المسرح الكوردي في العراق: الأنشطة والتوثيق وآفاق التقدم والتطوير

كنتُ كتبتُ مذ حوالي العقدين أتحدث عن المسرح في العراق وتركز ذلكم حول المسرحية الناطقة بالعربية مع إشارات إلى التعددية اللغوية في  مسرحنا.. وإلى أهمية معالجة الأنشطة الأدبية والفنية – المسرحية منها – باللغات المستعملة في يوميات العراقيين بأطيافهم وألوانهم المتعددة…

إنَّ قضية الاهتمام بالأداء المسرحي نصوصا أدبية باللغات المختلفة تكتسي مكانتها من مكانة المسرح في حياة الشعوب ومن موقعه وتأثيره في المحيط الإنساني وعراقيا من طبيعة تكوين مجتمعنا التعددية التي ينبغي لها اليوم أن تنطلق إلى آفاق تحقيق أفضل حالات التعبير وحرياته على مختلف المستويات ومنها مستوى التعبير الأدبي والفني وخطابهما اللغوي المنعتق من قيود كبَّلته طويلا…

وفي ظل عراق ديموقراطي فديرالي يحترم الطابع التعددي للوجود القومي والديني ومن ثمَّ التعدد اللغوي في التعبير، نحتاج إلى أن نرتقي بدعم نتاج جميع الخطابات باللغات الموجودة في الميدان العراقي. وبداية بالنتاج المسرحي الموجود في اللغتين العربية والكوردية لسعة حالة وجوده بالفعل بهاتين اللغتين، الأمر الذي يتطلب بنية مؤسسية لرعاية ما صدر فيهما من نتاج…

بعامة لابد من تشجيع جميع الأقلام الأدبية والفنية للتعاطي مع النتاج المسرحي بلغات العراق الحية جميعا.. ومنها إلى جانب العربية والكوردية، التركمانية والكلدانية الآشورية السريانية وغيرها وبجميع اللهجات التي يتم تداولها عمليا وبشكل رئيس يرقى للاستخدام اللغوي الرسمي لهذه اللغة أو تلك في الحياة اليومية للعراقي..

وبالعودة إلى المسرح الكوردي أجد من المفيد التوكيد على أنني شخصيا قد شهدتُ انتاجا مسرحيا بالكوردية بخاصة في المهاجر القصية وبالتأكيد هناك في كوردستان تحديدا وفي العراق عموما مسرحيات عديدة تمَّ كتابتها بالكوردية وقسم مهم منها تمَّ تقديمه وعرضه أيضا… وهو ما يمثل سجلا وتاريخا مهما نحن بحاجة لتوثيقه وتقديم الدراسات المناسبة لرفده وتفعيله والسير به إلى أمام…

وعليه من الطبيعي أن تكون هناك مؤسسة للتوثيق المسرحي للمسرحية الكوردية سواء في العروض المسرحية وتفاصيل متابعة عناصر العرض أم في مجال التوثيق للمسرحية الكوردية كونها نصا أدبيا يحمل خطابا فنيا مسرحيا ولكنه أيضا يمثل الخطاب الجمالي الفكري المحتضن بالأسلوب اللغوي المخصوص بالكوردية…

إنَّ مسألة الاهتمام بالمسرحية الكوردية بحاجة لتوجه طباعة النصوص الكوردية [ونشرها أيضا] على وفق ما جاءت به من خصائص لهجية عمليا وعلى وفق توجه لغوي مدروس علميا بما يساعد في دعم الخيار اللغوي رسميا في الوسط الكوردي الثقافي والشعبي العام…

فيما سيكون وجود تلك النصوص الأدبية عاملا جديا في إثراء المكتبة الكوردية لغةَ َ وأدبا وأرضية جدية لتفعيل المسرح الكوردي بعامة وتنشيط دوره أكثر في إطار المسرح عراقيا وإقليميا ودوليا… وسيكون لهذا الدور المميز أثره في حمل راية اللغة الكوردية الحية وللفكر المخصوص ليقدم رسالته في الفكر والجمال والحياة الإنسانية…

وعلينا هنا أن نضع أولى أقدامنا على خشبة المسرح الكوردي وهو يحتضن مهرجانه الوطني والقومي ومثل ذلك لمهرجان دولي هنا في ربوع كوردستان المنعتقة من زمن السلاح والخراب وآثار الجريمة للطغاة في نظام ظل يحارب الكورد عقودا طويلة من الزمن…

وبالتأكيد يمكن لمهرجان مركَّب على مستوى كوردستان والعراق ومستوى ضيوف من الفرق المتنوعة المختلفة سواء منها الكوردية الموجودة في المهاجر أم الوطنية لمختلف دول العالم وشعوبه، سيكون لمثل هكذا مهرجان دوره في الاهتمام الجدي الفاعل للمسرحية الكوردية ولدورها في التقدم إلى آفاق جديدة…

إذن من المفيد أن ألخِّص جملة المنتظر في الآتي:

  1. تعزيز فعل الكتابة وطبع الموجود وتشجيع الكتابة الدرامية بخاصة المسرحية وتفعيل أنشطة العروض المسرحية المستندة للنص المسرحي المحلي بخاصة الكوردي… على أنه من المفيد أن نشجع تقديم الأعمال الكوردية في بغداد وعدد من المحافظات التي يوجد فيها جمهور يتحدث الكوردية فضلا عن ترجمات فورية داخل قاعات العرض بما يساعد على احتكاك مختلف متحدثي اللغات الأخرى في العراق ويمنح للمسرحية الكوردية بوابات للتأثير بجمهور جديد في إطار الوطن.. ومن الطبيعي أن يكون لمثل هذا النشاط أهميته في تعزيز علائق متينة وصب الجهود التي تفعل عوامل الوحدة الوطنية عبر خطاب المسرحية الجمالي المحمَّل برسائله المضمونية القيمة…
  2. تعزيز التوثيق المسرحي واستخدام أفضل الآليات المتطورة وتبادل هذه الوثائق المتحصلة مع أبرز المكتبات ومؤسسات التوثيق عراقيا وإقليميا وعالميا…
  3. مهرجانات ومسابقات ستكون هي المحك لدعم الإبداع المسرحي وتفعيل جهود المبدعين بخاصة الكتابة باللغة الكوردية لجمهور الكوردية وكذلك لمفاعلة هذه اللغة وخصائصها مع التجاريب المكتوبة بلغات أخرى…
  4. دعم الدراسات الأكاديمية الجامعية في جامعات كوردستان والعراق وتشجيع النقاد صحفيا والدوريات المتخصصة بإيجاد صفحات متخصصة في يوميات الصحف المحلية وغيرها..
  5. عقد الدورات التخصصية للكتابة الدرامية المسرحية منها وتبادل الخبرات مع الآخر في الوطن والمهجر ودوليا…
  6. إيجاد أو تفعيل اتحاد مسرحي لكتاب المسرحية بالكوردية وللمسرحيين الكورد ولنقاد المسرحية الذين يكتبون بالكوردية ولإيجاد فرصة لكرسي الأدب المسرحي الكوردي بقسم اللغة الكوردية في جامعة كوردستانية…

إنَّ هذا التوجه قد تحقق بعضه بآلية غير مكتملة أو غير مفعلة ولكنه بحاجة لاستراتيجية في التخطيط لها مرجعية تتمثل في مؤسسة للمسرح تتابع خطوات تطبيق مفردات مقترحات هذه الورقة على أن تصادف أمور من مثل وجود فرع للدراسات الأدبية المسرحية وكرسي للأدب المسرحي في جامعات كوردستان تشجيعا ورعاية وتطبيقا عمليا يحمله أساتذة الأدب المتخصصون وهم أنفسهم الذين تقع على عواتقهم إمكانات دعم دراسات تخصصية تتناول المسرحية الكوردية في مستوى البحوث والدراسات العليا والأولية…

ويمكن بهذا الخصوص أن ينعقد مؤتمر تخصصي يجمع الكتاب والفنانين وأساتذة الجامعات والنقاد ليدرسوا آليات تنفيذية ويشكلوا الأدوات التطبيقية لمشروع مهم لا يمكنه أن يُترك للمصادفات أو للمنجزات الفردية..

فالمسرحية ليست نصا للمتعة الفارغة وتزجية الوقت بقدر ما هي نص جمالي يعبر عن معالجات فكرية عميقة تمثل تطور المجتمع ونضج التعبير بلغة بعينها ووصوله لمرحلة المدنية وبلوغها مستوى التعبير الأعلى بين جميع الخطابات الإنسانية..

والمسرحية الكوردية لها مثل هذا الباع الممييز ليتم تكريس أعمق الدراسات فيها وأبعد فرص الرعاية لاستكتاب أقلام المبدعين الكورد في مسيرة حالفة بالمنجز المسرحي المتقدم الناضج…

وبالمناسبة، لي أمل أن تُترجم وتنتقل هذه الكلمة للغة الكوردية للتفاعل مع الناطقين بها ولتكون أداة بين الأيادي المبدعة النبيلة لتبنيها وتفعيلها… وقد أحظى بنجاح في تحقيق وجود كرسي للأدب المسرحي في أول جامعة في الشرق الأوسط في جامعة كوردستانية بعد أن تخلف الأمر في الجامعات الأخرى…

...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *