يتذرعون بترميم معرض أو مرسم أو لوحات وما يقومون به هو الهدم والتدمير والضرب في العقل الإبداعي العراقي.. فهل سنسمح باستمرار الخراب ومسيرته المرضية الخطيرة؟!!

إن المطلوب هو تشبث أبناء الأحياء والضواحي برموز أعمال مبدعيهم وفنانيهم وأدبائهم.. وهي دعوة للانتباه إلى مخاطر التلكؤ في محاربة أفاعيل الجريمة الظلامية التي بدأت اليوم بالنُصُب والتماثيل ولكنها لن تنتهي إلا بالإنسان الذي أبدع الجمال وأجواء التهذيب للحياة ذاتها..

والمطلوب اليوم أولا إصدار قرار واضح بمنع التلاعب بكل المنجزات الفنية بأي وسيلة وعدّها ثروة وطنية كبرى تخضع للحماية الرسمية والشعبية.. كما يجب أن نبدأ حملة واسعة بخصوص تنظيف بيئتنا وتوزيع تلك الأعمال على مواضعها المنتظرة وعلى وفق عملية مدعومة رسميا لمبدعينا وتوفير الأجواء الصحية لأنشطتهم وإبداعاتهم..

وهذا المطلب ينبغي أن يوضع في أولويات منظمات الثقافة والمثقفين وأن يشرع الجميع بوضع الآليات التنفيذية بالخصوص بالضد مما يطفو على السطح من جريمة وجب التصدي الفوري ووقف آثارها التخريبية قبل أن نصحو على يوم لا نجد فيه غير أطلال تقتل فينا آمال الحياة الحرة الكريمة النظيفة.. وهو ما لا نرضاه لجيلنا ولن نترك للأجيال التالية غير الإبداع بإصرارنا على موقف جدي مسؤول وثابت يعي الكيفية التي نريد أن نرتقي بها إلى مستوى وجودنا الإنساني بكل قيمه الكريمة..

والأمر ليس بتسطيح ما يزعمون من كونه مجرد رسم وشخبطة كما تعويذاتهم المسخرة وأحاجيهم وما يعمهون مما حرّمته الأديان من تلاعب بمصير الناس بتنجيم وشعوذة وما إليها.. وليس الأمر بقضية نصب أو تمثال بل هذه رموز حريتنا وانعتاقنا وهي رموز تجميل حياتنا وإعلاء شأن وجودنا فلا يتخلى أحد منّا عن وضع اهتمامه الجدي المؤمل في أحرار عراقنا ومثقفيه ومحبي الحياة النظيفة الجميلة.. ولا يرهبنا زعم بقدسية مزيفة فالدين هو الجمال والجميل وليس إزالة رموز الإبداع والعقل والجمال…

...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *