المرأة بين الثقافة السائدة وقراءة بعض أعمال الدراما العربية

المحددات القيمية للإنسان البدائي في المجتمع البشري القديم لم تكن هي ذاتها كما في مرحلة المتغيرات التي ظهر في ضوئها المجتمع الذكوري وثقافته وما نجم عن ذلك من حالات تمييز ومصادرة حقوق واستلاب وجود.. ومع ذلك فليس من أحد مَن يتحدث عن العودة إلى مرحلة ما قبل التاريخ البشري عندما كانت تجري الأمور بمقلوب حالها اليوم…؟

المطلوب اليوم، يكمن في قراءة عادلة تعيد التوازن للحياة البشرية وتوقف مسلسل الاستلاب والمصادرة وحالات التمييز والقهر التي يمارسها المجتمع بحق المرأة. فمذ أول ولادتها يكفهر وجه (الأب) من كون الوليد (ة) أنثى أو يشعر بثقل ما جاءه من مسؤولية.. وفي مراحل لاحقة متتابعة من عمرها تصادف الطفلة فالفتاة والشابة فالمرأة أشكالا لها أول وليس لها آخر من الاستغلال…
الأم يمكن أن يتحكم بها ابنها الذي بالكاد بلغ العاشرة من العمر، والأخت يتحكم بها أخوتها الأصغر مثلما الأكبر منها. والزوجة تابعة قابعة تنتظر ولي النعمنة وقراره.. وحتى ابنة العشيرة عندما تفقد (وليها) يظهر لها ولي من أقربائها.. المهم أن تكون تحت جناح رجل وفي ظل رعايته وولايته عليها…
المرأة مهضومة الحقوق منذ أن تُمنح اسمها، فهي أما تازي وكافي وبسهن وكل ما يراد فيه معنى تمني أن تكون الأخيرة ليأتي الولد الذكر أو أنها مجرد ريحانة وردة وما دل على جماليات سطحية للمتعة فقط لا غير وحتى عندما يُراد تحسين التسمية فهي علاهن وتسواهن أي بالمقارنة مع جنسها الأنثوي لا تتعداه..
وفي المدرسة الابتدائية يعلمونهن الخياطة والتطريز والطبخ والأعمال الخدمية والمنزلية فقط لا غير.. بخلاف تعليم الأولاد الذكور من فنون وأشكال ألعاب رياضية وغيرها. وفي البيت يُنادى على الفتاة للخدمة وهي الكبرى بين أخوتها فعليها أن تتعلم التربية والأعمال منزلية الخدمية مبكرا…
عندما يتطلب الأمر فالفتى هو من يتهيأ له أن يخرج للعمل فيما هي التي يُفرض عليها أن تترك المدرسة والتعليم أولا.. والضغوط النفسية التي تتعرض لها عائليا بسبب من أشكال التمييز سترافقها بنتائجها حتى إلى بيتها وهي (المفروض) سيدة بيتها بعد الزواج..
وفي العلاقة بين الذكر والأنثى تبقى الفوقية والاستعلائية واضحة بيِّن الطرفين كما تبقى السطوة والأمر والنهي والأسبقية للذكور على حساب الإناث.. والعلاقة بينهما وفي سجل المبادرة والأولوية والشروع بفعل يجري تثبيت الإيجاب للذكر والسلب للأنثى.. وتتأكد الإيجابية الذكورية والسلبية الأنثوية في طول العلاقة بينهما وعرضها..
وستخلق هذه السمة جوهرين إنسانيين مختلفين أحدهما يقع في دائرة القدح والشرارة التي تطلق الفعل وله الحصاد في ضوء شرارته تلك فيما الطرف الآخر وهو في ثقافتنا السائدة بالتأكيد (الأنثى) يقع على هذا الطرف أي على الأنثى الفعل بثقيله وصعبه ومعقده وليس له من ثمار جهده سوى ما سيرمي به مالك المنتج وقرار تقسيمه وتوزيعه واستثماره…
ولن تختلف القوانين ولا العادات والتقاليد البالية عن تفاصيل ذكرناها هنا فهي مصاغة بذكورية التوجه والإرادة ومن ثم لن تكون سوى توكيدا لفلسفة هذي الثقافة السلبية المرضية…
هذه الثقافة تتبدى في الدراما العربية بآليات كثيرة وصور أكثر مثلما تتبدى في التربية وقيمها السلوكية السائدة عندنا. صرنا اليوم لا نتابع سوى عروض اللحم الحي أو تجارة الجمال والجنس أو الرقيق بمعنى آخر. والمرأة طفلة أو فتاة أو سيدة هي في الأغلب الأعم النموذج الساقط والحية التي تغوي الرجل وتلبي المطالب الحيوانية أو الرغبات الداعرة ليس إلا..
وتسود هذه (المعالجات) حيث نتابع الشاذ بوصفه القاعدة فيما يندر لنا أن نصادف نموذجا إيجابيا للمعالجة الدرامية فتصير وكأن الأساس القيمي السليم لا يمثل النادر حسب بل الحال الشاذة..!؟ وتنقلب الأمور…
والمشكلة لا تنتهي عند استباحة حقوق المرأة وإهانتها فهذه الفلسفة في الحقيقة تستهين بالرجل وثقافته وقيمه وتجعل منه مجرد وحش آدمي لا يوجد في ذهنه سوى ازدراء القيم الإيجابية والإمعان في ممارسة حاجات غرائز حيوانية لا يكبحها سوى اغتصاب طفلة أو اعتداء على فتاة أو التهام حق سيدة…
وتصبح اللذة الوحشية مرضية مازوخية تتمتع بتعذيب الفريسة.. وتلك صورة الإنسان الشرير المسمى رجلا أو ذكرا. وهكذا فكل ذكر أما أن يكون فحلا همجيا أو لا وجود له في قراءة ثقافية إبداعية وتحديدا في أغلب أعمال الدراما العربية..
ويؤكد هذا سوق الفلم العربي والمسلسل العربي والتمثيلية العربية والمسرحية العربية (في كثير منها وليس بالمطلق لوجود أعمال جدية مهمة وعلامات ذات أثر مهم وكبير…
وطبعا وبالتأكيد فــ سوق الأغنية العربية هو أسوأ في قيم الانحطاط حتى أن الشاعر أو كاتب الكلمات يخجل من إيراد كلمة فيُجري الملحن معالجته لتقديم الكلمة بإيحاءات صوتية بعينها ويُجري المخرج معالجته ليقدم لنا قصة بصرية بائسة رخيصة لا علاقة لها بكلمات الأغنية ولا بأداءاتها ولا تخرج عن بضع لقطات أو مشاهد (لأنثى) تتلوى على فراش أحمر وثير بانتظار (الفارس) الأغبر…
وبحجة الجرأة والشجاعة يقدمون لنا الحالات الشاذة بتفاصيل ليس المتلقي بحاجة لها إذا ما كان القصد تقديم معالجة للحالة بقصد فضحها وإدانتها والانتهاء منها.. ولكنك تجد التركيز يجري على عرض الخطيئة بفعلها المباشر وتكرار ذلك تطبيعا لوجودها وتطويعا لاستسلام الرافضين في التعاطي مع هذا الوجود…
ويتابع المشاهد العربي اليوم وسيلة جديدة من تلك التي تعزز حال التطبيع بطريقة المعايشة اليومية التي تدخل بيوتنا وتفاصيل حيواتنا ولحظاتها الأكثر استرخاء.. إذ يتم إنتاج مسلسل بمئات الحلقات وعلى مدار سنة أو أكثر يعايش المرء (من جميع أفراد العائلة) شخصية تتحرك وتحيا معه يوميا ويجري طوال عشرات من الحلقات الأولى تقديم الشخصية بوصفها شخصية محببة إنسانية قريبة من النفس تستحق المناصرة والوقوف معها وبعد تحقيق هذا الهدف يدخلون الشخصية الدرامية، وعادة ما تكون فتاة جميلة، في مآزق وأفعال سلوكية وضيعة أو رديئة من الرذائل الأخلاقية أو الأفعال التي تتعارض والقيم الإيجابية للإنسان السوي..
وتتم فبركة ممارسة الأخطاء وتبريرها بطرق ملتوية وتضليلية كيما يجري الحفاظ على التعاطف مع الشخصية المحبوبة والقبول بما فعلته من سلوك مشين والتعايش معه واستسهال حصوله في الحياة العامة والخاصة. وأكثر ما نجد تمرير هذه الآلية عبر المسلسلات المدبلجة المكسيكية وهذه الأيام عبر مسلسلات تركية وعدد من مسلسلات سورية ومصرية…
إذن نحن بمجابهة مع أشكال وصيغ تتمظهر ليس في صيغة معالجة بل في صيغة معايشة لتطبيع يسهـِّل القبول بتمرير الجرائم الأخلاقية التي تستبيح لا المرأة وحدها بل والرجل أيضا؛ كونها في وقت تقدم المرأة المغرية الوديعة تقدم معها الرجل الوحش الذكوري الذي لا يعنيه ولا يفكر بأبعد من فحولته وهو ليس مسؤولا عن أي نتيجة فالمسؤول هي تلك المرأة التي أوقعته في حبائلها(بإغواءاتها)..
وهكذا فإننا بمجابهة ومعايشة فعلية وبالتفصيل الممل مع امرأة سلبية ورجل مثلها سلبي، إنه المجتمع السلبي الذي يجب أن نقبل به لأنه النموذج الواقعي كما تقول لنا تلك المسلسلات بأشكال مباشرة وأخرى غير مباشرة..
أمثلة مكرورة شكلا ومضمونا بقصد تعزيز حال المعايشة المفروضة على المتلقي السلبي وهو المتلقي الأكبر نسبة بين جمهور التفاعل مع التلفزة ومنتجها وسيعرف القارئ الكريم كثيرا من تلك الأمثلة بأسماء مسلسلاتها ومن هذه الأمثلة:
1. فتاة (بمقاييس جمالية مختارة) تقع في غرام زوج أختها أو زوج صديقتها وتغويه…
2. وفتى يقع في غرام أخت زوجته أو صديقتها على أن ذلك عادة ما يُرفق بدور (لها) أو لا يخلو من هذا الدور..
3. علاقات تثمر بنينا وبنات خارج إطار الزوجية والطرف المذنب في الأمر غالبا ما يكون الفتاة وعادة ما يجري التبرير للفتى وتمرير فعلته من دون أي محاسبة..
4. علاقات سابقة تتجدد في لقاءات بعد فراق مفتعل وأطرافها لهم عوائل سعيدة مستقرة ومع ذلك يعيدون ممارسة تلك العلاقات القديمة وارتكاب (المخادعات) أو (الخيانات) في كنف زواجاتهم المستقرة طوال سنوات وعقود وكالعادة تكون المرأة هي المبادرة لإغواء الرجل (المسكين) الذي يتمنع ويمتنع لولا ضغوط طبعا يمكن ملاحظة الافتعال وما يراد تمريره بقصد أو بغيره ومن بعض التبريرات أنه تحمل طوال تلك السنوات زواجا مفروضا عليه أو زوجة ثقيلة الدم أو ما شابه من توصيفات..
5. الزوجة الثانية والثالثة والرابعة وعلاقات ما ملكت أيمانكم ولكن القضية محكومة بفوائد يقدمها الرجل للمرأة وحِكم ومعالجات وحلول أما (هي) فهي الضرة الخبيثة والمخطِّطة المتآمرة على صاحبتها ومحيطها…
6. زواجات العرفي والمسيار والمسفار والفريند والمصباع والمسياق والمهراب والمحجاج والمطيار والمصياف والمتعة وتبريراتها وتداخلاتها في الحياة الأسرية العادية وتسبيبها بمنع الرذيلة وتُقدم على أنها إنقاذ لأفعال المرأة وهي ليست سوى ممارسات تشرعن أفعال الرجال الذكورية..
7. تبريرات للاعتداءات الجنسية داخل العوائل والقرابة والصداقة والجيرة وفي مجال الدراسة ويجري تحميل البنات الفتيات نتائج تلك الفعال…
8. حياة (وعلاقات) الخادمات وعاملات البيوت والسكرتيرات وفي مجالات العمل المختلفة وبالتأكيد أدوارهن الإغوائية…
9. حيوات الأسر والعائلات من الطبقتين المتوسطة والأرستقراطية واستمرار الطبيعة العرجاء للأنثى تلك التي توقع دائما بالنبلاء وذوي الأنفس السامية، على وفق تصوير المعالجات الدرامية..
10. حركة الحياة محكومة بمؤامرات تحوكها النساء أو تُستخدم فيها الأنثى كما في دراما الجاسوسية والجريمة والرومانسية وغيرها…
الملخص المفيد يتمثل في توجيه الأمور وطبعها بثقافة سلبية تختزل الأمور في إشكالية محدودة واحدة وهي ثقافة بقيم لا تدين المرأة لوحدها بل والرجل ومن ثم المجتمع حيث تضع الجميع في قبضة قيم سلبية وعلاقات مرضية لمجرد (تمرير فلسفة ذكورية) جوهرها التمييز المرضي. والأمر لا يقف عند تدني أجور المرأة تجاه الرجل في ذات الأعمال والمنتج ولا في تدني مكانتها أو موقعها أو تكبيلها بقيود دائمة فهي لا تكتفي بهذا بل تلغي وجود المرأة الإنساني وتحيلها لأداة أو شيء من أشياء الرجل المتخلف ومفردة من مفردات ملكيته وبهذا يتجمد العقل ويأخذ سياقات عمل متدنية متخلفة تشمل المجتمع بأكمله..
لنقل لا…. ولنتحرك في دراسات نقدية ليس للأدب والفن ولكن لمجمل الفلسفة التي يقوم عليها الحراك الاجتماعي المستند لأنثوية دنيا وذكورية عليا… وليكن بديلنا الموضوعي في احترام إنسانية الإنسان امرأة أم رجلا بالتساوي وبلا تمييز…
وللمعالجة بقية عند توافر التفاعلات من القارئ الكريم.

...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *