توثيق النصوص المسرحية العراقية

سومريات

[[إعادة تقديم مشروع إحياء النص المسرحي العراقي]]

معروف ما للتوثيق من أهمية في أي مجال معرفي بما يوفره من فرص بين أيدي الباحثين للتعاطي مع النشأة ومراحل التطور وتراكم التجربة وبما يفيد في شؤون ومجالات عديدة.. وإدراكا للأهمية الكبيرة بالخصوص في المجال المسرحي جرت منذ سنوات بعيدة محاولات لطبع عدد من النصوص المسرحية المنسية فأفلتَ من الضياع بعضها عبر توثيقه في مكتبات عامة أو شخصية.. الأمر الذي ساعد لاحقا مراكز التوثيق والمكتبة العراقية على الاحتفاظ بعدد من تلك النصوص ووضعها بين أيدي الباحثين والمختصين..

إنَّ حقيقة ضعف طباعة النص الدرامي تعود في الغالب إلى:-

  1. ضعف حركة الطباعة وتخلفها في بواكير كتابة النص العراقي في نهاية القرن التاسع عشر.. والكلفة النسبية العالية لعملية الطبع…
  2. فضلا عن الإغفال والإهمال لعملية طباعة النص المسرحي تحديدا بسبب من عدم عدِّه ضمن الأعمال الأدبية (المهمة) أو التي تستحق الطباعة على وفق الرؤية السائدة في المحيط الثقافي آنذاك، حيث تعرَّض الأدب المسرحي للازدراء والتهميش من النقاد والأدباء في ظروف سيادة النزعة المحافظة التي كانت تُعلي من شأن الشعر على حساب الأنواع الأدبية الأخرى.. بل هي أحيانا لم تصنِّف النصوص المسرحية ضمن أجناس الأدب وأنواعه…
  3. عدم وجود اتحادات أو روابط لكتّاب المسرحية وعدم قبولهم في الاتحادات الأدبية المعنية ومن ثمَّ طابع العزلة الذي أحاط بالكاتب المسرحي…
  4. النص المسرحي كُتِب دائما من أجل العرض المسرحي وعند تقديمه كانت تجري عليه عمليات تشريحية وتغييرات على وفق طبيعة العرض ورؤية المخرج فينتهون من النص ويلقونه جانبا بعد الانتهاء من العرض المسرحي بطريقة لا يجري فيها توثيقه…
  5. تخلف الوعي بأهمية عملية التوثيق بخاصة في ظروف كانت تتم فيها الكتابة المسرحية في ظروف من التضاغطات الاجتماعية والأدبية التي أبعدت عملية الطباعة وتوثيق النص إلى هامش الأنشطة…

الكارثة الجديدة التي حلّت بالنص المسرحي العراقي هي محرقة هولاكوية جديدة في إطار هولوكست الكتاب والوثيقة الوطنية العراقية عندما تمَّ إشعال الحرائق في المكتبة الوطنية وفي المكتبات العامة ومراكز البحوث والتوثيق في الجامعات والمؤسسات الرسمية حتى اعتقد بعضنا أنَّه ما عاد لدينا أثر لكتاب أو مخطوطة أو وثيقة نادرة.. ولكن الحقيقة غير تلك.. إذ يمكننا أن نفترض على وفق الوقائع ومجريات الأمور أن بعضا من نوادر المؤلفات وثمينها قد ذهب بين أيدي أولئك الذين أخذوها لسبب ما من هناك  قبيل تلك الجريمة مباشرة..

وفي ضوء الدرس المستقى من تلك الجريمة الأشنع بعد قتل البشر أنفسهم أصبح لابد من استعادة فعل التوثيق ولملمة تلك النصوص ووريقاتها المبعثرة وإعادة نشرها بطريقة منظمة دقيقة… ويمكننا أن نبدأ مشروعا ثقافيا مسرحيا برصد ميزانية لوزارة الثقافة مخصوصة بمشروع إحياء تراث النص المسرحي العراقي حيث ننشئ موقعا رسميا على شبكة الأنترنت لنشر النصوص بعد جمعها وتوثيقها وتصنيفها فضلا عن إمكان طبع تلك النصوص وتوزيعها على الجهات المعنية بها…

ويمكن لهذا الغرض أن تتضافر جهود المعنيين بالأمر بتشكيل لجنة (التراث المسرحي العراقي) لهذي المهمة يدعمها كل صاحب همة ورغبة في خدمة مسيرة الأدب المسرحي والمعارف الإنسانية التي تدخل في تنوير المسيرة وإعلاء رايات التمدن وحفظ تراث الإنسانية ذخرا للنمو والتقدم… وتجري أولا عملية جمع النصوص وتصنيفها ومن ثمَّ طبعها في سلاسل على سبيل المثال: سلسلة إحياء التراث الدرامي؛ سلسلة الروائع أو النصوص المتميّزة؛ سلسلة مسرحية الفصل الواحد؛ وسلسلةالنصوص الحديثة التي تصارع عتمة الظروف المحيطة المحبـِطة…

وينبغي تفعيلا للأمر اعتماد عملية توثيق وفهرسة علمية دقيقة والرجوع إلى أبرز المساهمين في هذا الإطار.. فلقد أصبحت عملية التوثيق والفهرسة ضرورة، من دونها، ستظل الدراسات والبحوث تراوح في مكانها وتجابه مصاعب جمة بخاصة عندما يعمل كل باحث بمعزل عن الآخرين وعن أرضية العمل وعن أولياته وجداوله التأسيسية، حيث افتقار المكتبة إلى وجود ما يشير إلى البحوث وإلى النصوص ومواضعها.. وتأسيسا على ذلك فنحن بحاجة إلى مركز وطني للتوثيق ولحفظ النصوص يمتلك الإمكانات الوافية لدعم جهود الباحثين. وإلا فإنّه في حالة عدم فتحه لجهود البحث والدراسة سيبقى محض متحف لعرض قليل من نماذج الماضي.

وسيكون من المفيد التعاطي مع مشروعات الدعم والتنشيط كإجراء مسابقات وتعزيز التنافس الإيجابي البناء على رفد المركز المعني والوقوف مع أعضائه لما يجمع فيه أكبر حجم متاح من الأعمال لإظهارها… كما سيكون داعما مهما العناية بدورية متخصصة بنشر النصوص التراثية والحديثة سواء منها المطبوعة الورقية أم الألكترونية فتلك من الأدوات الفاعلة لتوسيع صلات المتلقي بخاصة منهم المعنيين بالنصوص المحلية العراقية… فضلا عن فتح بوابات الاتصال عربيا وعالميا…

إنَّ مزيدا من الفاعلية سيكون متاحا مع وجود منتديات في جميع المحافظات والمهاجر لجمع النصوص والعناية بها فضلا عن وجود هيأة وطنية عليا لتقويم النصوص ومنحها الجوائز المناسبة والمكافآت المؤملة التي تدفع من يحتفظ بتلك النصوص القديمة لإشهار وجودها وتقديمها بما يتناسب وحجم التفاعل مع الدوافع وعوامل التشجيع والدعم ومع وجود خطة ثابتة ورصيد مناسب من الأدوات المادية والبشرية لتنفيذ المشروع…

علما أن عددا من المواقع المسرحية والشخصيات المعنية قد بدأت بجمع ما لديها من متاح من نصوص عراقية وغيرها بخاصة منها التي كُتِبت حديثا وستكون هذه المنافذ أداة أخرى مفيدة لتفعيل رحلة جمع التراث المسرحي… أذكر هنا أن أبرز من عمل بحجم نوعي مميز في التوثيق هو المرحوم أحمد فياض المفرجي ولكن ظروفا معروفة قد ذهبت بجهوده الجبارة أدراج الرياح ولكن من المفيد التعرف إلى من كان قريبا منه ومن دائرة التوثيق في المدة الأخيرة كيما نفيد مما تبقى…

هناك فهارس معروفة لعدد محدود من الأساتذة المعنيين كما الأستاذين الدكتور علي الزبيدي والدكتور عمر الطالب سيحتاجها أي باحث في التوثيق للمسرحية ولكن قد يكون أبرز فهرس شامل للنص المسرحي العراقي [وقد يكون فريدا وحيدا في بابه لأنه يختص بالنص المسرحي العراقي فقط ولا يعنى ببقية الأنشطة المسرحية في العراق] هو فهرس الآلوسي للمسرحية العراقية وأؤكد هنا على أنه يتناول النصوص أدبا مسرحيا ولا علاقة له بالعروض أو بالنصوص غير العراقية…

عليه أجدني هنا مهتما بتقديم هذه الورقة إلى الجهات المسرحية المختصة وتحديدا إلى الدوائر المعنية داخل وزارة الثقافة العراقية كونها المعنية بعمل جمعي كبير مسؤول يمكنه أن يرتقي لمستوى المسؤولية المناطة بمثل هكذا مهمة ويكون بديلا عن الأنشطة الفردية المحدودة على أهميتها… فهل من مجيب؟؟؟

آمل أن تجد هذه المقترحات من يفعّلها رسميا وإلا فإنني أدعو من يملك نصا مسرحيا من أية مرحلة تاريخية  وبأية لغة من اللغات المحكية المستخدمة عراقيا [سواء العربية أم الكوردية أم التركمانية أم السريانية أم غيرها] أن يرسل وصفا به لكي تتم عملية تسجيله وتوثيقه على أن يحتفظ بالنسخة الأصل مع إرسال نسخة للنشر إذا تفضل بالأمر.. وعمليا بهذه الجزئية سيعمل موقع ألواح بابلية والبرلمان الثقافي العراقي في المهجر على التعاطي مع القضية توثيقا مؤقتا لحين أخذ المهمة من جهة وطنية عليا مسؤولة وتمتلك الأدوات المناسبة لاستكمال وسائل الوصول للهدف المتوخى وسيجري القبول بكل أشكال التعاون وأبواب التفاعل مفتوحة مشرعة مع جميع المعنيين…

...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *