ضرورات وموجبات ولادة الجمعية العربية لأساتذة الأدب الحديث

شرع عصر النهض العربي يتفتح عن أزاهير معرفية وفكرية متنوعة فكان له من بينها ذياك التعميد بمنطلقات إبداعية في مجال الأدب العربي الحديث مسجِّلا أهم عوامل التحريك في العقل العربي المعاصر. حيث كان التأثير مؤسَّسا على أهمية تغيير أساليب التعبير وصيغه وأشكاله بما جاء بأشكال التجديد الجمالي المحدثة وبالتأكيد لم يكن هذا مقبولا أو مستساغا لو لم يتضمن العمق الفكري الفلسفي الموائم للمتغيرات الاجتماعية العميقة في المجتمع العربي بعامة بمختلف بلدانه…

ولكن عملية الولادة والتحديث في الأدب العربي مثله مثل عديد الخطابات المعرفية والجمالية الأخرى لم يكن بالأمر السهل، ولم يظهر دفعة واحدة بل نما وتطور في خضم الصراعات بين تحنط بعض المتزمتين الملتزمين بشكلانية القديم وثباته جمودا وتكلسا بحسب رؤية هذا [البعض] وبين تطلع المنعتق من ربقة الجمود والخشية السلبية على القديم فاستبدل الأمر بتحديثه وتجديده بما صبَّ في النهاية في التعاطي مع مستجدات الحياة العامة والأدبية المخصوصة وبما أكَّد على المحافظة على التراث من خلال نظرة موضوعية مختلفة لا ترى هذا التراث الثر في جمود شكلاني ساذج…

ومن هنا انتصرت إرادة الحياة والديمومة لأدبنا العربي المتجدد الولود لتنوعه ولتعبيره عن طبيعة كل مرحلة من عصوره الزاهية إبداعا. وصرنا أمام مشهد ذهبي آخر لحداثة الأدب العربي منذ البارودي وشوقي وأولى بذور النمو ومرورا بعبدالصبور والسياب والبياتي وبالجواهري والجبل وليس انتهاء بكتّاب من مثل الخالدين بكلمهم الطيب كما في راحلنا بالأمس القريب محمود درويش وقصيدته المنثورة التي طرزت مضامين سامقة رائعة في حديث الانتاج باللغة العربية وآدابها…

وصار اليوم الدرس الأدبي العربي الحديث واحدا من أبرز الدروس الجامعية وأهم الدراسات البحثية المعرفية في المعاهد والمراكز والجامعات في مختلف البلدان العربية بل وفي عدد جد كبير من الجامعات الأوروبية والعالمية.. ويكفي الإشارة هنا إلى الدور المهم لأدب المهجر ومساهمة شعراء المهجر وأدبائه في مسيرة الإبداع العالمي ودور الأدب العربي الحديث في الآداب الإنسانية ومقدار الترجمات التي نطقت بالأمر وعبرت عنه وأشير هنا لنوبل محفوظ ولترشيحات كثيرة مماثلة لأخذ مكانها ومكانتها بين أعلام الانتاج الإبداعي العالمي..

ومن كل هذا التراكم صرنا أمام مشهد كبير في حجمه العددي، مهم ومميز في حجمه النوعي ودوره في مجال النظر إلى أساتذة الأدب العربي الحديث في الجامعات ومعاهد الدراسات العليا ويمكننا أن نقول باطمئنان إلى وجود مئات بل ألوف من الأساتذة المختصين بالأدب العربي الحديث سواء من العاملين اليوم بالجامعات أم من غير الحاصلين على فرصة عمل لهذا السبب أو ذاك.. وهؤلاء بكل مكانتهم وأهمية أدوارهم العلمية المعرفية والأدبية الاجتماعية ما زالوا حتى يومنا بلا هيأة قومية تُعنى بمتابعة درجاتهم العلمية وتطور مستوياتهم ورعاية مصالحهم ومنها مسائل تتعلق بتوفير فرص العمل أو رعاية بحوثهم ونشرها وتعميد منجزاتهم وتداول رؤاهم فيما بينهم داخليا وبينهم وبين الجهات النظيرة عالميا…

لقد حان الوقت لتأسيس الجمعية العربية لأساتذة الأدب الحديث والانطلاق بمهامها الأكاديمية والمهنية والمعرفية  مثلما هي الحال مع عديد من التخصصات العلمية التي تمتلك جمعياتها الأكاديمية على المستويات الوطنية والقومية وهي جمعيات ذات أهمية أكاديمية علمية كونها تُعنى بتطوير الأكاديمي ودراساته وبحوثه وتسجيل منجزه ومنحه اللقب العلمي بعضويتها التي تؤكد الدرجة العلمية التي يحملها في ضوء بحوثه وسياقات العمل الجامعي المتعارف عليها.. وسيكون من دواعي الدفع إلى الأمام والارتقاء بالجهود العلمية في تعزيز العناية المنتظرة والتطور المؤمل للاهتمام بالأدب العربي الحديث والدراسات العلمية الفاعلة في مجالات علوم اللغة العربية وآدابها، أنْ تتشكل هيأة أو جمعية على المستويين الوطني والقومي تضم أساتذة الأدب العربي الحديث الذين يمتلكون التأثير النوعي الكبير المميز كونهم يمثلون خطابا علميا مجدِّدا حداثويا في تناول قسم مهم من أقسام أدبنا العربي من جهة ومفردات حياتنا المعاصرة من جهة أخرى…

لذا أضع مقترحي هذا هنا بين أيدي الزميلات والزملاء المتخصصين في مجال الأدب العربي الحديث من العاملين في الجامعات العربية تحديدا في أقسام علوم اللغة العربية وآدابها لكي تتشكل لجنة تحضيرية ترسم خطة مناسبة للدعوة لمؤتمر عام يجمع المتخصصين ويعلن عن إنشاء هذه الهيأة الأكاديمية على المستوى العربي عامة للنهوض بمهمة تفعيل قيام مؤسسات أكاديمية على المستوى الوطني أو فروع أو أعضاء ارتباط بحسب الحالات المتاحة في كل بلد عربي من جهة توافر الاختصاص..

وسيكون على اللجنة التحضيرية أن تضع النظام التأسيسي للجمعية [وقد قمتُ شخصيا بصياغة مقترح له ويمكن أن أرسل المقترح لكل زميلة أو زميل أو جهة تطلبه لمزيد من الإغناء والتطوير وللاتفاق النهائي على صيغته الأخيرة الثابتة] فضلا عن أية أوراق عمل أخرى.. على أن مثل هذا المشروع بحاجة لرعاية جدية مسؤولة من اتحاد الجامعات العربية وأمانة الجامعة العربية نفسها ومن أقسام علوم اللغة العربية في الجامعات العربية العريقة لما لهذا التوجه من تأسيس لتفعيل ميادين العمل الأكاديمي في تخصصات أخرى مثلما سيثمر هذا التوجه في ميدان الأدب العربي الحديث فعلا تحديثيا تجديديا في الاهتمام بمفردة من مفردات مؤمل تفعيلها بشأن علوم اللغة العربية وآدابها بصورة عامة… وهذا أمر مهم من جهة النظر إلى أهمية دور اللغة العربية في التنمية المنتظرة عربيا…

وعمليا سيكون أمر التوجه العملي لتنفيذ هذا المشروع بين مدارين عمليين:- أولهما بفعل تجمع عدد من الأساتذة الاختصاص والعمل الطوعي على إنضاج مشروع متكامل في ضوء الصيغة المقترحة ليُقدَّم لجهة رسمية ترعاه لاحقا لتفعيله وثانيهما يتمثل بتكليف المؤسسات الأكاديمية أو مؤسسات الجامعة العربية المختصة أساتذة متخصصين ليشرعوا في الإعداد المناسب.. وثقتي أنني شخصيا سأتلقى تفاعلا إيجابيا مهما من الزميلات والزملاء ومن الجهات المسؤولة للتصدي لهذه المهمة واستكمالها على خير وجه تفعيلا لكل دراسة موضوعية تخدم تفعيل دور لغتنا العربية في تنمية واقعنا وتحريكه في مجمل الصورة النهائية المستهدفة.

هذه الكلمة موجهة لكل زميلة وزميل في تخصص الأدب العربي الحديث لكي يتقدم برؤيته بالخصوص في سقف زمني مناسب.

وهذه الكلمة موجهة لكل مسؤول في قسم مختص (قسم علوم اللغة العربية وآدابها) وفي جامعة عربية ويرى أن من واجبه دعم كل ما يصب في تفعيل دور لغتنا العربية في التنمية وإشادة صروح التقدم …

وهذه الكلمة بالتأكيد موجهة لرئاسة اتحاد الجامعات العربية وعبره إلى الأمانة العامة للجامعة العربية لتبني مشروع الجمعيات الأكاديمية التخصصية  على المستويين القومي والوطني العربي بما يعود مردوده باتجاه خدمة اللغة العربية ودورها التنموي… وإذا كانت الورقة قد تقدمت بمقترح محدد لتخصص الأدب العربي الحديث بالتجاور مع ورقة أخرى بمشروعها لجمعية أساتذة الأدب المسرحي فلكي لا تبقى الأمور مجرد رؤية عامة بغير مفردة عملية تفيد في إطلاق المشروعات التالية… كأن يكون المؤتمر عاما يحتضن ورشا عملية لولادة الجمعيات الأكاديمية المقترحة في عدد من التخصصات في إطار علوم اللغة العربية وآدابها مثلما هذين المشروعين…

...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *