استراتيجية استيعاب النازحين وأولوية تلبية مطالبهم

trtrtrtrtrtrtrtr111111111111111111111111111111111

النازحون ليسوا مجرد أناس انتقلوا من مناطق إقامتهم التي اهتز فيها  الاستقرار وغادرتها الطمأنينة إلى مناطق إيواء آمنة جديدة. ولكنّهم بأوضاعهم الطارئة المستجدة يمثلون كتلاً بشرية تحمل سماتٍ تصنعها ضغوط الأزمات بكل ما تتضمنه من مفاجآت تجابه المجتمع بمطالب استثنائية، منها العاجل الآني ومنها الملحّ الآجل.

ولقد باتت قضايا النازحين الذين فاقوا الـ26 مليون عالمياً بسبب النزاعات المسلحة والـ50 مليون بسبب الكوارث البيئية الطبيعية، باتت تقلق المجتمع الدولي بسبب النسب العالية من موازنات الدعم الإنساني وبسبب الآثار الكارثية على المجتمع الإنساني المعاصر. وهو أمر دفع لصياغة «المبادئ التوجيهية حول النزوح الداخلي» تطمينا لقراءة أدق في الحقوق والواجبات المناطة بكل طرف تجاه هذه القضية التي تحفر جراحاتها في الوجود الأممي الإنساني…

إنّ قضايا الإغاثة الإنسانية قد تتركز بحدود توفير الإيواء ولقمة العيش وشربة الماء الصالح ومن ثمّ الدواء والرعاية الصحية بأولويتها الطارئة. غير أنّه حتى هذا يحتاج لاستراتيجية مناسبة بكل منطقة وبظروفها وما يتحكم بها من تضاغطات واشتراطات ومحددات.

إنّ النازح يعاني من فقدانه لاستقراره النفسي الاجتماعي ومن غربته تجاه بيئته الخاصة المباشرة وقلقه على وجوده سواء بحياة وصحة بدنية أم بصحة نفسية روحية وقيم ثقافية سلوكية. وعليه فإنّ الإغاثة المباشرة مادياً، بما يخص طابع الغذاء والدواء والملبس وتوفير أدوات عيشه المباشرة ليست كل شيء، فهناك مشكلات مقلقة تخص وضع النازح ببيئة تنتشر فيها أسباب الاستغلال والابتزاز.

ونحن نرصد يوميا، على سبيل المثال: ظواهر الفقر والبطالة وانعدام موارد العيش الكريم، وكيف تطحن تلك الظواهر العوائل النازحة.

 ولكن أي مستوى من الطحن والاستلاب والاستغلال سيكون إذا ما صادف الأمر في مجتمعنا الذي نخرته المشكلات البنيوية الروحية بانتشارمافيات الاتجار بالبشر وأشكال الفساد القيمي!؟ وأيّ نوع من الابتزاز عندما سيتعلق الأمر بأطفال باتوا يشكلون ظاهرة جوهرية لما يُسمى (أطفال الشوارع)!؟ وأي نسبة من الطحن وعمق آثارها بما يتعلق بأرامل وعوائل بلا معيل بسبب مقتل الآباء بمجتمعنا العراقي!؟

إنَّ كوارث النزوح وتداعياته تتضاعف مع ظواهر التمييز واختلاق التخندق الطائفي السائدة في البنية الفوقية لمجتمع اليوم ومن ثمّ في حال التعامل مع أخوة الوطن بما تختلقه خنادق التمييز الطائفي من انقسام وانفصام وقيم استعداء وأفعال بل جرائم ثأرية تتستر بتبريرات تشر عن استغلال الآخر وابتزازه وإيقاعه تحت طائلة جرائم تُرتكب بحقه!!

إذن، الكارثة لن تقف عند حدود آنية للجريمة التي تقع بحق النازح ولكنها ستخلق أرضية لمستقبل قريب وبعيد، يحمل كل معالم إرباك المجتمع ومجابهته مشكلات معقدة مركبة.

من هنا، فالإيواء ليس خيمة تحمي النازح من المطر أو أشعة الشمس وتوحي بوجوده في حضن بيت مؤقت يعبر عن إخاء وطني إنساني.. إنّ الإيواء يجب ويلزم أن يحمي النازح مما يُحتمل ارتكابه من مافيات الاستغلال والفساد الذي يستشري في مثل هذه الظروف معتمداً عدم الاستقرار والفوضى والصراعات…

إنّ أول المهام، تكمن في إحصاء النازحين وضبط أماكن إقامتهم البديلة سواء باستضافة في بيوت ذات ارتباطات عائلية بمحافظات جديدة أم في مخيمات النزوح؛ فتلك قضية ذات أولوية خطيرة. لأن عملية التخطيط ورسم البدائل والمعالجات لا يمكنها أن تكون سليمة سديدة ناضجة من دون دقة في ضبط خارطة إقامة الكتل المليونية للنازحين. فالنازحون في العراق ثلاثة ملايين وهذا الحجم هو ما يشمل النزوح بسبب الاضطراب الأمني والمحافظات المستباحة ولا يشمل ثلاثة ملايين آخرين، وربما أكثر، من الكتل البشرية التي ضارها الفقر (المدقع)! ولنتذكر هنا نسبة الفقر في ريف السماوة أفقيا الذي يشكل 89% فيما عموديا استهلكت حدة الفقر أكثر من ثلثي هذه النسبة!

وتساؤلنا الاضطراري بمجابهة هذه الأوضاع هو: ماذا أعدت الحكومة الاتحادية؟ ما خططها واستراتيجيتها بالخصوص؟

أما الإجابة عن هذا السؤال الصارخ بما تجابهنا فيه صرخات ملايين الأطفال وأوجاع ملايين الأرامل والفقراء المعدمين، فلا تبشر بخير! إذ الحكومة الاتحادية تنخرها قضية المحاصصات السياسية وصراعات الحزبية الضيقة وتخترقها جرائم فساد بنيوية فضلا عن كونها تنشغل بتهديدات بين كماشتين، هما: كماشة ميليشيات فوق سلطتها ولا تخضع لقانون وقوى إرهابية منظمة صارت تتهيكل بصيغ جيش محارب يقضم تدريجاً مساحات جديدة من البلاد تنهار فيها سلطة الدولة بأسباب ما عادت خفية، كونها تعود لثالوث طائفية فساد إرهاب الطافي في المشهد العراقي العام.

الخطورة بمكان أنّ حكومة بغداد، لا تقف بحدود سياساتها المتخبطة عند حدود بعض المحافظات بل ترسل أو تحاول ترحيل آثار سياساتها تلك لتؤثر سلبا على كوردستان. حيث تتفاقم الكتل البشرية النازحة التي تتجه إلى هناك بوجود شكل من الحصار الاقتصادي القائم على قراءات سياسية لأطراف في الحكومة الاتحادية! ومازالت مشكلات عدم دفع المستحقات لكوردستان تقف حجر عثرة خطيرة، تعطّل الاستثمار والتنمية والمشروعات التي تمنح الحركة والحياة وهو ما يشكل عقبات جدية بوجه إمكانات استقبال النازحين الجدد، بقدر تعلق الأمر بالنازحين على أقل تقدير..

إنّ المنتظر هنا هو سماع منطق العقل والتخطيط العلمي لتضع استراتيجية جديدة نوعية ولتحمل أعباء المسؤولية الكبيرة المستجدة في عراق اليوم. ولعل محاور مقترحة هنا يمكنها تجسيد بعض التصورات المناسبة لتوفير الحل الجوهري المنتظر. ونلخص أبرزها بالآتي:

1- انعقاد مؤتمر مخصوص بالنازحين والمهجرين تنبثق عنه هيأة دائمة تنسق العمل بين الجهد المؤسسي الحكومي وأنشطة المجتمع المدني. يشترك فيه ممثلو الحكومة والمجتمع المدني والجهات الدولية المتخصصة.

2- صياغة تشريعات عراقية تستلهم مفرداتها من التوجيهات الدولية المصاغة عام 1998 في ضوء تفاقم القضية وطابعها المخصوص عراقياً إقليمياً.

3– استحداث أقسام اختصاص في مؤسسات الإحصاء المركزي والتخطيط وفي الوزارات المعنية، تكون مسؤولة عن وضع مفردة مخصوصة بالنازحين تستوعب الواجبات الوطنية الإنسانية لتلبية الاحتياجات والعمل على وفق الخطط الشاملة وتحويلها إلى مفردات عمل تنفيذي مباشر ميدانياً..

4- إيجاد هيأة وطنية للعلاقات مع المنظمات الدولية وتنظيم المساعدات الأممية وتسهيل نقلها مباشرة إلى النازحين بعيداً عن روتين مؤسسات الحكومة الخاضعة لتأثيرات لعبة الفساد وجرائمه..

5- دعم مؤسسات المجتمع المدني ومبادرات العلماء والمتخصصين العراقيين في محاور العمل الميداني بخاصة في التخصصات النفسية الاجتماعية (التأهيلية) و(الإرشادية التوجيهية) التي قد تساعد على التخفيف من آثار ما يجابهه النازح من ضغوط ومشكلات في وجوده الإنساني. نُذكّر هنا بطابع الافتقاد للنوم بوصفه حاجة بدنية نفسية وإلى أشكال الكوابيس والضغوط النفسية المتولدة من العنف البدني النفسي الذي يتعرضون له…

6- استحداث هياكل مؤسسية تأهيلية تخص متابعة جرائم الاختطاف والاغتصاب والاستعباد والاتجار بخاصة ما تعرضت له النساء والأطفال من مختلف الأطراف وأولهن الأيزيديات..

7- التوكيد على منع التزويج القسري خارج المحاكم لما يتضمنه من تسهيل لجرائم الاستغلال للظروف الطارئة للإنسان وما تركه ويتركه من آثار سلبية خطيرة في مستقبله على الفتيات (ومنهن القاصرات) وعوائلهن وأطفالهن الذين يولدون خارج الشرعية بكل ما يعنيه ذلك في المجتمع العراقي.

 والقضية مرتبطة بالنازحات بسبب العنف المسلح وأيضا وبالتأكيد النازحات بسبب الفقر بكثير من المحافظات!

8- إنهاء تعريض الموازنات المالية الخاصة بالنزوح لضغوط الصراعات الحزبية وفتح باب مخصوص استراتيجيا لموضوعة النزوح ومعالجة آثاره المباشرة الآنية والبعيدة الاستراتيجية..

9- رسم استراتيجية مخصوصة كوردستانيا وعدم انتظار الحكومة الاتحادية وتلكؤاتها وظروفها في ضوء ما جرى ويجري تجاه مكونين رئيسين وقعا استثنائيا لضغوط مخصوصة هما المسيحيون والأيزيديون بخاصة بشأن النساء المحررات والعمل على استقطاب المساعدات الإنسانية الدولية مباشرة..

10- رسم سياسة إعلامية تثقيفية تنويرية بخطط آنية ميدانية وأخرى بعيدة المدى.

11- إيجاد تشريعات تخص الظواهر المخصوصة كمضاعفة عقوبات استغلال النازح وجرائم قد ترتكب بحق المحررة وقوانين تعالج نتائج أو آثار ما تعرضت له النازحات…

12- وضع الخطط المناسبة لتعويض النازحين عند إعادتهم إلى أماكن عيشهم الأصلية سواء بخصوص ممتلكاتهم أم بخصوص إعادة بناء بيوتهم المخربة وإعادة إعمار مدنهم.

13- التعجيل بخطط استعادة سلطة الدولة في المناطق المستباحة وطرد قوى الإرهاب فكل يوم يمضي يعني منح تلك القوى فرص إيقاع ضحايا جدد في ميادين الجريمة ما يعزز آثار الاحباط عند طرف واستشراء عنف لدى الطرف الآخر!

14- أن تنهض مراكز البحوث العلمية والجامعات ببرامج عمل تباشر منذ الآن وميدانيا بجهود دراسية تضمن وضع الحلول الأنجع بالاستناد إلى قدراتها وإلى استقطاب التجاريب الأممية بهذا الشأن.

إن حجم ظاهرة النزوح عراقياً وضعته بين أوائل دول العالم في معاناة شعبه منها. وهو ما يتطلب موقفا حازما حاسما على المستوى الوطني وليس حال من الاكتفاء بحملات تعاطف تنتهي بانتهاء ما تنهض به من وقفات تضامنية.

 ذلك أن النازح وجود إنساني حي تبقى حاجاته متصلة حية ما يتطلب متابعة متصلة بطريقة مؤسسية حتى تستقر الأوضاع وتنتهي آخر الآثار التي ظهرت نتيجة النزوح..

ومن دون الاستراتيجيات المناسبة سنخلق لأنفسنا والمجتمع الإنساني مشكلات أخطر من تلك الجارية اليوم.. فهلا تنبهنا على الحدث الكارثي والزلزال الذي ينتظرنا إنسانياً بكل مخاطره؟ وهلا سارعنا لوضع البدائل الاستراتيجية بمستوى ما يحتاجه الناس؟ وهلا تحولنا مع الجهود الفردية أو المحدودة المتناثرة إلى الحلول النوعية الأشمل والأدخل في الاستراتيجيات!؟

...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *