خُطى مؤمَّلة من أجل النازحين وأخرى لإنهاء الإرهاب وجرائمه

يقفُ العراقُ اليوم ودولُ المنطقةِ والعالمُ بمجابهةٍ مباشرةٍ مع قوى الإرهاب. تلك القوى التي نظمّت وجودَها في هياكل مقاتلةٍ سطت على مساحات شاسعة من البلاد وأسَرَت وجوداً شعبياً كبيراُ من سكان تلك المناطق. إنّ تلك القوى الإرهابية ما عادت مجرد ميليشيات أو عناصر انتحارية متفرقة؛ فقد بات لديها قوات تشتبك مع الجيش وتستبيح المدن والمحافظات بأحدث الأسلحة والأعتدة!

ولقد تجبّرت على المدنيين فصارت تستغلهم ببشاعة في أعمال السخرة وفي إكراههم على المشاركة بالقتال وإخضاعهم القسري لمبايعة الإطار الديني المزعوم الذي تتخفى وراءه، أيّ نظام ما يُسمّى الخلافة. ولا ننسى استغلالهم منطق قوانين الغاب في جرائم الاختطاف والاغتصاب لتبرير جريمة استعباد الإنسان وإذلاله؛ حيث جرائم تلخصها مصطلحات ماضوية كـ(سبي النساء) وتملّكهنَّ والاتجار بهنّ وإجبارهن على ممارسة الجنس مع عشرات رجال الجريمة!!

إنّ ترك تلك القوى لمدى أطول سيدفع إلى ما يمكنهم استراتيجياً من تثبيت أركان وجودهم المؤسّس على جغرافيا، تمنحهم فرص تحدي دول المنطقة والمجتمع الدولي مثلما حصل مع طالبان. إنهم يستندون في ذلك إلى استغلال طابع خطاب تضليلي يُفرض بقوة مبررة (دينياً!) ولديهم حشد من المتطرفين المتشددين من المؤمنين بالفكر الظلامي ومن تقف وراءهم قوى مافيوية محلية – دولية فضلا عمّا غنموه من ثروات طائلة وفرص استغلالها لمراكمة مصادر مادية مالية مهولة عبر التجارة بالمخدرات والسلاح والآن بالآثار التي صارت مصدراً خطيراً ومهولاً لمصادر أموالهم..!

إنّ النتائج الكارثية لخطل برامج حكومتي السيد المالكي ذات الفلسفة (المركزية) المشوّهة التي انشغلت وشاغلت بصراعات مختلقة على أسس وآليات تستجيب لثالوث (طائفية، فساد، إرهاب)، وما تُرِك من مخلفات وآثار وضغوط على الحكومة الحالية هي الكوارث المجسّدة بانهيار سلطة الدولة بمساحة تعادل ثلث مساحة البلاد وبنزوح ثلاثة ملايين مواطن وسكنهم في عراء الصحارى إذ جرى منع دخولهم المدن والمحافظات العراقية الأخرى على خلفية حذر لا يتم استثماره وطنيا بل طائفياً استعدائياً!

وحتى لا تستمر جريمة استباحة أراضٍ جديدة وتهديد أخرى؛ وحتى لا تستمر جريمة التسبب بنزوح كتل بشرية جديدة؛ وحتى لا تستمر جرائم انهيارات أخرى ومنح قوى الظلام الإرهابية فرص استعباد مواطني البلاد من مختلف الأطياف والمكونات وجَبَ أن يتم اتخاذ جملة إجراءات بجميع المستويات الاستراتيجية والتكتيكية.

إن الخطى المؤمّل اتخاذها تبدأ من المجتمع المدني نفسه. من العراقيات والعراقيين. من منظماتهم الوطنية المدنية وحركاتهم المجتمعية المعبرة عن حقوقهم وحرياتهم. وبدءاً لابد من إنهاء سلبية المواطن وتعريفه بواجباته في المعارك الوطنية الكبرى.

وبدءاً فإن الحكومات التي جاءت بُعَيْد التغييرات  في العام 2003 ساهم باعتلائها كرسي السلطة انتشار خطاب الطائفية والتمترس السياسي خلف خياراتها. وهذا كان عاملا رئيساً (آخر) لوضع برامج الطائفية ومن يقف وراءها في سدة الحكومة ببغداد. الأمر الذي نجم عنه مزيد تداعيات كوارث خطابات المحاصصة الطائفية وتمترساتها ومفاهيم الغنيمة التي لم يتخلوا عنها. والإشارة هنا إلى الغنيمة تأتي هنا حصراً بناهبي الثروة والمتسببين بإفقار مزيد من المواطنين حتى وصلت نسبة الفقر حدودا غير موجودة ببلاد في كوكبنا! إذ أن 89% من ريف السماوة فقراء، في وقت يقيمون على بحيرات النفط!

في كنف هذا التفكير يتمسك بعض المغرر بهم والمضلَّلين بالانتساب للميليشيات التي تحرس نظام الطائفية الكليبتوقراطي وليس مصالحهم ولا مصالح المواطنين الذين تستمر جرائم إفقارهم ووضعهم على مصاطب أرصفة البطالة لينشغلوا عن المجرمين وجرائمهم، بلقمة عيش مسمومة!

وعليه فبدءاً يجب إلزام الحكومة الاتحادية ببغداد ببرامج عمل تبني الدولة المدنية وتلتزم بقوانينها الدستورية وتبتعد عن خيمة ظلامية التمترس الطئافي السياسي المتستر بالدين ومرجعيته كذباً وزوراً لتمرير أجندات لا مصلحة للمواطن فيها.

ومن أجل ذلك فإنّ حملة وطنية شعبية واسعة تنير الدروب وتكنس كلكل الظلام وأضاليله وتكون مدعومة من حراك الجاليات العراقية بمختلف بلدان العالم لتستقطب التضامن الأممي، هي الحملة المؤمل أن تتسع لتشمل أوسع القطاعات وطنياً  على امتداد جغرافيا العراق الفديرالي الذي ينبغي أنْ تتمسك دولته باحترام التعددية والتنوع وإقامة العدل والمساواة بروح المواطنة في دولة فديرالية تجسد ذياك التنوع وحقه في التعبير عن وجوده بخلاف المركزة والتهميش والمصادرة وإلغاء الآخر مما ورثه بعض مرضى السلطة من مخلفات الماضي البغيض!

إنّ الحملة الوطنية للدفاع عن النازحين وحقوقهم ومطالبهم الإنسانية، ولدعم الحرب على الإرهاب، تأتي لتستثمر الموقف في الذكرى الأولى لاستباحة الموصل ومتزامنة مع جريمة استباحة الأنبار ومركزها الرمادي. إنها تأتي لتجسد المطالب في إجراءات فعلية مؤملة ولتضعها بين أيدي المسؤولين عن السلطة في العراق الفديرالي، ببغداد. ونحن هنا نقرأ تلك المطالب والخطى والإجراءات في الآتي من المحاور الرئيسة الأبرز:

  1. فأولا تطالب الحملة المسؤولين الفديراليين بتغيير نهج الحكومة الاتحادية واعتمادها برامج الدولة المدنية بديلا عن فلسفة الطائفية وخوض الحرب ضد كل من: (الفساد والإرهاب) بتزامن تام بين الحرب على الإرهاب والحرب على الفساد.. الأداتان الرئيستان والجناحان اللذان يتسببان بمآسي العراقيات والعراقيين كافة.
  2. والمطالبة بدعم مهام النضال الوطني والديمقراطي من أجل توحيد الصفوف بخاصة في التخلي عن المحاصصة الطائفية وإنهاء التمييز الديني والمذهبي وإعادة الاعتبار للهوية العراقية ومبادئ المواطنة والمساواة..
  3. والتوجه نحو تحقيق تفعيل الإرادة الشعبية والدور المهم للمواطنين والتزام سياسة وحدة الشعب وقواته المسلحة تحديداً وتجنب التشويش بدعم قوى ومؤسسات خارج سلطة الدولة المدنية ومنطق وجودها وآليات اشتغالها..
  4. تعميق التعاون والتنسيق مع قوات الپيشمرگة وضبط التطوع على أساس خدمة بنى الدولة ومؤسساتها والحظر التام لوجود الميليشيات خارج المؤسستين الأمنية العسكرية للحكومة الاتحادية، وتأمين السلاح اللازم للجميع من دون تمييز أو تلكؤ، وبخاصة هنا بشأن تأمين فرص التدريب والتسليح للبيشمركة بوصفها قوات دفاع وطني رسمية وهي اليوم تجسد النموذج الأبرز والأهم في التزام عقيدة عسكرية تنبع من تمسكها بحماية الوطن والشعب.
  5. وتطالب الحملة الحكومة الفديرالية بدعم أنشطة وبرامج القوى الوطنية العراقية الواعية، من مختلف الانتماءات القومية: العربية والكوردية والكلدانية، الآشورية، السريانية الآرامية والتركمانية ومن أتباع الديانات والمذاهب: المسلمين سنّة وشيعة والمسيحيين والأيزيديين والمندائيين والكاكائيين والشبك والبهائيين، وتحديدا هنا في الاستجابة لمساعي عقد مؤتمر وطني يمكنه رسم القواسم المشتركة في مهام مواجهة الأوضاع الكارثية الخطيرة، والاتفاق على برنامج وطني شامل يبدأ بالمصالحة مع الذات الوطنية ويمر بإجراءات إنهاء عصابات الدواعش الإجرامية وكل قوى الإرهاب، بما يستعيد مبادرة الشعب في بناء الدولة المدنية الديموقراطية التي اختارها سبيلا لوجوده في عراق جديد.
  6. دعم محاولات إيصال الصوت الشعبي العراقي إلى الجهات الرسمية والشعبية، الإقليمية والدولية عبر تفاعل ملموس مع مضامين مذكرات تُقدَّم إلى البرلمانات العالمية، وسفارات الدول العربية والشرقأوسطية، والأمم المتحدة، والبرلمان الأوروبي وسفارات الدول الكبرى.. طبعاً بقصد حشد الصوت الأممي الدولي مع معركة العراقيين كافة ضد جريمتي الإرهاب والفساد اللتين تستشريان في الجسم العراقي. وأن يجري ذلك بنسق مؤسسي سليم وأن يُشرك جناحي العراق الفديرالي في المحادثات والحوارات الدولية ومنها ما يخص تسليح الجيش والبيشمركة على حد سواء وما يخص المسارات والمحاور الكبرى لأداء الدولة وتقدمها…
  7. وتطالب الحملة الوطنية بتشريعات بمكنها أنْتفعّل القرارات التي قرأت ما اُرْتُكِب في سهل نينوى وسنجار وديالى وصلاح الدين والرمادي في العراق بكونه عمليات إبادة جماعية وتطهير عرقي وثقافي. إذ من دون قوانين نافذة إجرائيا بكل بلدان العالم سيتمكن مقترفو هذه الجرائم من الإفلات من سلطة المحاكم المحلية والدولية ومن العقاب الذي يكبح الجريمة ويمنع المجرمين من الاستمرار بغيهم.
  8. وفي المعركة مع الإرهاب والفساد، تلك المعركة الاستراتيجية بعمقها تطالب الحملة الوطنية بالتفاعل الإجرائي المباشر والفوري العاجل مع ملايين النازحين في ظروف نزوحهم القاسية؛ بوضع الخطط الملائمة بأولويات عليا، من أجل تلبية المطالب الحيوية لتفاصيل اليوم العادي للإنسان وللتوجه نحو إعادتهم إلى المناطق التي تخلصت من وجود العصابات، والاستعداد لبرامج شاملة للتعويضات ولتوكيد أسس توفير الاستقرار بمناطقهم، وبالتأكيد ضمناً: رعاية المختطفات العائدات والأطفال والعمل بكل الإمكانات وفي أسرع الآجال على تحرير اللواتي مازلن اليوم في اسر المجرمين القتلة، وتوفير القوانين والتشريعات والتنوير المجتمعي اللازم لإعادة تأهيلهنّ.
  9. وفي الإطار ذاته، التوجه لبرامج ضامنة عملياً فعلياً لإقناع النازحين للبقاء في وطنهم، وعدم الهجرة إلى خارج البلاد، التي باتت تستنزف الشعب من بنيته وتركيبة التنوع والتعددية فيه، رفضاً ومقاومة لمشروع تطهير العراق من مكوناته القومية والدينية والمذهبية التي عُرِف بها، وتجنباً لطروحات وضعهم بضوائق اختلاق الكانتونات التي لن تكون حلا لا مرحليا ولا استراتيجياً..
  10. والحملة الوطنية التي تنطلق في العاشر من حزيران، تختار هذا التاريخ رداً على جرائم الإرهاب وتمكينا للعراقية والعراقي من إعلاء صوته وتفعيل دوره في الأداء الوطني الشامل.. ولهذا فهي تطالب بدعم مهام فضح الجرائم التي ارتكبها الدواعش ونظرائهم في العراق: سواء بفضح جرائم قتل الأطفال والنساء والرجال الآمنين وجرائم النهب والسلب أم بما ارتكبوه من تدمير التراث الحضاري للبشرية جمعاء وهدم وتخريب دور العبادة لمختلف الأطياف الدينية أينما وصلت أيديهم.

الحملة التي أتحدث عنها ليست خيالا وافتراضا ولكنها وجود مؤسسي اشتغل طوال الأسابيع الماضية تحضيرا واستعدادا وهي تتابع الخطى بكل القوى التي تتعرض لتهديد الإرهاب. وهي تجد في كوردستان كما كانت قوى الحرية والسلام في الحضن الكوردستاني نجده بيتا وموئلا ومصدر تضامن ودعم بأعلى مستوياته، الأمر الذي نتطلع أن يحظى ولو بجزء يسير في الأماكن الأخرى من العراق كي يرتقي لمستوى المعركة بحجمها النوعي.

ونحن في الحملة بكل القوى والشخصيات التي تتحرك، ندرك حجم المهمة ومصاعبها وحتى عثراتها وعقباتها.. لذا نتابع السير باتجاه تطوير حراك الحملة ومنجزها لتتحول إلى المؤتمر الوطني الأشمل وبرامج العمل التي تضع الخطى المؤملة بصيغ برامجية ناجعة يمكنها أن توجد الاستعدادات الملائمة والكافية لمواجهة مهمة الانعتاق من استباحة الإرهاب وإعادة بناء الهياكل المؤسسية للدولة بسلامة تُنهي إلى الأبد فرص الاختراق والانهيارات وما يمكن أن يكون سببا في مثل تلك الكوارث التي تكررت كثيرا بحق أطياف الشعب.

فلنعمل معاً وسوياً من أجل تنفيذ تلك الخطى والارتقاء بها لمستوى ما يجابهنا جميعا.. ولنضع خلفنا كل ما يشق الصفوف وينزع لخطاب الانقسام والتناحر ويعيد إنتاج خطاب ظلامي متخلف بنهج طائفي أو يواصل منح قوى الفساد والإرهاب فرص امتصاص دماء المواطنات والمواطنين ونهب ثرواتهم واستعبادهم..

وستنتصر إرادة شعب أدرك الحقائق وسار ببرامج تنتمي به إلى عصره لا إلى ماضيه بخاصة منه ما ينتمي لظلاميات كهوف ومغاور الهمجية الغابرة تلك السمات المرضية التي ستكنسها إرادة الشعوب في العراق والمنطقة والعالم بفضل وعي ما ينتظرهم كي يرسموا خطاه ويلبوا مطالبه. وبورك بكل من وقف بوضوح مع هذا التوجه المدني للتأسيس لدولة تحترم شعبها ووجوده وحقه بتقرير مصيره واختيار طريقه..

...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *