المسرحية العراقية: شؤون وشجون [5]

سومريات

نصل في هذا القسم من دراسة المسرحية العراقية من جهة نصها الدرامي المكتوب او المنطوق إلى قراءة إجمالية للتجربة وتقويم عام فيها.. نسجل فيه ما لها وما عليها قبل أن ننتقل لقراءة تالية في مرحلة جديدة من حياة المسرحية العراقية..

إنَّ أكثر ما اهتم به نقادنا في تقويمهم للمسرحية عندنا بخاصة مسرحية النشأة هو موضوعاتها أو مضامينها فراحوا يعبرون عن الاختلاف في وجهات نظرهم مع مسرحية الأمس في أسلوب تناولها موضوعها وفي معالجاتها الفكرية غير الواقعية أو في (الروح الخطابي الفج) و ( التقديم المباشر للأفكار) و (حشو المساجلات السياسية والاجتماعية) وما شابه ذلك، وأصبح أمام قارئ هذه المعالجات النقدية أحد أمرين: أما أن يتفق مع هذه التوقعات والأحكام أو أنْ يبحث في ظل ظروف غير مهيأة للبحث سواء بضياع نصوص كثيرة  أم بصعوبة الوصول إلى ما تبقى من النصوص.. فضلا عن افتقار المرحلة إلى دراسات مساعدة تؤهل الوضع للبحث العلمي الدقيق.

وبما أننا استطعنا الوصول إلى نماذج من مسرحية النشأة كانت تعدّ في حكم المفقودة فقد أصبح لزاما علينا الكشف عن طبيعتها على وفق نظرة موضوعية وعلى أساس عدم إغفال العنصر الجوهري في القيم النقدية المستخدمة في التحليل وفي غايته، تلك الغاية التي تتجاوز المجال الفكري في الأعمال النقدية لتحلـِّل دراما الأمس بوصفها أعمالا أدبية فنية قبل كل شيء. من هذا المبدأ يمكن أنْ نخلص إلى بعض النتائج المتحصلة من قراءتنا هذه. وهي نتائج تتعلق بفنية الأعمال من جهة وبالتصورات التي أفدنا فيها من الدراسة نفسها:

  1. أما بصدد التصورات التي نخلص إليها فتكمن في أن هذه قراءتنا تعترف بوجود الساذج من الأعمال إلى جانب المتميز منها مع الالتفات إلى حقيقة أن جميع ما وُجِد بين أيدينا يمتلك أهميته ليس بوصفه كمّا مجردا ولكن لما يحتويه من أهمية تاريخية أولا ولِـما يقدمه من قيم جمالية وفنية تعبر عن المستوى العام لتلك المرحلة. وهو مستوى يجب أن نحدد معالمه بدقة كافية لأن المرحلة تمثل المنطلق التأسيسي والمقياس الضروري لتسجيل التطور اللاحق لأية دراسة جدية  لمسار تطور المسرحية العراقية. إذن فالأهمية تكمن في وضع هذا النتاج المسرحي في سلسلة التطور.
  1. تميزت مسرحية النشأة بتركيزها على (المشهد) أو (المنظر) من حيث الشكل الخارجي وإنْ اختلفت التسمية (أحيانا يُسمى المشهد فصلا كما حصل في “لطيف وخوشابا” … وهو أمر ناجم عن تخلف المعرفة الفنية…) ونقصد هنا تأثر المسرحية بالطريقة الفرنسية في بناء المشاهد. وقلّما كان المشهد يُبنى خارج هذه الطريقة التي يكون فيها دخول شخص من أشخاصها [شخصيات المسرحية] أو خروجه نهاية أحد المشاهد. بينما المعنى الذي يرى أنَّ المشهد يؤلف جزءا من الفصل عندما يُسدل الستار أو للدلالة على تغيير وضع ما أو مرور زمن أو كليهما معا… يبقى هذا المعنى مقصورا على الفصل من دون المشهد. لقد أدى التزام هذه الطريقة إلى حالة من الاضطراب في رسم الحركة وتخيل صورة تقديمها على (الخشبة\الركح) بما يجعلها أكثر انسجاما. وبهذا التصور يجد المرء نفسه أمام ضرورة حذف بعض المشاهد ودمج أخرى ببعضها وتقديم وتأخير أخريات، الأمر الذي يُعدّ ضرورة لإمكان عرض تلك المسرحيات. ومرة أخرى ألفتُ النظر إلى أن هذه الصورة ليست عامة شاملة أو مطلقة الوجود كما يبالغ في ذلك بعض النقاد.
  1. نجد في عدد من مسرحيات النشأة حالة (هجينة) من السرد القصصي والدراما؛ ومن التكثيف الغنائي على حساب التكثيف الدرامي؛ والحبكة الروائية على الحبكة الدرامية؛ ولكن، من حالة كهذه أمكن ولادة نمط درامي جديد يوظف خصائص الأعمال الأدبية وإنْ كان في ظروف متعددة قد جانبه التوفيق في هذا التوظيف، فظلت ظاهرة المسرحية الهجينة واضحة في مرحلة النشأة.
  1. سادت (الرومانسية) مسرحية النشأة بوصفها الاتجاه الغالب فيها، سواء من حيث المنطلقات الفكرية التي تعالجها أم من حيث طبيعة البنى الفنية؛ تلك البنى التي لم تكن – على الرغم من سيادة الرومانسية فيها – تخلو من تأثر باتجاهات أخرى أبرزها الواقعية الساذجة؛ ولم تكن هذه الرومانسية المشوبة بنمط من الواقعية إلا انعكاسا للقيم الفكرية والجمالية السائدة في الأدب بخاصة والفن بعامة، في هذه المرحلة. وقد تأكد في ضوء هذا الاتجاه – الرومانسية – دور الشخصية المتميز في بنية المسرحية، وتمَّ تأكيد صورة (الفرد) وليس (الفئة) أو (الطبقة) في تكوين الشخصية المسرحية ولهذا فلم نعثر على الشخصية الرمزية في إطار الصورة الفردية، ويمكن القول: إنَّ هذه الحالة أدت إلى الالتجاء إلى شكل فني محدد من دون غيره.. فمعالجة الآثار الاجتماعية وانعكاسات الوضع السياسي العام في (وحيدة) على  سبيل المثال جاء في مأساة اجتماعية إذ لم تتطلب المسرحية رموزا للفئات والاتجاهات وإلى تركيبة معقدة في خطتها الشخصية؛ وظلت في إطار حركة الأفراد وما يجابهونه في شكل (مأساة) وهو الشكل الأنسب في اعتقادي لمثل هذه المعالجة.
  1. أبرزت مسرحية النشأة شخصيتين في إطار الأنماط السائدة.. الأولى هي: (البطل القومي التاريخي) في إطار المسرحية التاريخية. ولم يتم في معظم الأحوال إجراء أيّ تحوير فيم تقديم هذه الشخصية دراميا؛ وهو ما انعكس سواء في بناء الشخصية بوصفها مفردة درامية أم في بنية المسرحية التاريخية وآلية تكوينها أو بنائها… أما الشخصية الثانية المتميزة فهي شخصية (المثقف المتنور ابن الطبقة المتوسطة). وأفضل مثال تناولته المسرحية هنا هو الطبيب. ولهذا الأمر ارتباطه بالواقع الاجتماعي المحيط من جهة وبتأثير القراءات الأجنبية من جهة أخرى..
  1. امتازت المسرحية في هذه المرحلة ( بكثرة عدد الشخوص) وكان هذا بسبب من التأثر ببنية الرواية ومن نتائج هذه الظاهرة مسألتان:

    أ. تساوي أهمية عدد كبير من الشخصيات في العمل الدرامي؛ ويذكرنا هذا ببنية الشخصية عند تشيخوف، الذي كان يهمه الأجواء أكثر من أيّ عنصر آخر، ولكننا لم نرصد في هذا التعدد والتساوي في الأهمية أثرا سلبيا (مباشرا) على بنية الشخصية وتطورها داخل العمل المسرحي.

   ب.  وجدنا أنَّ الشخصيات الثانوية قد انقسمت على نمطين الأول منهما تكون فيه الشخصية الثانوية موظفة في البنية الدرامية وفي تطويرها، أما الآخر فكانت الشخصية فيه كمالة عدد،  إلا أنَّ ظهور هذه الشخصية بعامة على الخشبة كان أكبر من قيمتها الحقيقية.

  1. كانت الشخصية وسماتها الخاصة هي التي تخلق الجو العام في العمل المسرحي، إلا أنَّ نشاطها الذي اكتسى بحلّة رومانسية – فضلا عن طبيعة المرحلة والظروف العامة – هو الذي خلق النهايات القاتمة والمأساوية.. وعلى الرغم من ذلك تبقى هذه الشخصية طموح ومتحركة لبناء عالمها الخاص.
  1. عنصر المفاجأة كان منطقبا في كثير من الأحوال؛ وإذا كان قد ساد هذا العنصر في مسرحية النشأة بصورة عامة فإنَّها لم تسرف على صعيد العمل الدرامي الواحد في توظيف عنصر المفاجأة هذا..
  2. في الوقت الذي كانت فيه النهايات تكشف عن تحطيم (ظاهري) للوضعية الأساسية، ونقول ظاهري لأنها تنصبّ على وضعية الشخصية، فإنَّها لم تكن تمسّ الوضعية البيئية المحيطة به وفي الغالب تبقى القوى المسيطرة على سيطرتها.. ويمكن أن نستنتج من ذلك ما يأتي:

أ.  إنها نهايات مغلقة(Closed end) إذ لا تترك المسرحية من دون حسم نهائي للأحداث ولمستقبل الشخصيات.

ب. إنَّ البنية الدرامية هنا هي بنية دائرية من حيث الخطة العامة أو الخلفية الفكرية والاجتماعية لأنها تعود إلى ما بدأت به، وهي بنية مفتوحة أو هرمية من حيث الخطة الشخصية، لأنها تنهي شخصياتها والأحداث كذلك.

  1. حافظت مسرحية النشأة على تناسق وحداتها على وفق مفاهيم درامية جديدة ولهذا فإنَّنا لا نجد التزاما منها بالوحدات الكلاسية المعروفة فالزمن فيها يمتد إلى سنوات طويلة، حتى يبدو لبعضهم أنه يفكك وحدتها وهذا غير صحيح.. لأن مسرحيةَ َ تعتمدُ الشخصيةَ وحدةَ بنائيةَ َ يمكنها أنْ تستوعب حركة زمنية أو مدى زمنيا واسعا؛ كذلك فمكان الحدث كان يجري بين البيوت والمحلات والضواحي وفي الشوارع والأزقة وفي المؤسسات والأندية، وبين المحافظات والبلدان غير أن ذلك كان محسوبا بشكل مناسب.

وجملة القول: إنَّ مسرحية النشأة كانت مسرحية رومانسية هجينة، استطاعت أن تعبر عن ظروف مرحلتها وعن أبطالها بصياغة فنية اعتمدت نمط المأساة الاجتماعية التي شابها في بعض الأحيان اختلاط بالميلودراما، تأثرا بالمسرحيتين العربية والغربية. وإذا كان صحيحا أنَّ كثيرا من هذه الأعمال قد جاء ساذجا أو بسيطا في بنيته أو فكرته أو كليهما فإنَّ من الصحيح أيضا أن هذه الأعمال امتلكت بعامة فضلا عن أهميتها التاريخية – بقدر تعلق الأمر بالتوثيق للمسرحية العراقية – أهمية فنية جمالية انطلاقا من كونها مرحلة التأسيس والتجربة الابتدائية للمراحل اللاحقة في مسيرة المسرحية العراقية.

وقد حاولنا هنا تبيان هذه الأهمية الجمالية (متجنبين هنا الإكثار من التفاصيل والأمثلة من أجل أكبر فائدة نظرية لدارسي الدراما وتحديدا العراقية) من دون أنْ يُعدّ ذلك مبالغة بشأن دراما النشأة؛ لأن التوسع في تحليل تلك الأعمال جاء بالقياس إلى معطياتها وقيمها الخاصة وإلى أهميتها في حلقات التطور الفني (عراقيا) وليس بالقياس إلى علو شأنها، وبصورة أدق قياسا إلى معيار تاريخي نسبي.

إنَّ هذه المحاولة تزعم لنفسها أنها توصلت إلى نتائج مغايرة لما توصلت إليه دراسات سبقتها وهو ما يحفز على مواصلة الكشف عن المرحلة التالية التي ستمتد من نهاية مرحلتنا هذه (والفاصل بين المرحلتين هو الحرب العالمية الثانية) وحتى نهاية الستينات..

* حقوق النشر محفوظة للكاتب                                                   WWW.SOMERIAN-SLATES.COM                                                         

...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *