المسرحية العراقية: شؤون وشجون [3]

سومريات

لقد كان جليا عمق علاقة ثقافة المرحلة بالماضي والتفات كتّابها لاستدعاء موضوعات التراث وشخصياته.. وكان هذا أوضح ما يكون في  تلك النصوص التي عالجت التاريخ أو استخدمته وسيلة تعبيرية لأداء مهامها المضمونية الوعظية والجمالية أيضا.

لقد جاءت المسرحية التاريخية تمثيلا لهذه الرؤية وسنتناول لتوضيحها نمطين: الأول يجسّد الشخصية التاريخية الحقيقية والتساؤل بصدد هذا النمط هو إلى أيِّ مدى استطاع الكاتب أنْ يوفِّقَ بين التوثيق التاريخي وطاقاته التعبيرية وبين جماليات المسرحية وطاقاتها التعبيرية المخصوصة الجديدة؟ فضلاَ َعن اختيار الكاتب للّحظة الأكثر دراميّة من حياة هذه الشخصية الواقعية منتهية الرسم؟ فيما شخصيات النمط الثاني التي نتناولها هي تلك المضافة من خيال الكاتب لتلعب دورا متميّزا من حيث البعد التاريخي للعمل الدرامي مع كل ما يحتاجه الكاتب من إسقاطاته المعاصرة.

وفي هذا الإطار أمامنا شخصيات من التاريخ العربي في عصوره المختلفة الممتدة، أنبياء، أبطال من سوح المعارك القومية الكبرى، شخوص من سِفْر التاريخ الطويل، هؤلاء جميعا يتم اختيارهم أولا وقبل كلّ شيء بناء على المعاني التي يحملونها وعلى مردود تقديم هذا التاريخ بوصفه نموذجا يُراد به أنْ يُحتذى…

 من هنا تتمحور ثيمات هذه الأعمال بين عرض تاريخي مجرد، القصد الأخير منه إحياء الماضي فقط وبين من يوظّف الماضي للتعليق على الحاضر مستهدفا الإفلات من قيود الواقع ذاهبا إلى حد ابتكار أحداث وشخوص تدور في ذاك الزمن الذي انقرض ولكنها في النهاية تصب في إطار معالجات حضارية معاصرة.

وفي إطار المعالجة التقليدية واتخاذ الشخصيات التاريخية المعروفة نموذجاَ َ مباشرا من دون تغيير يمكن الإشارة إلى شخوص مسرحيات “مشاهد الفضيلة” و “الزبّاء” و”شهامة العرب” وهي شخوص اطلعنا على قصصها في الغالب كما في تلك الشخصيات التي وردت في العهد القديم والقرآن والتفاسير والأخبار، ونحن لا نجد في الشخصيات الرئيسة من تغيير مهم يبتكره الكاتب؛ وكلّ ما نرصده هو تحويل الحكاية والتوصيفات السردية من طابعها القصصي إلى مظهر يحاكي  الدراما.

وصحيح أنَّ الشخصيات هنا تتحرك وتتكلم وتعمل ولكن ليس كلّ عمل ولا كلّ حركة يمكن أنْ يجسّد الدراما وقوانينها ولهذا فإنَّنا نجابه في قراءة مثل هذه المسرحية حالة من التضحية بالشخصية لصالح القصة.. التضحية ليس بالشخصية التاريخية لأنَّ هذه مجسّدة أمامنا ولكن التضحية هنا تكون في فنية الشخصية عنصرا بنائيا دراميا وبالقيم الدرامية والعلاقة بين الشخصية وهذه القيم أو مع البنية الدرامية ذاتها..

إنَّ الشخصية في المسرحية التاريخية التقليدية، تقدَّم منذ البداية ناضجة وليس فيها من تطور وغالبا ما تكون نهايتها مثل بدايتها فأيّ الأمور يمكن أنْ تُعدّ تغييراَ َ درامياَ َ فيها؟ لاشئ غير تلك الفطنة التي قد يمتلكها كاتب في ملاحظة الوجه الآخر لبنية الشخصية التاريخية المقطوعة المنتهية؛ فيربط منطقيا سلوك كل طرف ودوره في الحكاية مستثمرا الشخصية (دراميا) لتأكيد فكرة الإرادة الصلبة والسلوك المبدئي بخلاف ترك الحالة على أساس حبكتها القصصية فذلك ما يُضعِف كثيراَ َ من إمكان قبول تلك الشخصية في الإطار الدرامي بمعنى أنَّها (أي الشخصية) حافظت على سماتها القصصية على الرغم من انتقالها من السرد إلى الحوار.. إنَّ هذه التجربة هي ما يسمح لنا بصياغة التساؤل النظري الآتي:ـ هل يكفي تحويل الوصف والسرد إلى جملة حوارية لتكتسب الشخصية بعدها الدرامي؟

والجواب قطعاَ َ لا وإلا فإنَّ كثيراَ َ من القصص والروايات توظِّف الحوار في بنيتها ولكنها لا تتحول في أية قراءة نقدية إلى دراما. إنَّنا هنا إذن لا نناقش مصداقية الشخصية التاريخية فهي في غنى عن هذه المناقشة وذلك بسبب توافر المادة الإخبارية في بطون الكتب ولكننا نناقش دورها البنائي في عمل لا تقف مهمته عند العرض الإخباري بل يتعداه ـ ويجب أنْ يتعداه ـ إلى تقديم (الدراما). فإذا نحن حكمنا بعدم تطور الشخصية المحورية فأين ستكمن القيمة الدرامية في مسرحية تعتمد في بنائها على تلك الشخصية؟ وهل تعوض المسرحيةَ تلك الأحداثُ الدراماتيكية (المشحونة بالتوتر والإثارة)  والمفاجآت والمتغيرات التي تثيرها هذه الشخصية في محيطها؟

ونحن بتحليلنا هذا لا نريد أن نقول إنَّ الدراما التاريخية تخضع لقوانين الدراما الكلاسية بطريقة متماثلة. ومثالنا على ما نقول مسرحية “شهامة العرب” أو “السموأل وامرؤ القيس” وهو العنوان الذي يؤكد لنا قيام بنية المسرحية على أساس هاتين الشخصيتين ولأنَّ الكاتب يأخذ حادثة مقتل ملك كندة وخروج ولده امرئ القيس للثأر فإنَّه  إذ يعرض سيرة شخصية معينة فهو لا يغفل الإحاطة بالخلفية الإنسانية للشخصية وما تتصف به من سلوك وسمات أخلاقية محاولا هنا إبراز صفات الوفاء والشهامة من خلال موقف السموأل في الحفاظ على ودائع امرئ القيس على الرغم من إعدام ابنه أمامه ومن تهديده بالفناء.. داخل حصنه المسمى “الأبلق” وإذن فنحن أمام (دراما) توظِّف المسميات التاريخية شخوصاَ َ وأحداثاَ َ، مكاناَ َ وزماناَ َ من دون التجاوز لا على القيم التاريخية ولا على القيم البنائية الدرامية… فكيف نقرأ ذلك في مسرحيتنا؟

الإجابة تكمن في طبيعة نمو الشخصيات وتطورها فامرؤ القيس يبدو في الوضعية الاستهلالية غير عابئ بهموم الحياة ومسؤولياتها إلى الحد الذي يستقبل فيه نبأ مقتل أبيه بذهنية “اليوم خمر وغدا أمر” بينما تتغير الأمور حتى تصل قرار سفره إلى قيصر الروم والتفكير بجيش يعيد المُلْك إليه (وليس الثأر فقط) وبين الحالتين تعقيدات وعقبات كثيرة هي خلاصة لبنية الحدث الدرامي…

و (حادثة) السموأل التي يستقي الكاتب عنوان مسرحيته منها تستكمل وتعزز الأزمات المكوّنة للحدث الدرامي ولبنية العمل بأكمله. وعلى هذا فوجود شخصية السموأل على صعيد بنية الحدث أو التأثير في مساره لم يكن وجودا أو تأثيرا ينفرد بالأولوية ولكنه يبقى وجودا مهما لشخصية ذات أهمية حيوية في العمل..

 وهنا نريد التأكيد على أنَّ الحجم الذي تحتله الشخصية ليس هو الذي يحدّد أهمـيتها ودورها في الحدث فقد تكون الشخصية ستارية يكسبها المؤلّف ملامح معينة ثم يضع أمامها شخصية أخرى ذات ملامح مغايرة (أو مماثلة). وبهذا تتميّز الملامح الأخيرة عن طريق المناقضة (أو المماثلة) مع ملامح الشخصية الأولى. ومن نمط الشخصيات الستارية كثير من الشخصيات الثانوية التي وُضِعت في مسرحية النشأة على أسس تقابلية في محاولة للاتساع بتوضيح دوال الأعمال الدرامية  ومعطياتها…

وهذا التوصيف الدرامي ينقلنا إلى التدقيق في طبيعة الشخصيات وأدوارها في العمل وآليات دخولها في البنية حيث يجري مثلا تقديم الشخصيات الخيِّرة مقابلة للشخصيات الشريرة ليس بوضع تقابلي حاد مجرد بطريقة الأبيض والأسود وإنما بالعودة إلى بنية فنية أساسها أنَّ شخصية بعينها تعمّق من وضوح الشخصية المقابلة سواء بالتناقض أم بالتماثل وفي مثالنا سابق الذكر  السموأل حليف لامرئ القيس تتضح شخصيته من خلال نقيضها الطماح ودور الأخير سيكون أكثر أهمية في تحريك حدث المسرحية لأنّه لا يستهدف السموأل حسب بل يطارد امرئ القيس وهو بهذه المهمة الفنية البنائية معادل لكليهما في تحريك الصراع وإدارته.. أما الشخصيات الثانوية مثل هند، شريح وغريض ومريم في المسرحية ذاتها فإنَّها أغنت الحدث وظلت في الصورة حتى عند غيابها عن الخشبة عبر آليات منها آلية الشخصية الستارية التي مرّ توضيحنا لها.

وبعامة يمكننا القول: إنَّ اكتمال العمل الدرامي ذا الموضوعة التاريخية ووحدته ينبع من تكامل الشخصيات وانسجام أفعالها وتناسق حركتها الفردية والجماعية.. وإنَّ نجاح الشخصية في هذا النمط الدرامي هو الأساس في نجاح البنية لأنَّها تمثل الأساس التكويني للمسرحية التاريخية.  ومع ذلك فإنَّ ما كان يعتري هذه الشخصية التاريخية هو المبالغة في رسمها ما يحمّلها أنماطا من الحوار الفائض عن الضرورة أحيانا فضلاَ َ عــن إدخال السرد والوصف في الحركة على حساب الفعل الدرامي .. في حين أنَّ مكمن قوة الشخصية الدرامية فيما تفعل لا ما تتصف به.

لقد عرقلت هذه الثغرات الثانوية حركة الشخصية وتطورها واندماجها في بنية مسرحية المرحلة ولكنها لم تقطع الطريق أمام كل هذه الأمور ـ من حركة وتطور واندماج ـ  بمعنى أنَّ بداية المسرحية التاريخية من حيث بنية الشخصية ونموها كانت بداية فنية مشجعة ولو أنَّها صادفت النجاح نفسه في بقية عناصر البنية الدرامية لكانت هذه الأعمال في غير موضعها الحالي من المسرحيات التاريخية في البلاد العربية الأخرى.

وتبقى هنا ملاحظة مهمة ينبغي ذكرها تتعلق بقضية اختيار موضوعات وتجاريب إنسانية من أجواء تقع بين التاريخ الرافديني القديم (بشكل محدود) أو القومي العربي (بشكل أوسع) بما يؤكد طبيعة العلائق القومية وحالة الارتباط بين أقاليم المجتمعات العربية ودرجة تأثيرها في الثقافة العراقية السائدة وكل ذلك على حساب وضوح استقلالية النموذج الوطني العراقي؛  بسبب من قرب المرحلة من زمن ما زال يتحدث عن مشروع الدولة القومية  وامتداداتها فضلا عن تأثيرات الرؤى الفكرية والفلسفية للتجمعات السياسية الموجودة آنذاك…

WWW.SOMERIAN-SLATES.COM                                                       * حقوق النشر محفوظة للكاتب      

                               

...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *