احترام القوانين المدنية أساس الحريات وانتعاش التنوع الثقافي

إشكالية احترام القانون ليست هي مثار الجدل وهي ليست جديدة و\أو غريبة ولا هي بمعقدة في وسائل التعرف إليها. فالقانون ينبع من مشرّعيه، من ممثلي الشعب؛ فهو يجسد رؤيتهم للحياة وتنظيمها وينبغي أنْ يمثّل العقد الاجتماعي لوجودهم الإنساني. والقانون موجود لتنظيم تفاصيل الحياة ومسار العلاقات وكفالة الحقوق والحريات وضمانها وحظر الاعتداء عليها. وبمقدار تعبيره عن المواطنين في بلدٍ ما، يكون مقدار الالتزام به، حيث إدراكهم طابعه ومستهدفاته، وحيث إدراكهم أنّ القانون يجسد احترامهم أنفسهم ومصالحهم وتطلعاتهم.

إنما يثير الجدل حال الوقوف من القانون موقفا سلبيا، وخرقه والتجاوز على ضوابطه ومن ثمّ التجاوز على الآخرين، على الرغم من أن احترام القانون ظل مبدئياً سياقاً أخلاقيا سلوكيا واعيا عند الشعوب. فلقد كانت التربية المدنية والدينية السليمة داعية بثبات إلى تعزيز الموقف الإيجابي الملتزم بالقوانين ومحدداتها؛ كونها أساس الاستقرار والسلم المجتمعي ومنطلق التنمية والتقدم البشري.

وإذا كان سليماً أنّ كلَّ الشعوب تمتلك حقها الثابت في ممارسة أنشطتها الروحية سواء الطقسية الدينية منها أم تلك المعنية بالأنشطة الثقافية بتنوعات فضاءاتها، فإنّه من الثابت المبدئي لجميعها أنّها تضع أولوية تطبيق القوانين وممارسة الحريات والحقوق في ضوء ما تنص عليه هي القيمة السامية العليا في وجودها ومسار تقدمها.

من هنا يمكننا القول: إنّ الصواب القيمي السلوكي يكمن في التمسك بتلك الأولوية التي تتجسد باحترام القوانين المدنية كونها الضامن للحريات والحقوق، وكونها الحماية من التفرقة المجتمعية بالمعنى الأوسع للمصطلح، لإقامتها العدل والمساواة ولحظرها كل حالات التمييز على أسس دينية أو عرقية أو جنسية أو أي ذريعة أخرى.

والقانون في الدولة المدنية هو الركن الجوهري لأنسنة وجودنا ولتلبية الحقوق ورفض التمييز بأشكاله، ولكنه في الدولة الاستبدادية يعبر عن شرعنة النقيض أي شرعنة قيم التمييز ومن ثمّ قمع الحقوق والحريات. ومن أشكال الاستبداد والتمييز ما لا يعود لقوانين الغاب والفوضى والانفلات حيث انعدام وجود القوانين وسلطتها بل يعود إلى وجود قوانين لكنها تلك التي تفرض صياغات [قانونية] أحادية ماضوية تعود لزمن الدول الدينية بمسمياتها المختلفة.. الأمر الذي يؤدي بالمحصلة إلى تسيّد سلطةٍ تميّز بين مواطني البلاد من خلال فروضها السياسية التي تتستر بالديني وتتذرع به.

إنّ القوانين المعبرة عن العقد الاجتماعي بين أبناء وطن أو في وسط المجتمع الإنساني المعاصر برمته هي محددات يتم الاتفاق عليها في ضوء بنية الدولة وتمسكها بلوائح حقوق الإنسان وحرياته ودرجة ابتعادها أو اقترابها من تطبيق قيم الوجود المدني المعاصر للإنسان.

طبعاً هذا الوجود، ينتمي لعصرنا الحديث بكل ما يتضمنه من نمو خطاب أنسنة وجودنا وتمسكه بالعدل والمساواة والتطلع لتلبية كل ما يستجيب لمطالب الإنسان.. على ألا يكون ذلك على حساب الآخر بل بأن يكون باحترام ذاك الآخر وإنصاف مطالبه بقيم (المساواة) و (العدل).

إنّ هذا التوجه (المدني) والحرص بثبات ورسوخ على بناء (الدولة المدنية) هو ما يمنحنا أفضل فرص الاحترام الحقيقي للتعددية والتنوع والامتناع عن التمييز. فيما ظواهر تبنّي السلطة الأحادية التي تنتمي لخطاب دين أو مذهب أو فلسفة بعينها بالمنتهى تستلب التعددية الممثلة لطابع وجودنا الإنساني وهوياته القومية والدينية والمذهبية والعرقية الأثنية والثقافية. وإن تحدثتْ عن تلك التعددية فهي تتحدث عنها بطريقة فوقية استعلائية وتتصدق عليها ببضع (حسنات \ صدقات) تؤكد الطابع القمعي المبني على التمييز المفروض قسراً والمبرر بذرائع وحجج كثرما كان الإسقاط الديني أساسا لها.

ولكن، لماذا يكون هذا الإنسان هو من يمثل الله وقدسيته على الأرض وليس ذاك؟ وكيف له أن يمنح نفسه سلطة التفسير والتأويل الأوحد في صواب قراءته؟

إنّ من حق كل إنسان أن يعتقد بما يؤمن به دينا أو مذهبا أو فلسفة يحيا بها ولكن ليس من حقه فرضها على الآخرين. والدولة المدنية وقوانينها تضمن حق الاعتقاد وتحظر فرض رؤية على أخرى أو اعتقاد وطقوسه على آخرين؛ بخلاف الدولة الدينية التي تدعم التمييز والتسلط وفرض اعتقاد طرف على آخرين وتسوّق لقوانين هي آليات استبدادها السياسي بمرجعيته الدينية المفترضة التي تزعم الانفراد بتمثيل الخالق على الأرض.

هنا بالتحديد، ليس لنا سوى العودة إلى صيغة العقد الاجتماعي مجسداً بقوانين (مدنية) تمثل القواسم المشتركة التي تؤكد العيش المشترك على اسس العدل والمساواة، على أسس الإخاء الإنساني الذي لا يقبل التمييز بين إنسان وآخر. وفي الدولة الديموقراطية حقيقة لا ادعاءً وتظاهراً تضليليا كاذباً، تكون القوانين المدنية السبب في انتعاش التنوع واحترامه وحمايته من الاعتداء.

ومن باب التوكيد تجد حال ازدراء أتباع الديانات والمذاهب جريمة تُمارَس في المجتمعات التي تتشوَّه بثقافة أحادية استعلائية للجهة المسيطرة بسبب حجمها العددي وبسبب سطوة ما يُجسد استبداد الأغلبية. ذاك الاستبداد الناجم عن سلطة القانون المحكوم بمرجعيات دينية متوهمة مزعومة ومن ثمّ بشيوع خطاب العناصر المجتمعية المتسيدة بظلال التجلبب بجلابيب التدين مظهرياً.

ولنلاحظ أنّ معالجتنا هذه تتجنب تماماً الخوض في المعتقد ومبادئه من حيث الجوهر فالمعتقدات والديانات جاءت لتصلح من أحوال البشرية وتؤاخي بينها وتمنع التمييز بين إنسان وآخر. فيما الادعاءات والمزاعم لمن يتجلببون بالتدين هي مجرد أردية يغطون بها مآربهم السياسية ويشرعون في ضوئها قوانين تمييزية تقمع التعددية والتنوع.

لقد أشارت مختلف الآيات الدينية بمختلف الديانات إلى واجب التمسك بالإخاء الإنساني وبالعدل والمساواة وبأن البشرية خُلِقت شعوبا وقبائل لتتعارف وتتعايش لا لتحترب ويقمع بعضها بعضا كما يصطنع الطائفيون والإرهابيون من مقولات دينية مزعومة.

ولطالما كانت قيم التسامح وتوظيف العقل ومنطقه هي الجوهر في رسم سبل الحياة والعيش الإنساني على وفق قوانين مبنية على ما يستجيب للخبرة الإنسانية.. إلا أننا لم نعدم الظهور المكرور لأدعياء فرض الأحادية الاستعلائية المعادية لكل ذلك فتقمع التنوع والتعددية الإنسانية مخالِفةً الطابع الجوهري لوجودنا.

وعراقيا، اتسم المجتمع بالتعددية في الانتماءات منذ الشعوب السومرية التي تعايشت عبر آلاف السنوات على أساس من الإخاء والتفاعل بوحدة المصير لكنها الوحدة التي كانت دائما تلك التي تحترم التعددية والتنوع وتغتني بهما. وفي العراق الحديث أيضاً وُلِدت الدولة العراقية على أساسٍ صيغ في الدستور العراقي الأول. ثم تبنّت الثورة الوطنية الديموقراطية في 14 تموز قوانين مدنية حاولت ترسيخ الحريات المعبرة عن تنوع أطياف الشعب وتآخيها ووحدتها (الاختيارية).

وجاءت صياغة دستور 2005 لتؤكد بنية فديرالية هي تعبير عن حق تقرير المصير والاتحاد الاختياري من جهة ومن جهة أخرى تعبير عن حظر التمييز بين أبناء العراق (الفديرالي) على أيّ من تبعات الانتماء القومي أو الديني أو المذهبي ومنع لأي خطاب أحادي تجاه المكونات مما يوقع في ازدراء الآخر وتهميشه وحتى ما يصل ببعضهم لممارسة تحقيره وإذلاله أو استعباده!

كان ينبغي منذ صيغ دستور 2005 أن تتجه القوانين في ظلاله إلى كل ما يحفظ هذا التنوع بأسس (مدنية) الدولة وقوانينها. وبأسس مدنية الخطاب الثقافي القائم على احترام التنوع وانتعاش أنشطته بما يتفاعل إيجابيا بين أبناء مجموع تلك الانتماءات بكل ألوانها.

إلا أننا بسبب استغلال بعض الفقرات التي تتحدث عن احترام (الطقوس) وحق ممارستها من أتباعها وكفالة تلك الممارسة بحرية، وجدنا مَن يستغل تلك الفقرات بتأويلات يُسقِط عليها القدسية الدينية لحساب التمييز (السياسي الطائفي) بقصد اختلاق متاريس التفرقة التي يمكنه من خلالها استغلال بعبع التهديد واختلاق الاحتراب.

هذا هو ما مهَّد دائما وحرث الأرضية لتجييش أجنحة الاستبداد والقمع والتمييز ووضعها بخدمة قوى الظلام ووحشية جرائمها وهمجيتها. فباسم دين [باسم الإسلام] يجري استعباد أتباع دين آخر [كما الأيزيدية] وباسم دين لا يكتفي الإرهابيون من المتشددين التكفيريين بالتمييز بل يندفعون باتجاه جرائم إبادة جماعية وتطهير عرقي وجرائم ضد الإنسانية كالاتجار بالبشر والاغتصاب المشرعن بما يزعمون تجسيده لإرادة الله التي يدعون انفرادهم بتمثيله على الأرض!

إذن، فالإشكالية لا تقف عند حدود احترام القانون، فذلك واضح بيِّن ولكن الإشكالية تكمن في أي القوانين يجب احترامها وتبنيها. ومن الطبيعي هنا أن نؤكد عبر معالجتنا على صواب بل حتمية احترام قوانين مدنية الدولة.. احترام قوانين الإخاء بأسس أنسنة وجودنا وبقيم العدل والمساواة ومنع التمييز باشكاله؛ أي احترام القوانين المدنية بوصفها وعاءً وجودنا.

وفي ضوء ذلك بات لزاما في العراق الفديرالي توكيد هذه الحقيقة ومسارها بخاصة في إشاعة الخطاب الثقافي المنسجم مع الاتجاه نحو تأسيس الدولة العراقية مجدداً ببنية كونفيديرالية تحترم هذا التنوع الذي تميز به المجتمع العراقي وتستجيب للمساواة بين أبنائه بما يحمي التعددية والتنوع.

ولعل نموذج الأداء الكوردستاني تقدَّم كثيرا بمسيرة ترسيخ القوانين (المدنية) وهو يتطلب غذّ السير بهذا الاتجاه والتقدم نحو آفاقه الأرحب ومكافحة قوى الظلام وخلاياها النائمة إلا أن التراجعات ميدانيا سواء في القوانين والممارسات أم بالثقافة السائدة بالقسم العربي من العراق تظل حجر عثرة أمام كل فسيفساء التنوع عراقيا.

فهلا أدركنا ما ستؤول إليه حال التناقض المشار إليها؟ وهلا عملنا نحن أبناء الشعب بأطيافنا وانتماءاتنا على التصدي لروح الأحادية والاستعلاء والتمييز ونهضنا بواجب إعلاء صوت احترام قوانين وجودنا (المدني) ومساواتنا الإنسانية؟ تلكم هي أداة الحل في تبني علاقات إنسانية سليمة، إنها تتجسد بالقوانين المدنية وثقافة إعلائها والتمسك بها والدفاع عنها بتعبير آخر إرسال رسائل الإخاء بين الأطياف والمكونات هو أبقى وأكثر سلامة وأنجع من الوقوع بأحابيل ثقافة الاحتراب المبررة بخطاب تضليلي لاتهامات مفتعلة متبادلة خلف متاريس إثارة الفرقة والتمييز وقوانينها وإن تجلببت زوراً وبهتانا بالتدين.علينا أن نعي الإشكالية ومضامين الحل ولربما قدمنا بهذه المعالجة المتواضعة جانبا من الحل.

...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *