الحكومة الاتحادية: فلسفة التغيير بين الإجراء الجوهري الحاسم والخطى التكتيكية المتخبطة

 

أوردَت الأنباءُ جملةً من الأحداثِ والوقائع في الشأنِ العراقي؛ لعلّ أبرزها، هو انخفاضُ صادراتِ نفط المحافظاتِ العراقية الجنوبية عن معدلاتِهِ المستهدفة هذا الشهر. فلقد تلكأ التصديرُ في ظل ظروفِ طقسٍ سيء، يُتوقعُ أنْ يمنعَ البلدَ، وهو ثاني أكبر منتج في منظمة أوبك، من تحقيق هدفِهِ بشحن الحجم المقرر هذا الشهر. وبلغ المصدَّر في شباط أقل من مليونين برميل يومياً بينما كان المخطط بلوغه قياسياً هو 3.3 مليون برميل يومياً. يجري هذا في وقت تعاني البلادُ من ظواهر تنامي نسب البطالة وتفاقم ظاهرة الفقر ببعديها الأفقي العمودي مع حالات تأخر صرف الرواتب لعدد من المؤسسات والمحافظات فضلا عن التلكؤ في صرفها لإقليم كوردستان بمجمل العاملين بمؤسساته!

ولربما ظنّ بعض المسؤولين أنّ إطلاق تصريحات بشأن منجز هنا وآخر هناك سيكون ردماً للهوة الخطيرة وحلا للمشكلات التي تعاني منها البلاد. من مثل تصريح وكيل وزير النفط أنّهم يسعون لزيادة القدرات التخزينية في البصرة على مدى السنوات التالية. ولكن هل سيعالج هذا، إنْ جرى إنجازه، التقلبات في ظروفِ إنتاجٍ، بنيتُه التحتية متآكلة؟ وهل سيعالج الأمر فعلياً استمرار الإنتاج بمعدلات يجري التخطيط لها؟ وأبعد من كل التساؤلات وكمحصلة لها: هل سيؤدي هذا لحل المشكلة الجوهرية الأشمل في البلاد، حيث الظواهر الاقتصادية المرضية الطاحنة؟؟

وبعض الإجابة نراه في كون استمرار ربط الوضع العراقي بعائدات النفط بالطريقة الجارية، يعني استمرار تفاقم الأزمات والمشكلات التي نعاني منها. وأول هذي الأمور تكمن في الحجْر على الأوضاع وجعلها أسيرة الاقتصاد الريعي وهو أمر غير مضمون العواقب بخاصة في ظروف اهتزاز السوق الدولي وتقلبات أسعار النفط التي تدنت لمستوى أسعار السبعينات بما سيؤدي إلى أن تنهار معه مجمل القدرات الاقتصادية للدولة.. هذا إذا ما أضفنا إليه عدم توافر استراتيجية فعلية يرافقها انعدام الشفافية في قضية الإنتاج نفسه. ولنتذكر حقيقة أن العراق ما زال يحرق الغاز بدل توفير بنية مخصوصة باستثماره في ظروف حاجة البلاد إلى كل ثروة من ثرواتها ومازال الحقول التقليدية تعاني من قِدم البنى وتآكلها أو تحدد قدراتها بجانب جملة أخرى من الأمور المحورية المهمة من بينها إهمال تام للثروات الطبيعية الأخرى من مثل الفوسفات والحديد وغيرهما؛ وإهمال ثروتين رئيستين أخريين هما أهم وأبعد تأثيراً بالإشارة إلى الزراعة والصناعة. فلقد جرى ويجري تخريب مستمر وتراجع في إنتاج المحاصيل الاستراتيجية وفي رعاية البساتين وحمايتها وتحديدا تلك التي تشير إلى غابات النخيل وأشجار الحمضيات وغيرهما. ونشير هنا أيضا إلى شلل شامل لمؤسسات الصناعة الوطنية!

إن وقف فرص الاستثمار البنائي وما ينبغي بشأن تنويع مصادر الدخل هو جريمة فعلية لن يكون مؤداها إلا مزيد إفقار للمواطنين وإيقاع آثار الأزمات على كواهلهم ومن ذلك ما يتبدى من تأخير المرتبات مصدر الرزق والعيش لعدة أشهر ولفئات ومحافظات جديدة تضاف كل شهر. والقضية لن تقف عند حدود الأزمة الاقتصادية الشاملة ولا حتى عند حدود أزمة نقدية كما يسميها السيد رئيس مجلس الوزراء بل سيكون تفاقمها عميق الغور في تداعيات ترتبط بتصاعد أزمات اجتماعية قيمية وبخضوع أبناء بعض الفئات في إطار الابتزاز والتجنيد لمن يدفع لعيالهم أجور المأكل والملبس ويوفر لهم و لو أوليات العيش!

إنّ البلاد اليوم باتت أمام مشهد تراجيدي خطير فليست قضية المرتبات سوى مفردة من مفردات الأزمات التي تعاني منها. إذ هناك أزمات مختلفة تعصف بالوضع برمته. وهذا أمر يتطلب معالجة جوهرية نوعية حاسمة تمتلك (استراتيجية وثباتا) في الإجراءات وفي الاتجاه العام للمعالجة بخلاف ظاهرة (التردد والتلكؤ) في الإجراءات الأمر الذي يصل أحيانا حدّ (التخبط والتناقض) في اتخاذها وأداء مفرداتها البرامجية.

فقضايا مثل انهيار مؤسسات الدولة بمحافظات الأنبار والموصل وتركها ميدانا مفتوحا لاستباحة قوى الإرهاب، تؤكد ما نشير إليه. فتلك المحافظات بأيدي عناصر إجرامية وميليشيات مافيوية خطيرة؛ والمساحات والمدن والقصبات الخارجة عن سلطة تلك المجموعات الإرهابية لا وجود للدولة فيها وهذا أمر غير مبرر قطعاً!

إذ بماذا نفسر انفراد أهالي بعض المدن والأقضية والقرى بالدفاع (الذاتي) عن نفسها وبوساطة تضحيات أبناء العشائر!؟ ألا ترى الحكومة الاتحادية ما يجري حول قضاء حديثة؟ وما يجري في قضاء الرمادي مركز محافظة الأنبار؟ ألا ترى ما يجري في محيط ناحية البغدادي؟ في تلك الميادين يوجد عشرات ألوف المواطنين بخاصة من النساء والأطفال ومن المرضى يتعرضون لأبشع الظروف القاسية من هزال المؤونة الغذائية وأحيانا عدم توافر الماء وهزال ما لديهم من وسائل معالجة صحية ودواء!

وفي تلك المدن بات القتال يدور بين أبنائها بصدورهم العارية من جهة وبين عناصر إرهابية مزودة بأحدث الأسلحة وثقيلها فيما لا تمتلك أيدي المدافعين سوى بضع رصاصات وبنادق بدائية.. وما يجري لا التردد والتلكؤ في دعم أبناء تلك المدن وإسنادهم بل أيضا الكذب في تصريحات تدعي تزويدهم بالسلاح والعتاد!!

ولمعالجة تلك الصراعات بين أبناء الشعب وقوى الإرهاب يجري دفع قوى ميليشياوية بأسلوب أثار ومازال يثير الاحتقانات بل والصراعات الدموية بخاصة مع ظواهر الأداء الثأري الانتقامي من عناصر في تلك التشكيلات الميليشياوية مثلما جرى في الأنبار وديالى!

فلماذا لا توجد استراتيجية واضحة لدى الحكومة الاتحادية؟ لماذا لا يجري إعمال و\أو تفعيل مبادئ الاتفاق الذي تمّ عند تشكيلها؟ لماذا تمارس بعض زعامات الميليشيا حق ممارسة أمور هي من صلاحية السلطات القضائية والسلطات الشرعية للدولة؟ مثال ممارسة الاعتقال والتحقيق مع الأبرياء وإصدار قرارات التصفية والإعدام بحقهم في ضوء ظنون معمسة بعفن الطائفية ودوافعها الشريرة!

ينبغي البحث في الأسباب والدواعي ومعالجتها جوهريا بطريقة حازمة حاسمة وإلا فإن الأمور تمضي في طريق بيِّنٍ ما عاد مختفٍ متستر! إنه طريق التفكك وشمول البلاد بأكملها بظاهرة انهيار الدولة. وعندها لن يتبقى فرصة لنداء يوجه لحكومة اتحادية، وما سيتبقى ليس سوى دخول القوى الإقليمية والدولية لتحظى بمحميات تابعة لها تستغلها بالطريقة التي تريد!

هذا المشهد ينبغي ألا يغيب عن بال أي مواطنة ومواطن.. فجرائم الاستعباد والإذلال والاختطاف والاغتصاب التي تعرضت لها فئات مجتمعية بمدن الموصل وسنجار وغيرهما [كما: المسيحيون والأيزيديون] لن تكون بقية المدن بمنأى عنها إذا ما وقعت الواقعة. دع عنك حال الحرب الأهلية التي تدفع باتجاهها قوى خارجية وأدوات ممالئة لها داخليا وهي الحرب التي لن تبقي ولن تذر!

وبغاية المعالجة وتحقيق البديل، يجب تفعيل التداولية في بنية السلطة التنفيذية، وأن يمارس مجلس النواب سلطاته وواجباته كافة بما يستطيع بوساطته عزل حالات الفساد وتشخيص حالات الإهمال وتلك التي تعمل لأجندات غير عراقية وإقصاء كل عناصر المرض وملء الفراغ المتولد عن جهود التطهير ومعالجة تلك الثغرات الخطيرة. لكن مجلس الوزراء الاتحادي معني بالمقام الأول بمهمة مراجعة الاتفاقات المعقودة بين أطرافه وتحويلها إلى واقع يمارسه بخطى عملية في التصدي لما يجري ميدانيا.

وبالتأكيد، سيكون على الزعامات السياسية الحزبية واجب إيقاف آلية الاشتغال بالنقد السلبي وكل طرف يتصيد للآخر ويحاول الإيقاع به واستغلال هذا الحدث أو ذاك لمآربه وأن يتقدم بدلا من ذلك بتصوراته وتوصياته التي يمكن بها أن يجري معالجة أمر أو قضية أو أخرى..

وليسأل كل طرف زعامته وممثليه عما فعلوه في إطار الحكومة الاتحادية. فمن دون آليات العمل هذه وهي آليات الحكم الرشيد المنتمية لفلسفة الديموقراطية وأسلوب الأداء والممارسة فيها، من دون ذلك ستجري الأمور بعبثية لم تجلب لنا سوى الخراب والانهيار الذي بتنا نشهده يوميا بصور كارثية.

كفى خطى متخبطة عبثية لا تؤدي إلا لخلط الأوراق، وكفى انشغال بعض الأطراف بغنائم الصراع (الطائفي) ومحاولتها مشاغلة القوى الوطنية  وتحميل ما تنتجه حال فقدان الاستراتيجيات الوطنية من أزمة يضعونها على أكتاف الآخرين كما يجري في الخطاب الدوغمائي ضد كوردستان وقيادتها. كفى سلبية في التصدي لممارسات بعض الزعامات الطائفية السابقة التي وضعت البلاد اسيرة هذا التردي.

وليكن المنطلق بمؤتمر وطني عاجل بمفرداته وواجباته الفورية منها وبعيدة المدى، ليتمّ تنفيذ أسس الاتفاقات الوطنية ومبادئها ويطلق عجلة الاقتصاد الاستثماري ويستعيد مهول الأموال العامة المنهوبة بحجم قارب مئات المليارات ووضعها في حقولها الصحية الصحيحة [كما في التعليم والصحة والخدمات العامة والاستثمار بمايدين المشروعات الزراعية والصناعية الكبرى] لا ترك تلك الأموال بجيوب لصوص البلاد والعباد والاستسلام لجريمة السرقة كما يتبدى الآن!! بجانب ذلك سيكون من مهام المؤتمر وضع خطة استراتيجية وطنية الأجندة لاستعادة سلطة الدولة في المحافظات التي سلَّمَها (بعض) ساسة الأمس القريب للإرهابيين بقدرات جيش وطني  لعراق فديرالي يحترم تركيبته وطابعها البنيوي المعروف…

...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *