المؤسسات الجامعية: بين رأس المال المادي ورأس المال البشري؟

تمَّ في السنوات الأخيرة تأسيس عدد من المؤسسات الجامعية الأهلية التي تتخذ من أشكال التعليمين المفتوح والألكتروني طرائق للعمل. وقد كانت تلك التجاريب تعتمد الجهد الفردي الخاص في مجال تمويل نقطة الشروع في عمل تلك المؤسسات.. وفي هذه العُجالة نعالج مسألة التمويل في تلك المؤسسات ودوره أو أثره في توجيه السياسات العامة للمؤسسة.

إنَّ أبرز مسألة تتحكم في توجيه تلك السياسات تكمن في طابع الملكية الفردي الخاص من جهة تسجيل المؤسسة ومن ثمَّ تحكّم المالك في توجيه تلك السياسات بطريقة فردية ما يُفضي إلى أخطاء جمة في الواقع العملي للمؤسسة العلمية الجوهر والأنشطة.. ويتضاعف الأثر السلبي لهذه الممارسات إذا ما عرفنا أننا نتعامل مع الروح الجمعي لا الفردي للعمل وطابع الفريق والتخطيط العلمي الملزم في مثل تلك المؤسسات، المستند لمنطق اللوائح والقوانين وطبيعة العمل الأكاديمي الجامعي وتضمنه العمل العقلي السديد…

ونحن هنا كثيرا ما نجد أنَّ ذلك يتمّ عبر جمع المالك أو المموِّل بين سمة الملكية ومسؤوليتها من الجهة المادية المالية وسمة إدارة المؤسسة الجامعية؛ وعبر موقعه هذا يوجِّه الأعمال والأنشطة الإدارية والشؤون الخاصة بالتعيينات والرفد أو الفصل من العمل بطريقة مزاجية فردية تماما هذا فضلا عن التجاوز السافر بالتدخل غير المقبول في الشأن العلمي البحت…

وما يساعد مثل هذا الموقف السلبي الخطير وجود شخوص دخلاء على العمل الجامعي من حَمَلَة “شهادات عليا” بحاجة لمراجعة وتأكد.. وهؤلاء يمررون إجراءات وقرارات ويُضفون عليها الطابع الرسمي، الأمر الذي يغطي على ممارسات تمثل لبّ الجريمة قانونا عبر مثل هذه التغطية ومحاباة المالك لمصالح هي الأخرى مادية رخيصة…

وبمراجعة جوهر هذه الإشكالية يمكن تسليط الضوء على حجم دور رأس المال المالي ونسبته في واقع الحال لأية مؤسسة تعليم ألكتروني تجاه نسبة رأس المال البشري؟ ومن ثمَّ التعليق على أهمية أو حجم القدرة التصويتية لممثل رأس المال المالي في إدارة المؤسسة أو تسجيلها حقيقة مشروعا اقتصاديا باسمه الشخصي الفردي…

إنَّ جملة الكلفة المصروفة من المالك صاحب رأس المال المالي تتركز على مرحلة الانطلاق والشروع وتكون نسبتها هنا واضحة من جهة توفير بعض المفردات الضرورية من مثل المقر شراء أو إيجارا وبعض التجهيزات اللازمة التي لا تتجاوز بضع أجهزة كومبويتر ومكاتب عمل فضلا عن أجور التسجيل التي لا تكاد تُذكر ومع التقدم بالعملية التعليمية في شؤونها الإدارية والعلمية تتضاءل نسبة مساهمة رأس المال المالي إلى حدّ تنعكس الأمور وتبدأ حالة جني واردات ربحية لصالح صاحب رأس المال مع تركيز واضح لسلطة القرار بيده…

ومن هنا ينبغي الحديث عن نسبة مساهمة رأس المالي المالي في تغطية أنشطة المؤسسة وتصريف مهامها تجاه رأس المال البشري.. ولنلاحظ هنا إغفال مشروعات عديدة لحقيقة مساهمة جدية كبيرة ورئيسة في تسيير جملة العملية من قبل رأس المال البشري. إذ يمثل هنا العمل الذي يقوم به الأساتذة والإداريون ومجموع العاملين رأسمالا مساهما عبر صيغة العمل.. يمكن ألا نحسب هذه المساهمة في حال وجود صيغة العمل بأجر تام أو حتى جزئي، ولكن عندما يعمل هؤلاء بصيغة العمل بلا أجر سيكون لمساهمتهم العينية هذه قيمة مادية مختزنة تساوي مقدار الأجر الحقيقي في المدة الزمنية المودعة فيها تلك المبالغ…

وبحساب هذه المبالغ لمؤسسة يعمل فيها مائة أستاذ  في مدة خمس سنوات سيجد أبسط محاسب أن مساهمة كهذه تساوي بين عشرة ملايين يورو إلى 12 مليون يورو في السنوات الخمس على أساس أن الأستاذ يمارس عملا واحدا فقط وفي ساعات العمل الرسمية فقط وبأجر الحد الأدنى المتعارف عليه في مقرات تلك المؤسسات في أوروبا؛ في حين أن الحقيقة مارس ويمارس هؤلاء الأساتذة أعمالا وأنشطة لا حصر لها وبعضهم يقوم بمهمات إدارات بالكامل في عمله!!؟

وبحسبة أخرى يجمع صاحب رأس المال المالي من كل أستاذ يعمل بحد أدنى يساوي 1500 يورو شهريا في السنوات الخمس ما يعادل 90000 يورو (تسعون ألفا من عملة اليورو) فإذا وجدنا أن المؤسسات الموجودة تعمل على أساس تكليف الأستاذ بأعمال إدارية وغيرها وبمهمات متعددة كل واحدة منها تمثل عملا مستقلا بعينه ينبغي دفع أجر عليه فإنَّ  صاحب رأس المال بهذا يوفر مبالغ هي أضعاف هذا الرقم من كل أستاذ لوحده بوجهده الكامل المقدم والمؤسسة لا تدفع سوى فتات تمسيه مكافأة مقطوعة تقدمها في نهاية كل فصل دراسي أو نهاية كل سنة دراسية لا يتجاوز في أغلب الأحوال الألف دولار أو 600 يورو بما يعني مائة يورو في الشهر بدل أجر الحد الأدنى!!!

وما يدعو لهذه الحسبة هو قياس موازنة مسؤولة لمقدار مساهمة رأس المال البشري هذا تجاه المبالغ التي رصدها رأس المال المالي وسنجد أن صاحب رأس المال المالي بهذه الطريقة لم يرصد إلا أقل من 10% من الأصول المالية لوجود مؤسسة أكاديمية جامعية..

وما يُلفت الانتباه هنا هو أن الأموال والصرفيات التي تجري طوال السنوات الخمس منذ لحظة الشروع بالتأسيس والعمل تتحول للاستفادة المباشرة بالاعتماد على الوارد الأساس من رسوم الدراسة التي تتم جبايتها من الطلبة وهذه تمثل بدءا من السنة الدراسية الثانية نسبة لا تقل عن 95% من صرفيات العمل ويمكن قراءة هذا بمراجعة ميزانيات بعض تلك المؤسسات العاملة اليوم عبر مقراتها في أوروبا ممثلة في تأجير شقة أو مكاتب لها لا تتجاوز أجور مشروعات دكاكينية تتطلب صرفيات مادية أكبر من مشروع مؤسسة جامعية تسدّ صرفياتها من الطلبة أنفسهم…

في مثل هذه القراءة لابد من واحد من أمرين: أنْ يدفع المالك أجور العاملين وقبل ذلك أن يوفر عقودا رسمية للعمل ويجري وقف التعامل بالعقود الشفاهية أو الكتابية المنقوصة أو المشوهة… والخيار الآخر وهو ما فرضته وتفرضه طبيعة العمل التطوعي بالتحول إلى ملكية مساهمة مشتركة بين مجموع من عمل في رحلة التأسيس وهذه الصيغة هي الأنسب قانونا…

ومن الطبيعي أن ينعكس هذا على تحديد الدور المزاجي الفردي الذي يتحكم سلطة دكاكينية في رقاب علماء وأساتذة جامعيين مستغلا مواقفهم الوطنية والإنسانية والأكاديمية في التطوع لدعم مشروعات مؤسسات العلم الجامعية والخروج بها إلى النور بأهداف علمية تنضبط بالقوانين وتلتزم بها بخلاف الوقائع التي أشارت إلى تداعي التجاريب القائمة بسبب الثغرات التي يتم فيها التجاوز على الحقوق المادية والأدبية وعلى القوانين واللوائح المعمول بها عالميا ومحليا…

إنّه من الخطر الاستعجال في التعاطي مع هذه التجاريب من جهة لا الاعتراف الرسمي بثمار هذه المؤسسات حسب بل من جهة تسجيلها رسميا من دون أن تتقدم بلوائحها الرسمية وبآليات عملها وهياكلها ومقدار الالتزام بالقوانين المرعية.. مع استمرار الرقابة والمتابعة من الجهات التي تسجل تلك المؤسسات وتعترف بها كما في اتحاد الجامعات العالمي واتحاد الجامعات العربية…

إذ من المحتمل ألا تظهر الثغرات والأخطاء والتجاوزات إلا بعد مسيرة سنوات حيث تبدأ السجالات تعطي الصورة المناسبة الحقيقية لمجريات التقدم في هذه المؤسسة أو تلك.. وعلى سبيل المثال فإنَّ مؤسسة تعاطت في علائقها مع أساتذة فيها من منظور طائفي ديني ما دفع بعضهم إلى الخروج واستيلاد مؤسسة أخرى ترفض هذا النهج، وفي أخرى تمَّ إبعاد أبرز أربعة مؤسسين [من بين ستة اشتركوا في الرحلة]  في مطلع السنة الثانية فيما تمَّ إبعاد الخامس في مطلع السنة الرابعة ليبقى الأمر محصورا في شخص واحد يتفرد في كل شيء مستندا إلى تفويت الأمور علائقيا……..

فماذا يُرتجى من مؤسسات تُدار بهذه الطريقة؟ أعتقد أن الخيار الصحيح هو الفصل بين المالك وبين العمل الأكاديمي حتى في حال وجود شهادة علمية يحملها.. لأنه في النهاية سيتدخل في الشاردة والواردة وبطرق ستجد لها من يغطيها والكيفية التي يجري تمريرها.. أو أن يجري جعل هذه المؤسسات ملكية مساهمة لا تنتمي لفرد ولا تنحصر به… وهذا حق بأبسط الحسابات بالخصوص كما أوردنا في أعلاه…

الأمر الأكثر أهمية وأولوية هو أن المؤسسة الجامعية ليست شركة إنتاج أو دكانا أو وكالة تجارية بل هي مؤسسة نوعية للعقل البشري المعاصر الذي ما عاد بالإمكان التعاطي معه من منظور محددات آليات إنتاج التخلف أو آليات السوق البضائعي البسيط.. فحركة المؤسسة الجامعية تمثل عملا أكثر تعقيدا من أن تُدار بطرائق رأسية كما يحصل في بيت وعائلة بطرياركيا أو في دكانة.. والصحيح ألا نقبل مواصلة مشوار العمل المؤسسي لتلك التي يثبت تجاوزها لآليات إجازة العمل وشروطه بما يرقى لاحترام العقل والعلم وبالتأكيد الإنسان قبل هذه وبعده…

هذه مجرد أسطر تداعت إلى الذهن في ضوء ظهور تجاريب تظل بحاجة لرعاية ودعم وتفعيل وتقويم وتصويب بما يتناسب وآفاق المستقبل المؤمل.. ولن نجد صواب أو صحيح الطريق ما دمنا نجامل في أمور لا يمكن القبول بتمرير خطيئة أو جريرة تنال من الطالب ومن الأستاذ ومن العلم… وهذه تمنيات للجميع بالتوفيق وبالعمل الملتزم بالقوانين واللوائح واحترام رجاحة العقل وسداده…………………………… وللقراءة بقية في قابل الأيام

...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *