السيادة وقرارات المساعدة من دول أجنبية

السيادة الوطنية تتضمن حماية تامة لاستقلال البلد ولتلبية حقوق الشعب واحترام إرادته وصوته؛ وهذا لا يتوافر من دون حال من التكامل بين السيادة الداخلية والسيادة الخارجية ومن دون استكمال السيادة باشكالها القانونية والسياسية والشعبية والفعلية وهي تمظهرات من الضرورة بمكان احترامها كي يمكننا القول إن السيادة الداخلية مكتملة وإن السيادة الخارجية موجودة ومن ثم فالسيادة الوطنية على أتم صورها.

من جهة أخرى كيف نقرأ العلاقة بين سلامة السيادة وضمانها وبين العامل الخارجي؟ الأمر يتجسد في طابع هذا الوجود وتمظهراته. فإذا كان الخارجي متجسدا في مساعدات تدعم  المسار الصحيح للسيادة الداخلية وتحترم القوانين الدولية وتلبي مطالبها في تحقيق مضمون القانون الإنساني فإنها ليست تدخلا بل تضامنا ودعما لشعب ذاك البلد. ولطالما تطلب الأمر التضامن الأممي والتدخل الدولي لحماية شعب من طغيان أو استبداد يعانيه.

وعلى النقيض من ذلك، ستكون تدخلا سافرا عندما تتجاوز على القوانين الدولية من جهة وعلى مضامين السيادة الداخلية عبر خرقها لأشكال السيادة وتمظهراتها. وعبر تعارضها مع تثبيت سلطة الشعب وسيادته وحقه بتقرير ما يتطلع إليه ويروم تحقيقه.

لقد ولّت المفاهيم التقليدية للسيادة التي وُلِدت مع ولادة الدولة القومية المركزية. وذلك عبر ظاهرة العولمة وتداخل المصالح والإرادات وعبر ولادة الكتل الاقتصادية والسياسية الكبرى كما في كتلة اليورو وكتلة الدولار والين وغيرها وكما بكتل الأطلسي وتجمع العشرين الأعظم وتحالفات وسط آسيا وجنوب شرقها وغيرها. كل تلك الكتل تمنح اتحادها سلطات تمر عبر الحدود على حساب ما يسجَّل للوطني من سلطة سيادية. وأبعد من ذلك فقد نما وتقدم العمل بالقوانين الدولية والقانون الإنساني الدولي بوساطة مؤسسات هي أدوات وأذرع  لتنفيذ الأممي الدولي على حساب المحلي الوطني\القومي طبعا لمصلحة الشعوب وليس بالتعارض وإرادتها.

في مثل هذه الحالات من التفاعل الدولي الملتزم بالقوانين، لا يسمى الأمر تدخلا ولا يُسمى خرقا للسيادة.. لأنه في جوهره يضع شروطا على أدوات السلطة المحلية كي تحترم إرادة شعبها وسيادة الشعب الدستورية المطلقة. ويحصل هذا عندما تستبد سلطات دكتاتورية أو فاشية أو عندما يسود نظام كليبتوقراطي و\أو طائفي عنصري يمارس التمييز على حساب الشعب أو بعض مكوناته.

هنا ينبغي أن نتحدث عن النموذج العراقي. وعلينا هنا أن نتساءل أولا: ما درجة الفساد المقدر بالمقاييس أو المعايير الدولية؟ وسنلاحظ أن العراق احتفظ بالتسلسل الأسوأ عالميا طوال أكثر من عقد مضى حتى اقترب من تشكيل نظام كليبتوقراطي \ أي نظام فساد استشرى حتى أعلى هرم السلطة وولِدت طبقة فساد يسميها المصطلح السياسي طبقة الكريبتوقراط.

وفي النظام السياسي السائد شاعت ظاهرة وحفرت عميقا هي ظاهرة الدور الرئيس المفرط في التأثير على السلطة وإدارة توجهاتها من طرف عناصر الفساد المافيوية وعناصر تقود الميليشيات بما يشبه أمراء الحرب. إنَّ كل هذا لا يكتفي بعرقلة عمل المؤسسات واختلاق التحديات أمامها بل يلغيها ويصفي وجودها حتى أنّ البنية التحتية الأساس وركائزها باتت مشلولة تماما اليوم ولا دورة اقتصادية حية في البلاد التي يتم احتجازها ومصادرة إرادة الشعب في إطار الاقتصاد الريعي بغية تسهيل مهمة النهب الشامل للبلاد ومواردها وتسهيل استعباد الناس وسلبهم حقوقهم وحرياتهم ومن ثم إلغاء السيادة الشعبية فعليا.

وفي العلاقات الخارجية يجري تمرير علاقات مع دول إقليمية على أسس ومنطلقات طائفية بحتة تستجيب لآليات اشتغال منطق الغنيمة الذي يضع السلطة بيد طرف يُسمى الأغلبية ليمعن في استبداد الأغلبية العددية وفي إلغاء المكونات ومصادرتها واستلابها من حق المساواة والعدل ومن ثم فرض الظلم على تلك المكونات. وطبعا المعنى اتحاد الجناح الطائفي المسيطر على السلطة مع القوى الخارجية التي تدعمه وتسليمها زمام الأمور على حساب الوحدة الوطنية والسيادة الوطنية.. إذ السيادة عند هؤلاء تعني وجودهم على رأس السلطة بوصفها غنيمة لن يتخلوا عنها. ويتجلى هذا في العلاقة مع إيران. فالمستشار العسكري للنظام الإيراني يقود فعليا المعركة ولا يقبل ولا يسمح بوجود اية قيادة وطنية عراقية ولهذا تمتنع الميليشيات التي يوجهها عن الخضوع للقانون العراقي ولسلطة الجيش العراقي وقيادته. وهذا أخطر ما يمس السيادة العراقية اليوم ويهدد مستقبل الوجود الوطني العراقي.

وفي السيادة الوطنية وبدل تحمل المسؤولية عن كامل التراب الوطني العراقي يجري تمترس الخطاب الحكومي [الفيدرالي] في التعبير عما يسميه دفاعه عن أراضي الشيعة وعن تعامله مع الأراضي العراقية التي تخلت عنها الحكومة (الفديرالية) وسلمتها لقمة سائغة للفوضى وسطوة عناصر مرتزقة الإرهاب تحديدا، بتسمية تلك المناطق (الغربية) من العراق بالمناطق السنية تعميقا للتشخيص الطائفي والتمترس خلف خنادقه.

إن منطلقات تسمية جغرافيا العراق وأقسامه يجري على وفق الخطاب المرضي الطائفي. ولهذا السبب ظلت المناطق الغربية والشمالية أي الأنبار والموصل مهملة بلا تفاعل من جانب الحكومة الفديرالية حتى انهارت فيها مؤسسات الدولة وسلمت كل شيء لقوى الإرهاب فمنحت عناصر المرتزقة وشراذم غربان الإرهاب قوة مضافة لم يكونوا يمتلكونها سواء في السلاح أم العتاد أم القوة الميدانية حيث أكرهوا أبناء تلك المناطق على الالتحاق بهم والسير دروعا بشرية أمام شراذم الجريمة.

إنّ الواقع العراقي بات مفضوحا اليوم في لعبة قوى الطائفية وهي اليوم ميليشيات [طائفية] تتحكم بأجنحة سياسية تابعة لها تسمي نفسها أحزاب الأغلبية. وجوهر الحقيقة لقوى الطائفية أنها لا تدافع عن أتباع المذهب الذي تدعي أنها تحميه بل تتمترس خلف استغلال مقيت له، لإثارة ذعر جناحها من بعبع الجناح المقابل. وكل من الشيعة والسنّة لا ناقة لهم ولا جمل في معركة أجنحة الطائفية وميليشياتها المتحكمة بالأمور.

وهذا خرق آخر للسيادة الوطنية يبدأ بمصادرة صلاحيات ممثلي المكونات ويمر بفرض استبداد أغلبية طائفية لا تعبر عن الأغلبية السياسية لتركيب الشعب في إطار دولة مدنية معاصرة. فالشعب ليس وجودا طائفيا مغلقا كما يجري إيهام الناس به وتضليلهم بغاية اختلاق متاريس الحرب الطائفية المبرر لوجود الميليشيات وأجنحتها السياسية بل هو وجود من طبقة عمال وفلاحين وطبقة متوسطة وطبقات وفئات أخرى لا علاقة لها بالتركيب الماضوي الذي انقرض منذ مئات السنين مع انقراض امبراطوريات النظم القديمة ما قبل الدولة الحديثة.

فعن أية سيادة يتحدث الجناح الطائفي المتحكم بالسيادة السياسية عبر مسمى الحكومة الاتحادية، وهي ليست سوى أداة لتمرير من سطا على ما يسميه الغنيمة!؟ وكي نتأكد من أن الحكومة ليست اتحادية بمقدار ما هي تعبير عن تلك السطوة الطائفية.. علينا التأكد من أنّ المناصب والوزارات التي تُمنح للآخر ليست سوى مواقع شرفية بلا دور ولا فعل حقيقي يمكن أن يعبّر عن المكونات المهمشة وإذا عبّر عن أمر فإنه يعبر عن أجنحة طائفية من جهة وعن ممثل لجناح وطني مُصادَر ومهمش!!؟

وبالتأكيد فإن ميليشيات الطائفية برهنت على أنها لا تحمي ولا تلبي مطالب حتى المكون الذي تدعي تمثيله. فبنظرة بسيطة إلى محافظات الجنوب والوسط سنجد مقدار الإهمال وتردي الأوضاع المعيشية والحرمان ونسبة الفقر بمستوييه العمودي والأفقي حتى أن ريف السماوة يصل فيه الفقر لنسبة تقارب الـ90%. ولا مستشفيات ولا مدارس ولا جامعات ولامساكن صحية ولا تبليط ولا ماء صالح للشرب ولا كهرباء على الرغم من أن المتحكم بالسلطة يدعي دفاعه عن هؤلاء!!! تلك هي القضية الأمور ليست إهمالا لمكون ولكنها اختلاق خنادق تحترب والضحايا من الفقراء المعدمين [أولاد الخايبة كما يقولون!] فيما لا يمس ناهبي ثروات البلاد والمتسببين بقتل العباد أي أذى وعند الاضطرار وافتضاح أمر جريمة يجري تهريب الرأس وإيقاع القضية بذمة فقير مبتلى آخر..!

أين السيادة وتظاهرات الشعب العراقي ضد الفساد والجريمة في العام 2011 جرى قمعها بالرصاص الحي!؟ أين السيادة وصوت الشعب يزوّر ويجيّر ويشوّه!؟ التقسيم لا يأتي من الخارج ولا من مساعدات تشترط احترام المكونات واحترام حقوق الإنسان وإدارة البلاد بأسس وطنية لا طائفية.. والتقسيم لا يأتي من مساعدات خارجية تشترط أن تقوم الحكومة الفديرالية بإيصال تلك المساعدة لمستحقيها!؟

الموقف من المساعدات الأمريكية وغير الأمريكية هو موقف دعائي استعراضي مرضي يريد تمرير استلاب السيادة الفعلية \ استلاب السيادة الشعبية بخطاب تضليلي يحاول استغفال الشعب العراقي بتقسيمه ومشاغلته بحرب سياسية تُبعده عن معركته الحقيقية مع الكريبتوقراط طبقة الفساد التي نهبت كل شيء وتريد استلاب ما تبقى من رقاب العراقيين وابتزازهم..

يجب الرد بقوة على هذا المنطق بالحديث عن حكومة شراكة وعن أغلبية سياسية لا استبداد من يدعي تمثيل مكون يستغل حجمه العددي ليلغي كل الوجود الوطني العراقي لصالح أقلية طائفية صادرت الوطن والشعب باستغلال ضعف بنية الدولة العراقية الجديدة وسطوة ميليشياتها وأجنحتها السياسية من أحزاب الطائفية.

لنعي الدرس قبل فوات الأوان. لندرك الحقيقة وننطلق مجددا في إطار عراق جديد يحترم تركيبه من القسمين العربي والكوردي بنظام كونفديرالي يضمن سلامة العلاقات الوطنية ويتقدم بها إلى أمام بأسس سليمة صحية صحيحة تستند إلى دستور وطني جديد مكتمل بعمل التعديل وإخراج كل مفردات مرت ويمكن أن تمر عبرها أحزاب الطائفية وجوهر وجودها الميليشياوي الخارج على سلطة القانون وعلى السيادة القانونية والسياسية.

وبما يتعلق بالمساعدات الأمريكية فيلزم للحكومة ببغداد أن توصلها من فور تسلمها إلى البيشمركة والقوات التي يجري تشكيلها بقيادة الجيش العراقي الوطني حصرا لا بقيادات ميليشياوية تحت أية ذريعة. وطبعا يجب حل الميليشيات الطائفية وإبعاد أي عنصر يتمرد على سلطة القانون ويخرق السيادة الداخلية ويحاول تمزيقها..

ولن يتم ذلك ما لم يجر تغيير الاستراتيجيات وبرامج العمل عبر مؤتمر وطني حقيقي بكامل الصلاحيات والسلطات يفرض ميثاقا وطنيا يعدل الدستور ونظام الحكم ويعيد للخيار الديموقراطي إمكانات تحقيقه بعد أن أوقف وصودر من تركيبة طائفية لا وطنية..

تلكم حكاية الجعجعة التي تثيرها عناصر المراهقة السياسية و\أو التضليل  من قوى الطائفية والغنيمة  بشأن المساعدات الأجنبية.. نحن مع كل مساعدة تخدم استعادة السيادة العراقية وتخضع لها ولمطالب الشعب وسيادته الفعلية ولن نكون مع خطابات بروباغاندا تغطي على الخروق الحقيقية للسيادة وتوغل في استلاب الشعب إرادته عبر اختلاق الخنادق التقسيمية.. والعراق لن تقسمه إرادة خارجية إلا إذا سار شعبه وراء تلك الخطابات (الطائفية) المصدر سواء داخليا أم خارجيا..

فهلا وعينا الدرس!؟ وهلا وقفنا صفا وطنيا واحدا ضد لعبة حصر القرار بمسمى حكومة فديرالية يتحكم بها جناح طائفي ويصادر بسطوته كل مكونات الشعب العراقي لا السنّة والكورد كما يتبدى لأول وهلة بل وحتى الشيعة أنفسهم.. لأن الطائفي لا يخدم أتباع مذهبه بل مآربه وغنيمته ودونية نوازعه وغاياته… فيما نحن الشعب برمته الضحية بكل الأصعدة..

ردوا بتوكيد خياركم الوطني وتأكدوا من أن الصحيح يكمن في روح المواطنة واحترام الآخر والمساواة وفي رد الاعتبار لجناحي الوطن والشعب العرب والكورد في كونفديرالية تضمن التقدم إلى أمام وتحمي السيادة الشعبية الفعلية.

...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *