الفنانة فريدة: بدر الأمسية الأولى في أسبوع الموسيقا العربية بهولندا

في إطار أسبوع الموسيقا العربية الذي تنظمه مؤسسة KLEUR IN CULTUUR أحيت الفنانة العراقية فريدة محمد علي ليلة مميزة احتشد لها جمهور غفير من متذوقي فنون الإبداع الغناسيقي العربي من الهولنديين ومن جمهور الجاليات العربية والشرقية المقيمة في هولندا.

في البدء كان للمؤسسة المنظمة محاضرة موجزة للتعريف بفن المقام العراقي وبألوان من الغناء العراقي.. وطبعا أوضح المحاضر التركيبة الفنية للمقام وجانبا من تاريخه.. مشيرا إلى كونه وليد قرون ممتدة خلت في الحواضر العراقية تحديدا كون هذا الفن ابن المدينة العراقية الزاهية بألوان إبداعها الغناسيقي مذ انتقل أبرز مبدعيها باتجاه الأندلس حاملين معهم جماليات ما أبدعوا؛ مؤثرين في المحيط الأوسع لفنون الموسيقا والغناء… كما أشار إلى معاني مصطلحات التحرير والأوصال والميانات والتسليم في إطار البنية الفنية للمقام مجيبا عن عدد من الأسئلة حول إمكان خلق التفاعل المناسب بين المتلقي المعاصر ومنه الجمهور الغربي الأوروبي وهذا الفن واجتياز حالتي فهم الكلمة المغناة والتآلف مع نمط الأداء مشيرا هنا لاحتشاد تأثير فعل الشحن العاطفي والتعبير الروحي وجماليات هذي الهوية المرتكزة في عالميتها إلى خصوصيتها ومحليتها بتفاصيل دقيقة. ونحن نمعن هنا في المتابعة هذه تأشيرا للبعدج الثقافي العميق لمثل هذه الاحتفاليات وعمقها في تكوين الذاكرة الإنسانية بجماليات الذائقة مترافقة مع القيم الاجتماعية وأشكال تناولها فنيا بالتحديد…

الفنان محمد حسين كمر قائد الفرقة الموسيقية المرافقة (التي تعنى وتهتم بالمقام العراقي أولا) هو الذي يرسم  عادة برامج العمل بالتفاعل مع الفنانة فريدة، قدم لنا برامج عديدة في حفلات كبيرة سابقة كانت قد سجلت لنا إحياء تراث غنائي عراقي مهم بين نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.. في هذه الاحتفالية الكبيرة (بمدينة فينندال بخلدرلاند وسط هولندا) اتجه لتقديم برنامج من سجل الأغنية العراقية في عصرها الذهبي للنصف الثاني من القرن العشرين.. ومعروف كم هو دور الأغنية العراقية في الأغنية العربية آنذاك.. وكيف كان نجوم الأغنية يبدعون موسيقاهم التي جمعت بين جذور ألوان الغناء العراقي التاريخية البعيدة وحاضرها المبدع المشرق.

في البرنامج، جرى انتقاء أغنيات لفنانات عراقيات كانت ولادتهن الفنية بدأت نهاية النصف الأول من القرن الماضي فيما صعد نجمهن في خمسينات وستينات القرن. فـ زهور حسين (1924-1964) هي تلك الفنانة التي عرفناها المبدعة في لوني غناء الريف والمدينة معا وهي التي اشتهرت بمقام دشت وهنا جاء اختيار أغنية (وين ابن الحلال*). وعفيفة اسكندر (1927-) هي الحية بأغانيها (المدينية) حتى يومنا وهنا كان اختيار أغنية (جوز منهم*).. ولكن في اختيار أغاني من هاتين الفنانتين لم يكن سهلا وعاديا بسبب من غنى ما لديهما من إبداع ومن هوية وطابع خاص بهما مثلما هو مميز بهويته العراقية وتأثيراته على محيطه وفحوى ذاك التاريخ والمسيرة التي تفاعلت ليس بالجماليات الغناسيقية حسب بل بالأبعاد الاجتماعية السياسية أيضا، ولا نبخس الخيارات الأخرى مكانها ومكانتها بقدر تعلق الأمر بما اختاراه لبرنامجهما من أغاني وحيدة خليل واختيار تراثي محدد بـ (سبحان الجمعنا بغير ميعاد) ولميعة توفيق وتحديدا هنا  مقام  لامي في أغنية (هذا الحلو جاتلني ياعمة) ولنلاحظ هنا الإحالة إلى أيام العز والرفاه ومن ثم الغنج واستدعاء الأحاسيس المرهفة للعلاقات الاجتماعية الأجمل في حركتها إنسانيا بشفيف المشاعر وهو الخيار الذكي الذي دعَّمه الفنان (كمر) بفواصل موسيقية مهمة كما في موسيقا أم العيون السود من تراث العظيم ناظم الغزالي وكما في خيار المربعات (الخفيفة) بنقدها غير المباشر وتناولها موضوعات اجتماعية بطريقة تثير الحبور وتمنح الومضات و\أو العظات المفيدة…

وبعد ذلكم؛ ماذا جاءت به حفلة فريدة (بدر) أمسية الافتتاح لأسبوع الموسيقا العربية في هولندا ببرنامجها المختار؟ ينبغي هنا قبيل الإجابة، أن نقرأ حجم التأثير بدءا من تفاعل جمهور التلقي ودرجة انجذابه وانفعاله بما قُدِّم له.. وهو المؤشر الأول المهم حيث انسجمت أكف الجمهور الأوروبي مع إيقاعات الأغنية والأداء الذي سطا على القاعة بإحساس مرهف فلوَّن أجواءها بموسيقا قد تكون من بين أولى البرامج التي تزور هذا الجمهور المدرك لمعنى حضور حفل شرقي بكل المعاني..

ولمن حضر ومن سيستمع للحفلة سيجد كيف تحركت القاعة بأكف جمهورها مع انسيابية إيقاعات القلوب المنجذبة إلى الصوت المعبر لفنانتنا الكبيرة ولأداء الفرقة الموسيقية.. فأما الموسيقا فقد كانت رسائل السنطور والقانون والناي بارزة أرهف الجمهور إصغاءَ َ إليها فصفق طويلا لتقاسيم موسيقية مبدعة أشارت لاحترافية وتميز إبداعي لكل فنان منهم. وكان للإيقاعات بألوان من مدن العراق وأداءاتها تأثيرها؛ فيما لابد من الإشادة بأنامل المبدع محمد كمر وقيادته الفرقة (وقد عزف هنا على الكمان) بما يليق وكبار الموسيقيين.. ولابد هنا أن نسجل له جماليات عمله الخاص في أغنية  (عليش تغيب*) وهي من ألحانه بكل مفرداتها التي سجلت علامة مميزة عراقيا بخاصة وهي الفائزة بجائزة مهمة في منتصف الثمانينات..

وبالعودة إلى قامة المقام الأولى السيدة فريدة سنسجل في إجابتنا عن سؤالنا حجم إضافتها ونوعها.. فقد أثبت مجددا حجم إبداعها ومكانها ومكانتها الفنية عندما أدت أغنيات مميزة بمفردات كبيرات الأغنية العراقية بـ (لمساتها الخاصة) مضفية من حنجرتها ومن أسلوبها الغنائي ما يمكن أن يقول: إن الأغنية العراقية ما زالت في موئل وجودها وقدرات عطائها وإمكانات التجديد فيها بما يبقي تأثيرها في محيطها وما يجعلها حية مستمرة لتعيد العلاقة بين الجمهور وفن الغناء العراقي لاعبا دوره الاجتماعي السياسي الجديد..

بمعنى أن ينهض بمهمة إزالة حالات الاحباط والملل والألم وتسريع زمن لملمة الجراح وكفكفة المآقي من أوصاب الزمن الذي يخرج للتو منه مجتمعنا في الوطن والمهجر.. كما يعيد مساحة الفرح كبيرة بالضد من منافذ الوجع. ولعل وجودا مميزا إبداعيا هو وحده الكفيل بتوفير وسائل الجذب الحقيقية فذاكرة جمهورنا حية ذكية وثرية ولا يمكن أن يحظى بشهادتها إلا  الصوت الأبهى كما صدحت به المبدعة السيدة فريدة مشيرة إلى موازنة في اهتمامها بين شكل الأغنية ومضمونها وفي اللعب بالأحرف ومخارجها وتلاوينها ويمكن متابعة الأداء بحركية ومسار لحني لعلاقات سلمية متماسكة تمنحك أثر نقلاتها الفنية الأخاذة في إطار تجديد أدائي لحني مع المحافظة على حالة الجو العراقي المحلي الريفي والمديني، القديم والمعاصر أو التراثي المحلى الموشى بالحديث الذي لا يتوسد على الكلاسي ولحظته التاريخية الخاصة بل المنفتح على جديد الأغنيةي المستجيبة للذائقة الحاضرة على أساس تفكير الفنانة فريدة في اثناء أدائها بلحظة التلقي والعلاقة مع القاعة وجمهورها كحصيلة نهائية للحفل جماليا ثقافيا.. وأترك التفصيل هنا للمتخصصين للتعليق النقدي على تلك الإضافات الفنية المخصوصة لأُبْحرَ في المعطيات الدلالية لنجاح مميز للأمسية الألمع..

وأذكـّر هنا بأن اختيار برنامج من التراث القريب للأغنية العراقية له أبعد من مدلولات الاختيار الموسيقي الأدائي المحدد بأمر جمالي غناسيقي، فهو يحمل دلالات استعادة الزمن الجميل بمعاني الرخاء والرفاه ومعطيات الفن وآثاره الاجتماعية يوم لم تكن الأماسي الليلية إلا الملتقى الاجتماعي الراقي الذي يسمو بمفردات برامجه ومعانيها وخطابها النبيل.. ونحن نمتاح عبر خيار (كمر وفريدة) برنامجهما من هذا التراث الحي بما يعيد توكيد الثقة بأننا منتجون وما زال بيننا مبدعون يحملون قيم الإبداع والثقافة الجمالية والاجتماعية الباسقة كنخيل الوطن وتحدياته لعوامل الزمن..

جماليات التقيناها بالأمس جمعت الريفي بالمديني،  وأفردت للأغنية الكلاسية موضعها ولإيقاعات البصرة وبغداد مكانيهما، فاشتركت أكف الجمهور بـ بصريِّ الإيقاع وتثنَّت الأذرع مع مربعات بغدادية ووصلات من (قفشات) السهرات الجميلة والليالي البهية لعراق الأمس بعراقيي اليوم وجمهور الفن المهجري والغربي. وبين ألوان الأغنية العراقية المتنوعة بحسب اللحن مرة وبحسب المدينة مرة أخرى وبين ألوان الأداءات عاليها وبطيئها وسريعها وبين الإيقاعات الشعبية وكلاسيات أوركسترالية، تنقلـْنا على أمل لقاءات متجددة مع الفن العراقي ومع بدر الأغنية وسيدة المقام المبدعة المتألقة فريدة، ومع خيارات هذي الفرقة التي تجمع الجالغي البغدادي التقليدي والفرقة الموسيقية الحديثة وبنيتيهمنا وأداءهما.

هذه كانت سهرة أخرى جديدة متجددة للأغنية العراقية في المهجر ورسالتها باسم مبدعيها وباسم الجالية لأهلنا في الوطن ولعلاقاتنا مع المجتمع الإنساني نعطي فيه تألقا وصناعة للجمال ولمعانيه الدلالية السامية النبيلة. فتحية للسيدة فريدة وللسيد محمد كمر ولعازف السنطور الأول وسام أيوب ولعازفي القانون الفنان جميل الأسدي  والناي الفنان عدنان شنان ولعازفي الرق المبدع عبداللطيف العبيدي والطبلة  أنمار العوفي والطار إيهاب العزاوي وهم بمجموعهم يكونون أعضاء الفرقة الأجمل تراثيا وحداثيا…

برنامج حفل  فينندال

سيدة المقام العراقي فريدة

بقيادة الفنان

محمد حسين كمر   آلة الكمان

والفرقة الموسيقية

وسام العزاوي            سنطور

جميل الأسدي              قانون

عدنان شنان                  ناي

عبد اللطيف العبيدي         رق

أنمار العوفي               طبلة

إيهاب العزاوي              طار

 

البرنامج

 

1- موسيقا  دشت وين ابن الحلال من تراث زهور حسين ومن ألحان عباس جميل وكلمات عبد الكريم العلاف

سبحان الجمعنا بغير ميعاد غناء — من تراث  وحيدة خليل    

موسيقا  أم العيون السود — من تراث  ناظم الغزالي

****************

  1. عليش تغيب عني  من ألحان وتوزيع  محمد حسين كمر  وكلملت  محمد المحاويلي

أغنية مجرد   كلام   من تراث   رياض  أحمد    وألحان جعفر الخفاف  وكلمات طاهر سلمان

**********************

3- أغنية جوز  منهم  من تراث   عفيفة أسكندر     ألحان وكلمات  خزعل مهدي

***********************************

4- عالشوملي  من  تراث  القديم   الأعداد الموسيقي   محمد حسين كمر

*********************

مقام  لامي   وأغنية هذا الحلو كاتلني يا عمة  من تراث   لميعة توفيق   ألحان  محمد نوشي

**********************

6- دلل لول يالولد يبني موسيقى  الخشابة

ويل   قلبي  شهل المصيبة  من التراث القديم   الأعداد  الموسيقي محمد حسين كمر

*************************

المربعات 7.  يمة انباك رجلي   + خدري الجاي  خدري    سودة علية  الماخذت حياوي

تم النشر تحت عنوان تعليق: ألواح سومرية معاصرة

تصوير ومتابعة: صوت العراق كما نُشرت في صحف أخرى منها على سبيل المثال المؤتمر

...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *