العراق بين التغيير المؤمَّل ومطرقتي الإرهاب والطائفية؟

استبشر العراقيون بالتغيير الذي حصل منذ ثلاث سنوات؛ وتطلعوا بهزيمة نظام القمع الدكتاتوري بتمكنهم من بناء البديل الديموقراطي التعددي التداولي الفديرالي لعراق جديد. ولكن مجريات الأوضاع التي حصلت طوال السنوات الثلاث لم تكن بالمسار الذي تطلع إليه أغلبية العراقيين..

لقد سجلت التجربة التاريخية أن الانتقال من نظام قمعي دموي كالذي حكم العراق بالحديد والنار أمر يتطلب شروطا كثيرة لجعل ذاك الانتقال صيرورة وافية للمطالب والتطلعات. إذ من المتوقع أن تعمل بقايا المؤسسة القمعية المهزومة لتخريب البيت إنْ لم يكن لها فيه موطئ قدم ومصلحة تمثل بقاءها ووجودها في رفضها إخلاء مواقعها النفعية المعروفة..

لقد قام النظام الدكتاتوري على تشكيلات قمعية ومؤسسة دموية في تشكيلة مؤسساتية لدولة القمع وسياسة إرهاب الدولة لتطويع الأوضاع قسرا لمصلحة قطعان حاشية الحكم القمعي الدكتاتوري. وليس لعاقل أن يعتقد أنه بإزاحة رأس النظام ستنتهي مؤسساته التي قامت على صورة المنظمة الإرهابية القمعية.. وحضَّرت لمواصلة دورها التخريبي في حال تعرضها لما حصل في التاسع من نيسان 2003…

إنَّ مؤسسات الدولة القمعية امتلكت فرصتها الأوسع والأعظم للتدريب ولتنظيم نفسها في منظمات وتشكيلات إرهابية كما المؤسسة المخابراتية والأمنية وأجهزة الشرطة وبعض قطعان دولة الإرهاب التي ضموها للجيش العراقي. وفي ظروف القمع والاستلاب وسطوة إرهاب الدولة لم يكن الشعب على صلة مباشرة بمنظماته الحزبية وحركاته الوطنية إلا بطريقة مضيَّق عليها من تنظيمات سرية محاصرة بكل الصُعُد..

وكان الانقطاع بين هيأة أركان حرب الشعب وطليعة الجماهير الشعبية سببا مهما لترك الميدان بُعَيد هزيمة النظام الدكتاتوري لقواه وبقاياها مفتوحا على مصاريعه لتعمل [قوى الظلام] بفؤوسها التخريبية مواصلة الضغط من أجل انتهاز الفرص كعادتها للتسلق والبقاء في مقدمة كراسي نهب الشعب وثرواته واستلابه حرياته.. إذ أن آليات العمل في ظل دولة القانون واحترام حقوق الإنسان في ظروف انتقالية كما في العراق أمر معقد ويحمل كثيرا من الثغرات التي ينبغي حسابها..

ففي ظل المرحلة الانتقالية يلزم فرض حالة الطوارئ لمدة كافية يجري فيها منع أية ثغرة تنفذ منها قوى منظمة تنظيما قويا ومسلحة بأحدث وأعقد أسلحة العنف والتخريب وتمتلك أعقد البرامج التي تدربت عليها عقودا من الزمن فضلا عن كون مسألة الهدم من السهولة بمكان بمقابل مسائل البناء. ولقد كان هاجس المعارضة العراقية وبرامجها ملتفتا لمثل هذه المسألة ما جعلها تشير إلى مرحلة انتقالية وشروطها..

إلا أننا جابهنا نتيجة قيادة جهات أجنبية للتغيير أجندة غير أجندة المعارضة الوطنية العراقية. فتمَّ حل أجهزة الدولة كافة في سابقة غير مدروسة بدقة.. كما جرى تصفية  أجهزة الدولة المدنية بذريعة انتقامية أكثر منها معالجات جدية مسؤولة لتوطيد أسس التحول المدني الديموقراطي. مضيفا إلى هذا مخلفات الفوضى والتجهيل بالعمل المؤسساتي وبالتنظيم المتطور لأعمال دولة مدنية مؤسساتية يدموقراطية…

ومن المشكلات العويصة أن بعض قطاعات التي دخلت للمعارضة العراقية قد دخلت بإسناد إقليمي وبانتهاز للظروف الانتقالية المعقدة وتشكل حركات ومؤسسات وتنظيمات نفعية متشظية عن واقع مرضي في ظل مسميات ديموقراطية، وخروج تلك القوى على الإجماع الوطني لبرامج المعارضة العراقية والتسابق المتعجل لخدمة مصالح القوى التي وقفت وراءها الأمر الذي  كان له دوره في تصعيد التمزق والتخلف عن مواجهة مسؤوليات الواقع للاستجابة لمطالب الأغلبية..

ولعل أبرز الحالات التي أصابت العراق الجديد انتهاز خلفية التحضير الذي بدأه الدكتاتور الطاغية بتفعيله دور الحركات الإسلاموية من مختلف التلونات المزيفة التي تدعي تمثيل هذه الطائفة أو تلك عبر حملته الإيمانية قبيل هزيمته، وهذا الانتهاز جاء على خلفيات التدخل الإقليمي بميليشيات تمَّ تدريبها لتكون قوى [هدم] في النظام القديم فيما برامجها لا تستحي من إعلان مستهدفات طائفية مفضوحة..

فوجد شعبنا العراقي الموحد في نسيجه الاجتماعي وفي مكونات أطيافه المتعددة وهي المنسجمة الموحدة تاريخا وحاضرا، وجدت هذه الوحدة الوطنية نفسها أمام سلطة تقسيمية طائفية تمثل مصالح قوى إقليمية قبل أن تمثل أي مصلحة لفئة عراقية أو طائفة أو مجموعة مذهبية.. وزاد الطين بلّة أن هذه القوى هي التي تصدرت الميدان بسبب من تسليمها السلطات الفعلية من القوات الأجنبية وبسبب من الدعم اللوجيستي الإقليمي والتركيز الإعلامي والتحضيرات البنيوية السابقة على سقوط النظام..

إنَّ هذه القوى تلتقي مصالحها بشكل مباشر وغير مباشر مع قوى النظام القمعي المخلوع ومن هنا فهي على الرغم من احترابها مع بعض قوى النظام المهزوم وأعمالها الانتقامية (الدموية) في صراعها ذاك إلا أنها لا تمثل البديل الديموقراطي بسياستها تلك وأن كل خطابات الادعاء المزيفة بانتهاجها فلسفة ديموقراطية لا تعدو عن خطاب زعم وادعاء كما كان يفعل النظام الدكتاتوري نفسه؟

إنَّ المسلَّمة الوحيدة للبديل الحقيقي للنظام القمعي تكمن في منع حرق المراحل وفي الجهة التي يمكنها أن تتحمل مسؤوليات مرحلة انتقالية حقيقية ومرحلة التأسيس التي يلزم فيها أن تتعزز فلسفة الديموقراطية القائمة على وعي بآليات عملها وتعريفا بقواها وهو ما لم يجر حقيقة طوال الأنشطة والفعاليات التي مرت في السنوات الثلاث المنصرمة..

فلم تكن الأجواء مهيأة للانتخابات والاستفتاءات التي جرت بل خضعت تلك الفعاليات المهمة لسلطة التأثير السلبي لمخلفات التشويه التي حصلت في ثلاث عقود وانقطاع الصلة بين القوى الديموقراطية والقوى والفئات والمكونات الشعبية فضلا عن سلطة دموية تتعارض بالمطلق مع الهيو الديموقراطية وآليات العمل بها هي سلطة الميليشيات وتاثيراتها الكارثية..

من هنا واختزالا للمعالجة هذه فإن العراق بحاجة جدية بعد أن جرى تجاوز المرحلة الانتقالية وشروطها ليس للعودة إلى الوراء لكي نبدأ من جديد بل إلى عقلية متفتحة تستطيع تحمل المسؤولية عبر وسيلتين تتمثل في تنقية أجهزة ضبط أجواء الانفلات وتطهيرها من الاختراقات وتدريبها مع معاونة جدية مسؤولة دوليا ووطنيا من قوات أجنبية مدربة تخضع للخطة الوطنية العراقية.. وبالتأكيد سيكون أول مهمات هذه القوات يكمن في حل الميليشيات والعصابات وجمع الأسلحة وفرض احتكارها من جهة الدولة وحسب..

أما المسألة الثانية فتكمن في أوسع مساحة لتفعيل العقل العراقي ممثلا بالجامعات والمراكز البحثية والمؤسسات الأكاديمية والحركات السياسية ومؤسسات المجتمع المدني وأجهزة الإعلام العراقية الوطنية وكل ذلك ضمن حملة شاملة لتوكيد الروح الوطين الموحد ورفض رؤى الطائفية وتحريمها من العمل لمرحلة بعيدة من مسيرة التأسيس للديموقراطية ولدولتها البديلة..

إنَّ مسألة تحريم عمل القوى التي كانت سببا رئيسا في مأساتنا سواء منها التي مثلت النظام الدكتاتوري القديم أم التي جاءت عقب هزيمته أمر لا مفر منه بمقدار أهمية حملة المصالحة والتسامح العراقية القائمة وعلى جميع تلك القوى المخلصة أن تكون واضحة في برامجها وفي توجهاتها وسياستها الرسمية المعتمدة للولوج لمسيرة السلم والعملية السياسية بوجهها الصحيح..

ولا يمكننا أن نأمل بمعافاة لبلادنا ونحن نسلِّم الراية لرؤوس بعضها من الجهل حتى أنه لا يسطيع تدبيج خطبة لافتتاح مؤسسة التشريع لبلاد التشريع والقوانين وآخرون لا يفقهون من أمر مسؤوليتهم غير تمرير بعض السياسات المريضة التي تخدم نوازع فردية انتهازية مرضية متعجلة وفوق ذلك تديم مسلسل العنف والفوضى والعبث بمصالح الناس..

إنَّ هذه الحقائق تعني أن شعبنا تطلع لأمر ويواجه فعليا أمورا أخرى أساسها طائفية رخيصة تستلب البلاد والعباد وحقوقهم وتعين الإرهاب على مواصلة دمويته بحق بسطاء الناس وفقرائهم وليس غير هؤلاء بين فكي خطرين قادته أنفسهم الذين يتحدثون عن الديموقراطية وعن عراق جديد مثلما تحدث غريمهم المهزوم عن ذلك..

وعلينا التفكير والعاقل الحكيم يعرف ما يلزم بهذا الشأن.. فهل سترتقي القوى الديموقراطية قوى اليسار واليمين الليبرالية والعلمانية لمستوى المهام وتعقد مؤتمراتها وتتبنى برامج الخلاص والإنقاذ الوطني أم أننا ما زلنا في مرحلة مبكرة من الوصول لهذا النضج السياسي في الوعي العام ووعي حركات القوى البديلة للدكتاتورية ومؤسساتها؟

...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *