قراءة في كتاب “من يزرع الريح… ” للدكتور ميخائيل لودرز بقلم البروفيسور الدكتور كاظم حبيب

كتب البروفيسور الدكتور كاظم حبيب مداخلات حوارية بسلسلة مقالات بشأن كتاب لودرز ونضعها هنا وهي بعنوان: قراءة في كتاب “من يزرع الريح… ” للدكتور ميخائيل لودرز

قراءة في كتاب “من يزرع الريح… ” للدكتور ميخائيل لودرز
الحلقة الأولى (1-3)
من يزرع الريح يحصد العاصفة!

صورة الغلاف الأول والأخير
اسم الكتاب : من يزرع الريح- ما عاثته السياسة الغربية في الشرق
اسم الكاتب : د. ميخائيل لودرز
لغة النشر : اللغة الألمانية
دار النشر : بيك C. H. Beck، ميونيخ- ألمانيا
سنة الإصدار : الطبعة الرابعة 2015 (أربع طبعات في أقل من سنة واحدة)
عدد الصفحات: 174 صفحة
المدخل:
يعتبر الكاتب والإعلامي الدكتور ميخائيل لودرز واحداً من أنشط الكتاب والإعلاميين الألمان الذي صدرت له حتى الآن الكثير من الكتب السياسية المهمة التي تبحث في شؤون الشرق الأوسط والدفاع عن حقوق هذه الشعوب في الحياة المستقلة والآمنة وبعيداً عن التدخلات الخارجية في شؤونها وبشكل خاص التدخل العسكري والسياسي الأمريكي والتدخل الغربي عموماً. وقد وقف ضد الحروب التي وقعت في المنطقة ومواقف الولايات المتحدة، كما شجب الحروب التي شنت من قبل إسرائيل خلال الفترة التي أعقبت حرب التحالف الدولي خارج قرارات مجلس الأمن الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، وسواء في جنوب لبنان أم في غزة. ومن الجدير بالإشارة إن الكاتب يحمل أفكاراً ديمقراطية مستقلة يمكن أن يتفق القارئ معه أو يختلف في تحليلاته لاتجاهات تطور الأوضاع بمنطقة الشرق الأوسط. وكان من المنتقدين الذين أدانوا استمرار التأييد المطلق الذي يمنحه الغرب لإسرائيل ، كما إنه يميز بوضوح بين اليهود والشعب الإسرائيلي من جهة، وسياسات الحكومة اليمنية المتطرفة لبنيامين نتنياهو من جهة أخرى. وهو من الكتاب الندرة المستقلين الذين يتسمون بالشجاعة في التعبير عن وجهات نظرهم وفي الوقوف إلى جانب قضايا شعوب الشرق الأوسط ولم تكتسحه اللبرالية الجديدة وقوى المحافظين الجدد وكبار الرأسماليين المهيمنين على الإعلام الغربي. وقد تسنى اللقاء المشاركة في ندوات تلفزيونية حول قضايا الشرق الأوسط وكان في الغالب الأعم على اتفاق أو تقارب في وجهات النظر.
من أبرز الكتب التي صدرت له نشير إلى ما يلي: 1) نتمنى الموت – من أين يأتي العنف في الإسلام الجهادي؟ 2001، 2) ابتسامة النبي- رحلة إلى بلاد عرب 2002، 3) شاي في حديقة تيمور- مناطق الأزمة بعد الحرب على العراق 2003، 4) في قلب الجزيرة العربية- الفخر والعاطفة- لقاء مع ثقافة متزقة، 2006، 5) ظل الله الطويل- لماذا نحن لسنا بحاجة إلى الخوف من الإسلام، 2007، 6) يوم الغضب – كيف غيرت الثورة العربية العالم 2011، 7) إيران: الحرب الزائفة، 2012، ، نتمنى الموت، – من أين يأتي العنف في الإسلام الجهادي؟2011، من يزرع الريح..- ما عاثته السياسة الغربية في الشرق 2015. كما نشر الكاتب العديد من الروايات.

الكتاب
يعمد الدكتور ميخائيل لودرز إلى تضمين كتابه تسع عناوين فرعية يبحث فيها مشكلات الشرق الأوسط فإلى جانب عنوان المدخل من يزرع الريح، يحصد العاصفة، نجد الموضوعات الثمانية التالية:
1) انقلاب في إيران: خطايا السقوط، 2) تاللعبة الأخيرة في هندو كوش: واشنطن والرياض هما قابلة الولادة لتنظيم القاعدة، 3) أنجزت المهمة: الأمريكيون يوفرون القاعدة الأساسية لقيام “للدولة الإسلامية، 4) جهاديون أخيار وأشرار: كيف يتجنب الغرب التعليم من أخطائه، 5) في قلب الظلام الدامس: ما الذي يجعل “الدولة الإسلامية” مظفرة، 6) التحالف المقدس: الولايات المتحدة الأمريكية تراهن على الدكتاتوريين والإقطاعيين، 7) أتفويض مطلق لإسرائيل؟ حرب غزة 2014، 8) اضطراب النظام العالمي الجديد: توقعات. خارطة

سأحاول في أربع حلقات تناول أهم الموضوعات التي تضمنتها هذه العناوين الأساسية لمفرداته المهمة ومناقشة بعض الآراء التي لا اتفق بها مع الكاتب مع كل الاحترام لوجهات نظره الجريئة وكتابه العقلاني.
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ولكن وبشكل خاص، منذ أوائل الخمسينات من القرن الماضي، تفاقم الصراع على النفوذ في منطقة الشرق الأوسط وازداد تدخل الولايات المتحدة الأمريكية في الشؤون الداخلية لدول المنطقة، ومنها الدولة العراقية الملكية، من خلال النقطة الرابعة لترومان في العام 1948، ومشروع الشرق الأوسط لأيزنهاور في العام 1952، وحلف بغداد (السنتو) العسكري والسياسي في العام 1955. والحلف الأخير ضم إليه الدول التالية: تركيا والعراق وإيران وباكستان وبريطانيا، إضافة إلى الولايات المتحدة الأمريكية. وشكل هذا الحلف جزءاً من الإستراتيجية الدولية الأمريكية – البريطانية التي استهدفت التصدي لنشاط قوى حركة التحرر الوطني والقوى الديمقراطية ومحاربة الشيوعية ومواجهة الضغوط الشعبية لإقامة علاقات دبلوماسية واقتصادية مع الاتحاد السوفييتي وبقية دول الديمقراطيات الشعبية حينذاك. وقد شكل الحلف لجنة مكافحة الشيوعية ومقرها بغداد وأسندت رئاستها إلى الأستاذ الأكاديمي الدكتور عبد العزيز الدوري، الذي كان يعمل ضمن التيار القومي العربي اليميني حينذاك. وساهم هذا الحلف في تشديد النشاط البوليسي والأمني للحكومات العراقية المتعاقبة ضد القوى الديمقراطية والحركة الشيوعية في الدول الأعضاء في هذا الحلف، والذي ساهم بدوره في تقريب أجل النظام الملكي وإسقاطه بالعراق في 14 تمز 1958.
وكان الانقلاب الذي قاده الجنرال زاهدي ضد حكومة الدكتور محمد مصدق وضرب حركة التحرر الوطني للشعوب الإيرانية في العام 1952 قد لقي التأييد والدعم بل والتدبير المباشر من جانب الإدارة الأمريكية والحكومة البريطانية وبالتعاون الوثيق مع شركات النفط الاحتكارية هو الذي أوحى للكاتب الديمقراطي والتقدمي الأستاذ محمد شرارة كتابة مقاله القيم الموسوم “أينما تمتد الأصابع الأمريكية يرتفع الدخان” ونشره في مجلة الوادي في العام 1954/1955، والتي بلور فيها العواقب الوخيمة لتدخل الولايات المتحدة في الشؤون الداخلية لدول الشرق الأوسط والدماء التي تنزف بسبب ذلك التدخل واستنزاف خيرات هذه البلدان، في حين لا تحصد هذه الشعوب غير الفقر والجوع والحرمان ونزيف الدم والدموع.
هذه الحقائق التي عاشتها شعوب الشرق الأوسط، وكنت أحد شهودها، والتي ما تزال تواجهها هذه الشعوب حتى يومنا هذا، هي التي جعلت الكاتب الألماني الدكتور ميخائيل لودرز يعود في كتابه إلى الوراء، إلى أوائل الخمسينات من القرن العشرين ليذكرنا بنجاح انقلاب الجنرال فضل الله زاهدي في 19 آب/أغسطس من العام 1953، والذي يطلق عليه بانقلاب 28 مرداد، وعودة شاه إيران محمد رضا بهلوي، الذي كان قد هرب إلى العراق وحل ضيفاً على الحكومة الملكية ومرفوضاً من الشعب العراقي حينذاك مما أجبر على المغادرة إلى إيطاليا، إلى إيران ثانية ليكون أكثر تبعية وخضوعاً لإرادة الولايات المتحدة وبريطانيا وشركات النفط الأجنبية وإلغاء قرار التأميم الذي أصدرته حكومة محمد مصدق على وفق إرادة الشعب الإيراني، ثم تأسيس الكونسرسيوم النفطي لإدارة النفط الإيراني لصالح الاحتكارات والمصالح الغربية. لقد كان الانقلاب مدبراً ومخططاً له من وكالة المخابرات الأمريكية التي اعترفت أخيراً بذلك في العام 2013 ونشر الاعتراف في جريدة الحياة اللندنية – السعودية. (راجع وكيبيديا الموسوعة الحرة – “سي آي إيه” تعترف بمسؤوليتها عن انقلاب إيران عام 1953، صحيفة الحياة).
لقد رفضت شعوب الشرق الأوسط سياسات الولايات المتحدة وبريطانيا وانتفضت عليها، ولكنها جوبهت بسياسات رجعية من جانب الحكومات العربية بشكل خاص وبدعم كبيرة من جانب الولايات المتحدة وبريطانيا. وهنا يشير الكاتب ويذكرنا بأحداث عدوانية استعمارية مهمة، إضافة إلى الانقلاب ضد د. محمد مصدق، إذ أشار إلى التدخل العسكري في مصر وحرب السويس في العام 1956 بعد تأميم مصر لقناة السويس بمشاركة بريطانيا وفرنسا وإسرائيل ودعم أمريكي كامل، والذي فشل بسبب التهديد السوفييتي بالتدخل المباشر، ومن ثم التدخل الفظ في الشأن العراقي الداخلي والمساعدة في تكوين تحالف رجعي إقطاعي ونفطي (شركات النفط الاحتكارية الأجنبية) واسع ضم قوى عربية وكردية وقوى إسلامية سياسية مناهضة لحكومة قاسم وسياساته الوطنية ضد حكومة ثورة 14 تموز 1958 والإطاحة بها في انقلاب 8 شباط 1963 وإعدام قادتها خارج القانون والمحاكمات الاعتيادية. وهنا يجب أن نتذكر تصريح أحد أبرز قادة الانقلاب علي صالح السعدي إذ قال “جئنا بقطار أمريكي”، وهو ما اعترفت به الدبلوماسية الأمريكية أخيراً.
أين تكمن أهمية هذا الكتاب؟ أرى بأن أهميته تكمن في الموقف العقلاني الشجاع والموضوعي في رفض كل ما أنكره كثرة كبيرة من الصحفيين والإعلاميين والسياسيين الغربيين وحكوماتهم من سياسات غير ديمقراطية وتدخل سافر في الشؤون الداخلية لهذه البلدان، وأكدَّهُ الدكتور ميخائيل لودرز بوضوح رؤية ووعي سليم لما كان وما يزال يجري في هذه البلدان وإدراك واقعي للعواقب الوخيمة التي ترتبت على هذه السياسات الاستعمارية للولايات المتحدة الأمريكية وحليفاتها الدول الغربية طيلة النصف الثاني من القرن العشرين حتى الوقت الحاضر وبشكل خاص في مسائل جوهرية مهمة. والكاتب يضع يده بجرأة على النقاط التالية:
** تحالف سياسي وتعاون اقتصادي وثيق مع نظم سياسية ملكية وجمهورية رجعية اضطهدت شعوبها وصادرت حقوقهم المشروعة وداست على لائحة ومبادئ حقوق الإنسان وأفقرت الغالبية العظمى منه ودفعت بالملايين منهم إلى البطالة. وهي ما تزال تمارس هذه السياسة حتى الآن، إلا إذا تخلت هذه الدول عن هذا التحالف معها لأي سبب كان، كما حصل مع القذافي ومع صدام حسين ومع عمر البشير وبشار الأسد على سبيل المثال لا الحصر.
** توجهت الدول الغربية بالأساس صوب الحصول على موارد النفط الخام وخامات أخرى وتأمين طرق المواصلات وتصريف سلعها في أسواق تلك البلدان. وقد قاد هذا التوجه في الممارسة العملية إلى منع هذه البلدان من بناء وتطوير اقتصادها الوطني وصناعتها الوطنية أو تحديث زراعتها، والتي ساهمت بدورها في الفقر والبطالة وضعف الوعي الاجتماعي والسياسي وغياب التنوير الديني. أي إنها صادرت عملياً المستلزمات الأساسية لبناء مجتمع مدني حديث وحياة ديمقراطية حرة. وبالتالي تقاطعت بالكامل مع ما كانت وما تزال تدعيه من دفاعها عن الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان.
** اتخذت الولايات المتحدة ومن ثم الدول الغربية فيما بعد وعلى الدوام مواقف مناهضة لحركات التحرر الوطني وتعاونت مع جميع القوى الظلامية والظلم ولكنها أهملت إقامة أي علاقة مع القوى المدنية والعلمانية المتنورة والديمقراطية التقدمية، بل حاربتها وحرضت الحكومات المتحالفة معها على معاداتها والسعي لتصفية أحزابها. ويمكن لي أن أؤكد ذلك من خلال إيراد ما حصل بالعراق في العام 1963 حيث ساعدت وكالة المخابرات المركزية بتوفير قوائم عن الشيوعيين والديمقراطيين ودورهم ..الخ لإلقاء القبض عليهم وقتل الكثير منهم تحت التعذيب.
** التأييد المطلق للسياسات الإسرائيلية دون تمييز مما أدى إلى عدة مسائل سلبية هي:
أ‌. تمادي السياسات الإسرائيلية في توجهها اليميني المتطرف وشن الحروب التي كانت تقود باستمرار إلى اقتطاع المزيد من الأراضي الفلسطينية لصالح إسرائيل وبناء المزيد من المستوطنات الصهيونية في الضفة الغربية وسقوط الكثير من الخسائر البشرية، وخاصة النساء والأطفال والمدنيين من الرجال، والكثير من الدمار والخراب والبؤس والفاقة والحرمان والحصار في الجانب الفلسطيني، وقلة من القتلى والخراب في الجانب الإسرائيلي، رغم إن موت أي إنسان من الطرفين هو خسارة زائدة لا معنى لها.
ب‌. أدت سياسية الغرب وإسرائيل إلى تنامي ظاهرة رفض السياسة الغربية إزاء القضية الفلسطينية على نطاق العالم العربي والإسلامي والقناعة بالانحياز المطلق للغرب لصالح إسرائيل مما قاد بدوره إلى التحول صوب السياسات القومية اليمينية والإسلامية المتطرفة والتكفيرية، والتي يعيش تحت وطأتها العالم العربي والإسلامي في الوقت الحاضر.
ت‌. قناعة العرب والمسلمين بأن كل الحروب التي خاضتها إسرائيل ضد العرب قد حصلت فيها على دعم كامل وتأييد من جانب الولايات المتحدة الأمريكية وبقية الدول الغربية، وهي حروب لم تكن عادلة ولم يكن كيان إسرائيل مهدداً بالخطر، بل كانت حروباً ظالمة وألحقت أضراراً فادحة بالمنطقة وبالحياة المدنية والتقدم الاجتماعي.
ث‌. ساهمت السياسات الغربية وسياسة إسرائيل وطبيعة النظم السياسية في المنطقة إلى حصول سباق تسلح متواصل حتى الآن لم تستفد منه الشعوب العربية، بل حققت أرباحاً طائلة لاحتكارات الصناعات العسكرية وتجار الحروب في مقابل موت الكثير من البشر وخسائر مالية هائلة من موارد النفط الخام المصدر لهذه البلدان التي اقتطعت من لقمة عيش شعوبها، إضافة إلى استمرار التخلف الاقتصادي فيها.
ومن هنا يستخلص الكاتب لودرز بصواب الأسباب الواقعية في كراهية الشعوب في المنطقة للسياسات الغربية عموماً ولسياسات الولايات المتحدة الأمريكية بشكل أخص في المنطقة وتدخلاتها السياسية والعسكرية المستمرة طيلة العقود المنصرمة. ويؤكد الكاتب بصواب بأن الثورة التي وقعت بإيران في العام 1979 والتي استولى عليها شيوخ الدين واحتلال الطلبة والشباب للسفارة الأمريكية طيلة أشهر كثيرة جاء بمثابة انتقام من جانب الشعب الإيراني من الانقلاب العسكري الذي نظمته ونفذته مخابرات الولايات المتحد الأمريكية وبريطانيا بإيران ضد د. محمد مصدق في العام 1953. ومن هنا يمكن استخلاص الدرس القيم الذي تؤكده حياة الشعوب: “من يزرع الريح يحصد العاصفة”.
إن ما يقدمه الدكتور لودرز في كتابه القيم الجديد هو تأكيد لما تعرفه الغالبية العظمى من مثقفي شعوب الدول العربية والواعين من الناس، ولكنه مهم وأساسي بالنسبة لفتح عيون وعقول الكثير من أبناء وبنات الولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا والدول الغربية، وخاصة الشبيبة منهم الذين لم يرافقوا السياسات الغربية إزاء الشرق الأوسط طيلة عقود القرن العشرين، إضافة للأحداث التي وقعت في أعقاب تفجيرات قوى الإرهاب الفاشية للإسلام السياسي في الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001 حتى الوقت الحاضر والذي عالجه الكاتب د. لودرز في مفردات الكتاب الأخرى والتي سنأتي عل بعضها في الحلقات القادمة.
انتهت الحلقة الأولى وتليها الحلقة الثانية.
23/7/2015
أجمل السيد الدكتور حامد فضل الله ببرلين، الذي نشر مقالاً مكثفاً ومهماً عن المقال في الحوار المتمدن بتاريخ 20/7/2015 تحت عنوان “زراعة الريح وحصاد العاصفة- فشل السياسية الغربية في الشرق الأوسط”، بعض المعلومات المهمة عن الدكتور ميخائيل لودرز والتي أضعها في أدناه:
ميخائيل لودرز
ولد ميخائيل لودرز عام 1959 في مدينة بريمن. درس الأدب العربي في دمشق، والدراسات الإسلامية، والعلوم السياسية والصحافة في برلين. أكمل الدكتوراه في موضوع السينما المصرية. له أفلام وثائقية لقنوات تلفزيون ألمانية مثل SWR وWDR. وهو منذ فترة طويلة مراسل في الشرق الأوسط لصحيفة دي تسايتDIE ZEIT الأسبوعية. يعيش مستشارا سياسيا واقتصاديا، وكصحفي وكاتب في برلين.
• وهو معلق ومحلل سياسي في وسائل الإعلام الألمانية والسويسرية والنمساوية فيما يتعلق الشرق الأوسط، العالم العربي، والإسلام، بما فيها قنوات التلفزيون ARD، ZDF، RTL،SAT 1، 3sat، N24، N-TV، TV Spiegel، وجميع القنوات الإذاعية التابعة لـ ARD والمحطات الإذاعية الخاصة
• محاضر في مركز دراسات الشرق الأدنى والأوسط، جامعة فيليبس بمدينة ماربورغ
• نائب رئيس هيئة إدارة مؤسسة المشرق الألمانية Deutschen Orientstiftung
• عضو في المجلس الاستشاري لجمعية الشرق الأدنى و الأوسط NUMOV
• محاضر حول فرص الاستثمار في العالم العربي
• مستشار الوزارة الخارجية الألمانية
• محلل خبير لـ مؤسسات GTZ وBMZ
• محلل خبير في أسباب العنف في المجموعات الإسلامية
• محاضر زائر حول التوترات بين الغرب والعالم العربي الإسلامي في الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا وأفريقيا
• راسل بعثات دراسية لمؤسسة فريدريش إيبرت في آسيا الوسطى (كازاخستان وأوزبكستان وطاجيكستان وقيرغيزستان)
• منظم ندوات ومؤتمرات وندوات دولية
• روائي ومؤلف كتب ودراسات.
الكتب والدراسات (باللغة الألمانية)
إيران: الحرب الزائفة، 2012
يوم الغضب. كيف غيرت الثورة العربية العالم 2011
الظل الله الطويل لماذا نحن لسنا بحاجة إلى الخوف من الإسلام، 2011
في قلب الجزيرة العربية. الفخر والعاطفة – لقاء مع ثقافة متزقة، 2006
الشاي في حديقة تيمور. مناطق الأزمة بعد الحرب على العراق، 2003
ابتسامة النبي. رحلة إلى بلاد عرب 2002
“نتمنى الموت.، من أين يأتي العنف في الإسلام الجهادي؟ 2001
الروايات (باللغة الألمانية)
كلب غبي، 2010
لقطات كبيرة قصص تحت شجرة من الجنة 2008
مطعم أمينة 2006
خيانة 2005
الذهب في الجلف الكبير، 2001

قراءة في كتاب “من يزرع الريح… ” للدكتور ميخائيل لودرز
الحلقة الثانية (2-3)
واشنطن والرياض هما من ساعدا على ولادة القاعدة وما انبثق عنها
يقدم لنا الكاتب الدكتور ميخائيل لودرز عرضاً تحليلياً شيقاً عن دور كل من الولايات المتحدة الأمريكية والسعودية وباكستان ودول أخرى وأموال أغنياء وشيوخ الدول النفطية وغيرهم في بروز وتنامي الفكر التكفيري المتطرف والإرهابي بمنطقة الشرق الأوسط ودول ذات الأكثرية المسلمة وبالعالم. ولهذا الغرض يعود بنا إلى الوراء، إلى فترة الحرب الباردة ودور الولايات المتحدة في محاولتها للتوغل والهيمنة على أفغانستان في النصف الثاني من العقد الثامن، مما دفع الدولة السوفييتية إلى التدخل العسكري وحماية النظام السياسي الأفغاني في العام 1979. وكان قرار التدخل خاطئاً. وكان نشر أخبار التدخل الأمريكي قبل ذاك فخاً هيأته الولايات المتحدة للاتحاد السوفييتي على حسب ما جاء في لقاء صحفي مع مستشار الأمن القومي السابق بزيغينيو بريجنسكي (الكتاب ص 25) . لقد استنزف التدخل غير المشروع طاقات كبيرة جداً من الاتحاد السوفييتي، فقد سقط الكثير من الضحايا وتحمل السوفييت خسائر مادية كبيرة جداً، كما إنه ساهم في توسيع قادة البيروقراطية والفساد وأضعف الدولة وقدراتها وثقة الشعب بها, ثم ساهم في تهيئة الأرضية الإضافية لانهيار الدولة السوفييتية التي كان قد بلغ عمرها حينذاك 72 عاماً.
ومن أجل مواجهة الاتحاد السوفييتي بأفغانستان وفي المنطقة بأسرها فتحت الولايات المتحدة القارورة ليخرج منها القمقم الإسلامي الوهابي الذي يكفر كل الأديان الأخرى والمذاهب الإسلامية كافة إلا مذهبه الحنبلي الوهابي وتحالفت مع السعودية لا في سبيل حماية النظام وتأمين استمرار الحصول على النفط الخام وتوظيف الأموال السعودية في بنوك الولايات المتحدة فحسب، بل وفي حربها ضد حركات التحرر الوطني والأحزاب الشيوعية بالمنطقة والاتحاد السوفييتي. كما تحالفت مع باكستان التي كانت لها علاقات قوية مع التنظيمات الإرهابية حينذاك، فنشطت بذلك جميع الكتل الإسلامية السياسية الإرهابية العاملة بأفغانستان وباكستان، ومنها فيما بعد طالبان، إذ لعبت الإدارة الأمريكية دوراً رئيسياً وأساسياً في إيصال السلاح والعتاد والتدريب على استخدامه وتقديم الدعم اللوجستي، وكل ذلك بأموال السعودية على نحو خاص وبتوجيه خاص ونشاط متميز لوكالة المخابرات الأمريكية وعملائها بالعالم.
المطلع على واقع المملكة العربية السعودية والمذاهب الدينية في الإسلام يعرف بأن المملكة العربية السعودية قد التزمت بالفكر الوهابي، أي الفكر الديني المنبثق في الأصل عن المذهب السني الحنبلي المتشدد أصلاً، وعن فكر واجتهاد وفتاوى أبن تيمية المحافظ والسلفي المتشدد والذي تبناه محمد عبد الوهاب (1703/1704-1792م) وأرسى أسسه بالجزيرة العربية. وهو فكر متطرف وتكفيري، إذ يرفض كل الديانات الأخرى دون استثناء عدا الإسلام، وبالتالي يكفر أتباع الديانات الأخرى، كما يرفض كل المذاهب الأخرى في الإسلام، عدا الفكر الوهابي، ويكفر أتباع بقية المذاهب ويمارس التسلط والعنف بكل أشكاله ضد أتباع تلك الديانات والمذاهب، بما في ذلك منح أتباعه الحق في القتل وفي السبي والاغتصاب للنساء، لتحقيق أهدافه في إخضاع كل المسلمين إلى وجهته في المذهب، إلى الاجتهاد الوهابي التكفيري والعنفي المتطرف. ويذكرنا الكاتب بهذا الصدد ما فعله الوهابيون السعوديون بكربلاء والنجف في العام 1801، حيث قام الغزاة القادمون من الجزيرة العربية بقتل وسبي واغتصاب ونهب المدينتين بسبب إن سكان كربلاء والنجف من أتباع المذهب الشيعي والذين يعتبرونهم رافضة، أي رافضة للخلفاء الراشدين الثلاثة أبا بكر وعمر وعثمان، وإن من يستشهد من أتباع الفكر الوهابي في مثل هذه المعارك يدخل الجنة مباشرة وهو ما يبشر به اليوم أتباع القاعدة وداعش وغيرهما من التنظيمات الإسلامية السياسية المتطرفة والتكفيرية. ويضاف إلى العداء الذي يحمله الوهابيون ضد أتباع الديانات والمذاهب الأخرى، موقفهم الديني المتطرف من المرأة، فهي ليست ناقصة عقل فحسب، بل هي الشيطان حين تكون في خلوة مع رجل. فهي ناقصة عقل ويفترض أن تكون خاضعة بالكامل للرجل ولا يجوز ظهورها في المجتمع سافرة أو دون حجاب، ولا يحق لها قيادة سيارة أو دراجة هوائية أو دراجة بخارية …الخ ولا يجوز لها ارتداء ملابس يمكن ويتصور الفكر الوهابي المريض إنها مغرية للرجال. والصيغة الفعلية للمدرسة الوهابية في الموقف من المرأة ما نجده في فرض الغطاء الكامل (البرقع) الذي تتستر به المرأة الأفغانية. ويمكن للتعليمات التي أصدرتها داعش بالموصل حول المرأة ومضامين شريعتهم تتطابق تماماً ودون أي تغيير مع شريعة الوهابيين السعوديين. إن الفكر الوهابي هو فكر القاعدة وداعش بما في ذلك الموقف من المرأة وحجابها وهم يستندون إلى شيوخ دين متزمتين ومناهضين لحرية المرأة ومنهم الغزالي الذي قال: ” لم يزل الرجال على ممر الزمان مكشوفي الوجوه، والنساء يخرجن منتقبات” .. ، وقال ابن حجر:” العمل على جواز خروج النساء إلى المساجد والأسواق والأسفار منتقبات لئلا يراهن الرجال “، وكأن النساء جرثومة ضارة تفتك بالرجال.
يمر الدكتور ميخائيل لودرز على المحطات الأساسية لتاريخ العائلة والدولة السعودية الحديثة التي تأسست في 23 أيلول/سبتمبر من عام 1932 ويشير إلى دور الفكر السلفي الوهابي في التربية والتعليم وفي المدارس الدينية وغير الدينية بالمملكة السعودية من جهة، وتلك المدارس والأكاديميات التي فتحتها الدولة السعودية في غالبية الدول ذات الأكثرية المسلمة، ومنها بشكل خاص في باكستان وإندونيسيا وأفغانستان، وكذلك بالدول العربية والأوروبية والتي تدرس فيها أسس الشريعة الوهابية المتشددة والتكفيرية والتي خرجت مئات ألوف الطلبة المتطرفين والمستعدين لقتال أتباع الديانات والمذاهب الأخرى بالسعودية وباكستان وأفغانستان وإندونيسيا والسودان ومصر ودول الخليج وغيرها. لقد فتحت تلك المدارس والأكاديميات بأموال سعودية ومعلمين من السعودية وبكتب تربوية ودينية سعودية متطرفة التزمت بالتعاليم الوهابية في الدين. ومن هنا يكشف المؤلف بصواب حين أشار إلى إن عدد المشاركين من أتباع تنظيم القاعدة في تنفيذ العمليات الإجرامية في الولايات المتحدة الأمريكية في 11 أيلول/سبتمبر 2001 كانوا 19 شخصاً من العرب المسلمين الوهابيين فكراً وممارسة منهم: 15 سعودي، 2 إماراتيين و1 مصري و1 لبناني. كما إن القائد الأول لتنظيم القاعدة هو السعودي أسامة بن لادن الذي تربى عسكرياً على أيدي الأمريكيين وفكرياً وثقافياً على الفكر الوهابي المتطرف. وجميع قادة القاعدة وداعش هم من أتباع الفكر الوهابي، حتى البعثيين الذين التحقوا بداعش التزموا بممارساتهم الشرسة بالفكر الوهابي، إضافة إلى فكرهم البعثي الفاشي والسادي.
حين انتهى انتصار القوى الإسلامية السياسية المتطرفة في أفغانستان وانسحاب القوات السوفييتية وسقوط نظام الدكتور نجيب الله وإعدامه فيما بعد هيمن الطالبانيون الوهابيون بقيادة الشيخ عمر على أفغانستان واحتضنوا أسامة بن لادن، ومنهم نشأ تنظيم القاعدة أو قاعدة الجهاد في الفترة بين 1988-1990. وقد أعلن التنظيم جهاده ضد الوجود الأجنبي ومصالحه وسفاراته في دول العالم الإسلامي. وهنا يمكن القول بأن السحر انقلب على الساحر، إذ من أفغانستان ومن حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية وأبناء التنظيم الوهابي، برمج تنظيم القاعدة ونظم ونفذ كل العمليات الإرهابية التي قادها التنظيم ضد المصالح والسفارات الأمريكية وبشكل خاص في دار السلام (تنزانيا) ونيروبي (كينيا) في العام 1998 في آن واحد وفي الذكرى السنوية الثامنة لدخول القوات الأمريكية إلى السعودية، ومن ثم جرائم 11 سبتمبر 2001. وهنا يشير الكاتب بصواب تام إلى إن واشنطن والرياض هما القابلة التي ساعدت على ولادة القاعدة، وهما اللتان وفرتا الأرضية الصالحة لبروز ونمو داعش وبالتعاون الوثيق مع تركيا وقطر وبعض دول الخليج وشخصيات وجماعات إسلامية في مختلف بقاع الأرض.
يمنح الكاتب الكاتب في دراسته أهمية خاصة لتقديم الأدلة القاطعة والمقنعة على الدور الكبير والأساسي الذي لعبته الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها (السعودية وتركيا وإسرائيل وقطر وغيرها) بمنطقة الشرق الأوسط في نشوء وتطور تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام (داعش) من خلال السياسات الأمريكية والفكر الوهابي السعودي والأموال السعودية والخليجية عموماً والدعم اللوجستي التركي في مسألتين رئيستين هما:
أولاً: يتساءل الكاتب عن حق عن مضمون الأخطاء التي ارتكبتها الولايات المتحدة الأمريكية بعد إسقاط النظام الدكتاتوري البعثي وصدام حسين ببغداد. ويجيب عليها بنقاط نلخصها فيما يلي:
** الفراغ الكبير الذي نشأ بغياب السلطة المركزية وتفشي الفوضى والعبثية والنهب والسلب للوزارات والمؤسسات والمتاحف والمكتبات ودور مئات المسؤولين البعثيين التي كانت تتم تحت سمع وبصر ورضا الجنود والضباط الأمريكان. ولم يكن أي اهتمام من جانبهم لما كان يحصل في ما عدا حمايتهم لوزارة النفط العراقية! وقد عانى الناس من نقص شديد في الخدمات بسبب العواقب التي نجمت عن الضربات الجوية والمدفعية التي دمرت البنية التحتية كالماء والكهرباء والكثير من المؤسسات والمدارس وغيرها ولوثت بذلك الأرض والماء والسماء والإنسان.
** الدور الذي لعبه باول بريمر، الحاكم المدني الأمريكي والمستبد بأمره الذي شكل مجلس الحكم الانتقالي ولم يسع للتعاون مع القوى العلمانية بل ركز على إقامة الحكم الطافي والمحاصصة الطائفية والتي أسست لنشوء وتفاقم صراع طائفي بين القوى والأحزاب السنية والشيعية والتي أدت إلى القتل على الهوية في الصراع من أجل السلطة والمال والجاه. وفي مثل هذه الأجواء ظهر ونما دور تنظيم القاعدة بالعراق ومن ثم نشأ عنه تنظيم الدولة الإسلامية (داعش).
** وأخيراً يطرح الكاتب العامل الثالث والجوهري مشيراً إلى قرار حل الجيش والشرطة وأجهزة الأمن والاستخبارات العراقية وفدائيي صدام حسين والحرس الجمهوري وتركهم جميعاً في الشوارع دون رواتب أو رقابة ودون مسؤوليات، مما دفع ب بالكثير منهم، وبشكل خاص البعثيين منهم، إلى التحول صوب مواقع المقاومة العسكرية المسلحة، وخاصة بعد إعلان احتلال العراق بقرار من مجلس الأمن الدولي…الخ. ويشير هنا إلى إن السياسات التي مارسها باول بريمر في تقسيم الحكم بين الشيعة والسنة والكُرد والتمييز الذي مارسه قادة الأحزاب الشيعية إزاء السنة وبشكل خاص في فترة حكم نوري المالكي (2006-2014) قد كانت هذه السياسات السبب المباشر وراء نهوض أو تصاعد المقاومة السنية للحكم الشيعي والتي ساعدت على نمو تلك القوى التكفيرية المتطرفة مثل تنظيم القاعدة وداعش نتيجة ممارسته سياسة طائفية ممعنة في التشدد وإبعاد السنة عن ممارسة الحكم بشكل سليم. وأصبحت مجاميع من السنة حاضنة لهذه القوى المتطرفة وحامية لها. ويحمّل الكاتب بصواب المليشيات الشيعية المسلحة مسؤولية المشاركة الفعالة في نهوض المقاومة السنية المسلحة والتنظيمات الإرهابية التي لعبت دوراً كبيرا فيما بعد وخاصة في أعوام 2011-2014. وهنا يؤكد الكاتب الفجوة الواسعة والعميقة بين الإدعاء بالحرية والديمقراطية وواقع الصورة المشوهة لهما التي برزت بالعراق خلال هذه الفترة وسكوت الولايات المتحدة عن كل التجاوزات التي حصلت من قبل رئيس الحكومة نوري المالكي على الدستور والحقوق والأعراف. وهنا تتشكل بوضوح اللوحة المشوهة التي تجسد التناقض الفظ بين سياسات الولايات المتحدة الأمريكية بالعراق وادعائها الفارغ بأنها تريد نشر الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان. لقد مارست الولايات المتحدة الأمريكية على امتداد الفترة التي وجدت قواتها بالعراق سياسات مناقضة لكل ذلك ومنها الممارسات اللاإنسانية في سجن “أبو غريب”، حيث مورست أبشع أشكال التعذيب الوحشي الذي لا يمت حتى لفصيلة الحيوانات بصلة مع المعتقلين العراقيات والعراقيين والأطفال في آن واحد. إنها وصمة عار أبدية في جبين الإدارة الأمريكية إدارة بوش. والغريب بالأمر أنهم لم يعتذروا عن ذلك حتى الآن!! ومن هنا يأتي الطلب العادل والجرئ الذي يطرحه الدكتور ميخائيل لودرز بتقديم جورج دبليو بوش وديك جيني ودونالد رامسفيلد وبول بريمر والجنرال ديفيد بتريوس والجنرال ريكاردو سانشيز وقادة سياسيين وعسكريين أمريكيين آخري، إضافة إلى رئيس وزراء بريطانيا السابق توني بلير، إلى المحاكمة أمام محكمة العدل الدولية ومحكمة حقوق الإنسان لينالوا عقابهم جراء ما تسببوا به للعراق وشعبه.
ثانياً: الأخطاء التي ارتكبتها الولايات المتحدة في الموقف من النظام السوري وبشار الأسد والمعارضة السورية والتي سارت وراء، أو ربطت سياساتها بسياسات تركيا والسعودية وقطر التي التزمت بتنشيط المعارضة الدينية المتطرفة والتكفيرية الوهابية وتلك التي ارتبطت بقطر وتركيا مباشرة ولم تمنح نفسها فرصة الاستقلالية في نضالها من أجل دحر النظام الدكتاتوري في سوريا. كما يرى الكاتب لودرز بأن ليس كل الشعب السوري انتفض على النظام البعثي الاستبدادي القائم بسوريا، وهذا صحيح، ولكن هذا لا يعني بأن موقف القوى المدنية والعلمانية الديمقراطية من النظام السياسي البعث الاستبدادي كان خاطئاً في الانتفاضة السلمية الأولى على النظام ولكن رفض النظام الاستجابة لمطالب غالبية الشعب هي التي وفرت الأرضية للفوضى والعبثية والموت والتدمير الراهن في أغلب المدن السورية وأريافها.
لم ينطلق موقف الدول التي ناهضت النظام السوري الحالي ديمقراطي أو في صالح الشعب السوري، بل انطلق من مصالح تلك الدول. وهي المسألة التي كان لا بد للقوى الديمقراطية المدنية أن تنتبه له. وكان لتلك الدول العربية زائداً تركيا تأثيراً مباشراً على الوضع بسوريا باتجاهين هما: 1) الإمساك بخيوط الجيش السوري الحر والتحكم به وبإمكانياته في الحصول على الموارد المالية والسلاح والتجييش من جهة، والعمل الدؤوب على دعم وتعزيز وجود ونشاط قوى الإسلام السياسي المتطرفة والتكفيرية المناهضة للنظام السوري من جهة أخرى. كما إن قوى الإسلام السياسي التكفيرية والدول العربية وتركيا الحاضنة لها يقفان على طرفي نقيض مع القوى المدنية والديمقراطية السورية ومناهضتان لها في كل الأحوال. أي إنها كانت تناهض قوى ونشاط الجيش السوري الحر وتحد من إمكانياته وحركته فعلياً. هذا الواقع قد أدى إلى تغيير سلبي في موازين القوى في غير صالح الجيش السوري الحر والقوى الديمقراطية السورية وعزز في الوقت ذاته القوى التكفيرية مثل داعش وجيش النُصرة، كما أن نظام بشار الأسد لم يسقط، كما توقعت تركيا وقطر والسعودية ودول خليجية أخرى، وكذا الولايات المتحدة الأمريكية بل صمد حتى الآن بفعل دعم إيران وروسيا والصين الشعبية. ويشير الكاتب إلى إن المأزق قد تفاقم حين تشكل معسكران أحدهما على الصعيدين الإقليمي والدولي، أحدهما يؤيد بشار الأسد وبقاءه في الحكم ويمنع سقوطه، والآخر يعمل على إسقاطه دون جدوى. كما إن الولايا المتحدة تخشى من انفلات الوضع كلية، وكأنه الآن غير منفلت، لصالح القوى التي ساعدت على نشوئها وتطورها، والمقصود هنا قوى الإسلام السياسي التكفيرية المتطرفة. والخشية تمس إسرائيل التي لا تعرف تماماً كيف ستتصرف إن خلا الجو لها بسوريا إزاء الجولان وعموم فلسطين، رغم إن هذه القوى لم تتحرش حتى الآن بإسرائيل بل كان عملها كله موجه ضد الشعوب العربية.
ويؤكد الكاتب بشأن الوضع بسوريا إن الحلول العسكرية غير قادرة على حسم الموقف لصالح أحد الأطراف الأربعة: الجيش السوي الحر، داعش، النُصرة (القاعدة)، والنظام السوري الذي تسانده قوات حزب الله ومليشيات شيعة عراقية مسلحة والحرس الثوري الإيراني، وبالتالي ارتفعت الدعوة إلى حل سلمي والذي يؤيده الكاتب إذ لا يرى حلاً أخر يتجنب الحوار مع بشار الأسد. وهي مسألة بحاجة إلى مناقشة جادة. ويرى صواب المقترح المطروح من روسيا في انخراط القوى المعارضة المدنية في عملية سلام مع النظام السوري لمواجهة قوى الإسلام السياسي التكفيرية باعتبارها المهمة الأساسية التي تفوق مهمة الخلاص من بشار الأسد ونظامه بالتالي فالسلام يفترض أن يتم مع نظام بشار الأسد.
إن الدكتور لودرز يدين النظام السياسي في سوريا ويعتبر بشار الأسد دكتاتوراً لا يتورع عن كل شيء للاحتفاظ بالسلطة ونظام البعث. إن متابعة الأحداث بسوريا يمكن القول بأن بشار الأسد مسؤول عن قتل عشرات الآلاف من السوريين من مختلف الأعمار، إذ استخدم مختلف الأسلحة، بما في ذلك السلاح الكيماوي وبراميل النفط المتفجرة، وساهم بتدمير الكثير من المدن السورية والتراث الحضاري السوري. ولكنه يرى في الأسد أيضاً شخصية براغماتية استطاعت أن تستفيد من الصراعات الداخلية والإقليمية والدولية للحفاظ على السلطة وعلى مواقعه بسوريا والاحتماء بمناطق العلويين وقواهم. ويرى إن القوى الأخرى المدنية ضعيفة وغير قادرة على إحراز النصر، في حين تعززت خلال الفترة المنصرمة قوى الإسلام السياسية التكفيرية داعش والنُصرة، وبالتالي فإن الحرب الأهلية لا تقود إلى حسم الموقف والضحية الرئيسية هم المدنيون السوريون واللاجئون والنازحون السوريون. واستناداً إلى هذا الموقف يدعو المعارضة المدنية والقوى التي تسمي نفسها أصدقاء الشعب السوري بالانخراط بالعملية السياسية التي تدعو لها إيران وروسيا والصين الشعبية.
انتهت الحلقة الثانية وتليها الحلقة الثالثة:
2 / 8 /2015

الحلقة الثالثة (3-3)

موقف الكاتب من تنظيم الأخوان المسلمين

سأحاول في هذه الحلقة، وهي الأخيرة، مناقشة بعض الأفكار الواردة في كتاب الدكتور ميخائيل لودرز التي لنا فيها وجهات نظر متباينة والتي تستحق المناقشة ووضعها أمام القارئات والقراء الكرام. وهي على العموم لا تخل بأهمية الكتاب وتميزه عن الكثير من الكتاب الألمان والأوروبيين.

يصعب على الباحث الموضوعي والعقلاني أن يفهم أو يفسر العوامل الكامنة وراء الموقف السياسي للاتحاد الأوروبي ومواقف حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية من تنظيم الإخوان المسلمين. إذ من حيث المبدأ ليس هناك ما يبرر هذا التأييد للإخوان المسلمين حتى لو انطلقنا من المبادئ الواردة في اللوائح والمواثيق الدولية الخاصة بشرعة حقوق الإنسان، ومنها الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية..الخ. فهذا التنظيم يقف منذ تأسيسه بالضد من حقوق الإنسان ويدعو إلى العنف في مواجهة الآخر ويستمد أفكاره الأساسية من أرضية المذهب الحنبلي في الإسلام، المذهب السلفي المتخشب والمتشدد والسلفي، وهو نهج من حيث المبدأ تكفيري لكل ما هو غير المذهب الحنبلي. ومن يطلع بعمق وسعة على أدبيات الإخوان المسلمين بمصر ستكون كافية لمعرفة حقيقة هذا التنظيم الشمولي والاستبدادي والذي أصبح دولياً منذ عقود ويتضمن مجموعة من أسوأ شيوخ الإفتاء بالدول العربية وبالعالم. إن جذرهم الفكري من حيث الأساس واحد، أي الخروج من تحت عباءة الحنبلية وفكر أبن تيمية ومحمد عبد الوهاب. وبالتالي فأن الفرق بينهم وبين الجماعات التكفيرية الأخرى لا يبدو حقيقياً، بل من أجل أن يعمل الأخوان المسلمون علناً، ولكنهم يتحولوا إلى أصل تفكيرهم وممارساتهم حين يتسلموا السلطة أو يقفزوا عليها، كما حصل في مصر وفظروف غاية في التعقيد!

إن الحكومات الأوروبية والإدارة الأمريكية تعتقد بأن حكم الإخوان المسلمون هو النظام المناسب للدول العربية والدول ذات الأكثرية الإسلامية الذي يدعو إلى إقامة دولة دينية إسلامية بالدول العربية تأخذ بالشريعة الإسلامية وترفض فصل الدين عن الدولة وتحارب العلمانية والعقلانية في الفكر، في حين ترفض الدول الأوروبية كلها رفضاً باتاً ربط الدين بالدولة وكرس هذا المبدأ في دساتير جميع الدول الأوروبية، كما إن بعض أحزابهم التي تتسمى بالمسيحية، كما بألمانيا حيث يوجد الحزب الديمقراطي المسيحي والحزب الاجتماعي المسيحي في ولاية باير، يفصل بين السياسة والدين وبين الدولة والدين، وهي دول علمانية. ومن غير المفهوم أن تجد الموقف ذاته إزاء الحركات الإسلامية وخاصة جماعة الأخوان المسلمين عند الكثير من الكتاب الأوروبيين، ومنهم الكاتب الدكتور ميخائيل لودرز، رغم تميزه عن الكثير منهم في قضايا أخرى مهمة، الذين يدافعون عن الإخوان المسلمين بمصر وفي غيرها من الدول العربية دون وجه حق، كما أرى. إن الدول الأوروبية وكتابها يرفضون إقامة أحزاب سياسية على أساس ديني أو مذهبي، ولكنهم لا يمانعون بل يشجعون على قيام أحزاب سياسية إسلامية مثلاً في الدول العربية كما يدعون إلى اعتبار إن حقوق الإنسان لا تنطبق بالضرورة على الدول العربية والدول الأخرى ذات الأكثرية المسلمة حين يتحدثون عن خصوصية هذه الدول. وهي تعبر، كما يبدو، عن خشية حكومات هذه الدول من القوى والأحزاب السياسية الديمقراطية والتقدمية والعلمانية ذات الاتجاهات العقلانية. والغريب بالأمر إن هؤلاء الكتاب، ومنهم الدكتور لودزر، يتجاوزون كل النظم الداخلية ونشاطات فروع جماعة الإخوان المسلمين بالدول العربية ومخالفاتهم الفظة لحقوق الإنسان والحريات العامة والديمقراطية ويتخطون السياسات الخاطئة والمضرة والمستبدة التي يمارسها “الأخوان المسلمون” حين يكونوا خارج السلطة والاستبداد والقسوة في التعامل مع الفرد والمجتمع حين يكونوا في السلطة. وهذه المسألة لا تقتصر على جماعة الإخوان المسلمين فحسب، بل وجميع الأحزاب السياسية التي تبنى على أساس المذاهب والتيارات الإسلامية السياسية بما في ذلك المذاهب السنية الأربعة وما انبثق عنها من مدارس واتجاهات واجتهادات فكرية وتشريعية وسياسية، والمذهب الشيعي والنهج الصفوي في المذهب الشيعي أو ما تفرع عنهما أيضاً من اتجاهات وتشريعات وسياسات تتناقض مع المجتمع المدني ومع الديمقراطية وحقوق الإنسان.

إن الفكر الديني شمولي ويعتمد على قواعد أو أسس لا يمكن القبول بها في أي مجتمع يسعى لبناء دولة مدنية حديثة ومتطورة. فـ “حاكمية الله” و “الإسلام هو الحل” و “الحدود في الإسلام” تتعارض كلية مع الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات العامة ومع استخدام العقل والعلم. إن سنة واحدة من حكم محمد مرسي برهن على الطابع الشمولي لحكم الإخوان المسلمين ورفضهم للفكر والرأي الآخر. وهذا ينطبق على الجماعة الشيعية في الحكم كما بإيران حيث ولاية الفقيه. فالولي الفقيه يعتبر الشخص الوحيد الذي يقرر كل شيء، وهو وكيل الله على الأرض وسكانها. وينطبق على هؤلاء جميعاً المثل العربي المعروف عن علاقة صيادين بغنيمتهما من الصيد حين يقول الصياد القوى للضعيف: تريد أرنب خذ أرنب، تريد غزالة خذ أرنب! وبهذا فهم يمارسون الاستبداد ورفض الآخر شئت أم أبيت فحصتك أرنب لا غير كما فعل الصياد القوي!!     

إن ما حصل بمصر كان انتفاضة شعبية ضد حكم مبارك في إطار ما أطلق عليه بالربيع العربي. وسرقت نتائج الانتفاضة من جانب الإخوان المسلمين لعوامل كثيرة. فحصلت انتفاضة ثانية ضد سياسات الدكتور محمد مرسي الذي أراد تكريس سلطة الإخوان المسلمين الفردية وإلى الأبد، وكان يتعامل مع الوضع بالطريقة التي تعامل معها صدام حسين حين ردد مراراً وتكراراً “جئنا لنبقى!”، أو كما فعل نوري المالكي حين قال بملء الفم “أخذناها بعد ما ننطيها”! إن ما حصل في الانتفاضة الثانية كانت انتفاضة أكثر من 30 مليون مصري ومصرية أدركوا ما يراد بهم ولهم. رفضوا سلطة الإخوان المسلمين بشجاعة نادرة تماماً كما رفضوا سلطة محمد حسني مبارك. ولكن للأسف الشديد لم تستطع قوى المجتمع المدني المصري أخذ الحكم بيديها وتصارعت في ما بينها، ولم تكن تجربة الشبيبة وتنظيماتها قادرة على ذلك أيضاً. فسيطر العسكر على السلطة وزج بمجموعة من قادة الانتفاضة الشعبية في السجون لا لسبب إلا لأنهم تظاهروا ضد قوانين ظالمة وبعيداً عن حقوق الإنسان!!. وما يعيشه الشعب بمصر اليوم هو نتيجة منطقية لإخفاق المجتمع المدني وقواه الديمقراطية والعلمانية . وعلينا أن لا نقارن بين أيهما أفضل حكم الإخوان المسلمين أو حكم العسكر. فكلاهما غير مناسب للمجتمع المدني والحياة الديمقراطية بمصر. وبالتالي فالربيع العربي بمصر لم ينته بعد ويعاني من انتكاسة ربما طويلة الأمد، وربما سيحتاج الشعب المصري وقتاً طويلاً نسبياً ليعود إلى الواجهة ويحمل شعار “الشعب يريد إسقاط النظام”، ولكن بصيغة أكثر وعياً وإدراكاً للتجربة التي مرَّ بها ثوار مصر وأكثر قدرة على تنظيم عمله وفعالياته.

لا يمكن ولا يجوز المقارنة بين استبداد واستبداد، والقول أيهما الأسوأ، فكلاهما سيء, الاستبداد الديني منهك ومن ثم مهلك لعقل الإنسان ومشوه لحياته ويتجاوز على حقوقه، وكذا الاستبداد العسكري الذي يحاول ربما أن يتمسح بالدين أيضاً لينافس الإخوان المسلمين. كل المؤشرات المتوفرة تشير إلى إن الوضع بمصر سيعود تدريجاً إلى الصيغة التي كان عليها الحكم في فترة محمد حسني مبارك. لهذا فالربيع العربي وما حققه الإنسان والمجتمع المصري لم ينته بعد وستأتي التتمة فيما بعد، طال الوقت أم قصر، بطريقة مماثلة ولكنها أكثر وعياً وتنظيماً وأكثر تشابكاً وتكاملاً بين العامل الذاتي والعامل الموضوع الذي لم يبرز تماماً في الوضع الثوري السابق بمصر نتيجة تخلف العامل الذاتي عن العامل الموضوعي.

والمسألة الثانية التي أثارها الكاتب الدكتور ميخائيل لودرز هو الموقف من سوريا. يمكن أن نشير إلى الحقيقة التالية التي تجاوزها الدكتور لودرز أو أغفلها وحاول الابتعاد عنها، وأعني بذلك ابتعاده عن ذكر الأسباب وراء تفاقم الوضع بسوريا وبروز واسع وكبير لقوى الإسلام السياسي المتطرفة والتكفيرية والعدوانية، سواء أكانت من داعش أم النُصرة أم من ما يماثلهما. نظام الحكم الدكتاتوري بسوريا رفض مطالب جمهرة المثقفين المدنيين الديمقراطيين الذين تقدموا بها إلى الحكومة وبشار الأسد منذ سنوات قبل الانتفاضة الشعبية، ولم يكتف بذلك بل اعتقل قادة هذا التحرك، بل اعتقل حتى مجموعة من البعثيين والقوميين الذين شاركوا بهذه الحركة المدنية ولم يطلبوا بإزاحة حكم البعث من السلطة، بل لأنهم طالبوا بتوفير أجواء ديمقراطية وحريات عامة واحترام حقوق الإنسان بالبلاد. وكان علينا نحن مثقفي الدول العربية النضال من أجل إطلاق سراحهم. فلو كان هذا المستبد بأمره قد استمع إلى صوت العقل وحقق بعض ما طالب به المثقفون السوريون لما تسارعت الأمور بالوجهة الراهنة. لقد مارس الحديد والنار في مواجهة مطالب أناس مدنيين غير مسلحين، مما استوجب تغيير تكتيكاتهم مع بقاء الاستراتيج ذاته. ثم دخلت قوى محلية وإقليمية ودولية على الخط لتشوه وتسيء إلى الحركة المدنية السلمية التي كانت تسعى إلى تغيير الوضع بصورة سلمية وديمقراطية. إن المسؤولية الأولى عن الحرب الأهلية وعن القتلى الذين سقطوا والخراب الذي عمل البلاد هو النظام السوري وبالدرجة الأولى حزب البعث وبشار الأسد، الذين رفضوا منح الحريات العامة والحياة الديمقراطية والخلاص من حكم الحزب الواحد فعلياً، رفضوا التغيير. وهذا الرفض قاد إلى مزيد من التداعيات والتباعد والقتال وإلى الكوارث والخراب الذي يعيش تحت وطأته الشعب السوري حالياً.

إن الدعوة إلى المفاوضات السلمية ضرورية ولا بد منها بسوريا، إذ إن ميزان القوى غير مناسب لأي من الطرفين على إحراز النصر. ولكن هذا لا يعني أن المفاوضات ينبغي لها أن تحتفظ بالأسد رئيساً بسوريا. فهو المسؤول المباشر باعتباره رئيس الجمهورية والقائد العام للقوات المسلحة الذي تسببت قراراته وخوض الحرب إلى قتل عشرات الآلاف من المدنيين. إن المفاوضات ينبغي لها أن تسقط بشار الأسد في المحصلة النهائية. إن عودة الظروف الطبيعية لسوريا سيجد الشعب السوري ضرورة تقديم بشار الأسد ومجموعة من قادة الحكم إلى المحاكمة أمام القضاء المحلي والدولي، لأنهم ارتكبوا جرائم حرب، وكذا الجماعات الإسلامية السياسية المتطرفة والتكفيرية. كما لا بد من محاسبة كل من تركيا وقطر والسعودية على أدوارهما القذرة بسوريا.

وكتب الدكتور ميخائيل لودرز عن تونس وعن دور راشد الغنوشي في إبعاد تونس عن الفوضى وسرقة نتائج الانتفاضة كما حصل في دول أخرى. على الباحث هنا أن ينتبه إلى حقائق معينة بتونس أشير إلى بعضها فيما يلي ولم يشر إليها الدكتور لودرز:

  1. إن مستوى التعليم والحياة الثقافية ودور المثقفين كان منذ بداية الانتفاضة واسعاً وكبيراً بتونس، بل يمكن القول منذ فترة الاحتلال الفرنسي وما بعدها.
  2. كما كانت منظمات المجتمع المدني وما زالت قوية بتونس، وهي التي لعبت دوراً مهماً في إسقاط زين العابدين بن علي، وبالتالي فهي التي لعبت دوراً مهماً في الحفاظ على مستوى معين من عدم الفوضى بتونس. كما لا بد من الإشارة إلى الدور المهم والريادي الذي لعبه الاتحاد العام التونسي للشغل في مسار التحول المدني والديمقراطي بتونس.
  3. وعلينا هنا أن نشير إلى إن الغنوشي وحزبه لم يكن لهم الدور المميز في الثورة الشعبية أو بانتفاضة الفقراء التي فجرها انتحار محمد بوعزيزي وانطلقت من المدن الصغيرة لتتلقفها القوى المدنية المثقفة وكذلك جمهرة من حزب النهضة. كما إن القوى الأخرى كانت كلها أكثر تحضراً وأكثر وعياً بأهمية الحفاظ على مستوى معين من الحوار الحضاري للوصول إلى نتائج أفضل لصالح تونس والشعب التونسي. فالفضل هنا يعود بالأساس لقوى المجتمع المدني والاتحاد العام للشغل. ولموقف الشعب التونسي عموماً. ومن هنا فأن حزب النهضة لم يكن لديه القوة الكافية التي يمكنه بها أخذ السلطة كاملة وبمفرده. لهذا بدا إن بعض قوى حزب النهضة كان أكثر معقولية في مواقفه، وهو الدور المهم الذي أثر على موقف راشد الغنوشي، الذي حاول في فترة ما أن يبدو أكثر تصلباً في المواقف إزاء القوى الأخرى، ولم ينجح.

إن ما نأمله للشعب التونسي هو التقدم لتونس سلمياً وديمقراطيا بما يحقق مصالح هذا الشعب الأبي ومصالح المنطقة، وأن يقدم نموذجاً طيباً يصلح أن يكون قدوة ممتازة للآخرين في التعامل العام وليس بالنقل عنها، إذ أن ظروف الدول الأخرى غير التي كانت وما تزال بتونس.

من المؤسف حقاً إن جمهرة من الكتاب السياسيين الأوروبيين لم يدرسوا الفكر الإسلامي منذ نشأته في الجزيرة العربية، في الصحراء القاحلة وفي تربة بدوية متخلفة. ولعب المكان هذا دوره في بنية هذا الفكر والذي أطلق عليه الدكتور فالح مهدي في كتابه الموسوم “الخضوع السني والإحباط الشيعي” أو “نقد العقل الدائري”، الصادر عن بيت الياسمين بالقاهرة عام 2015، بأن هذا الفكر ومنذ ولادته قبل ما يقرب من 1450 لم يتغير، لأنه استند إلى قاعدتين هما القرآن والسنة النبوية أي أحاديث النبي محمد. وهو بالتالي فكر مغلق متكلس ومنغلق على نفسه. وكل التباينات في الشرائع السنية والشيعية لم يغير من جوهر الفكر الإسلامي حين نشأ في الحيز الجماعي، المكان الصحراوي في مكة وتأثر بديانات وحضارات أخرى ولكنها كانت كلها من ذات الطبيعة أو أخذ الإسلام منها ما يتلاءم وطبيعة المكان والأساس الفكري الذي اعتمده. كما إن المجتمعات العربية لم تعرف عمليتين مهمتين عرفتها أوروبا والمقصود بهما هنا: عملية التنوير الديني والاجتماعي وعملية التحول من الإقطاعية إلى الرأسمالية وتطور الرأسمالية والتصنيع على نحو خاص ونشوء الطبقة البرجوازية والطبقة العاملة وهما حاملتا المجتمع المدني، هذا المجتمع الذي ترفضه جماعة الإخوان المسلمين وترفض الديمقراطية ومبادئ حقوق الإنسان الواردة في اللائحة الدولية لحقوق الإنسان الصادرة في 10/12/1948.    

يطرح الدكتور ميخائيل لودرز فكرة أخرى تخص التنوير الديني، إذ يرى بأن التنوير ليس ضرورياً للتطور العام في بلد ما، ويورد الصين التي لا تعتمد التنوير، كما إن التقدم يمكن أن يحصل في دول مستبدة وبدون ديمقراطية، ويورد الصين كنموذج أياً لهذه الوجهة غير العقلانية. أرى في هذه الأفكار خلط كبير وعدم وضوح، بل تخبط .

كلنا يعرف ونحن شهود على إن المسلمات والمسلمين في الدول العربية ذات الأكثرية المسلمة لم تعرف التنوير أولاً، وبالتالي فهذا الأمر يشكل عائقا في وعي العلاقة بين الدين والدولة وبين الدين والسياسية وبين الدين والعلم، لأنه وعي ديني مشوه ومزيف في غالب الأحيان. وقد تخلصت أوروبا بعد معاناة طويلة وحصل فيها التنوير ومن ثم الثورة الصناعية التي وفرت مستلزمات التحول صوب المجتمع المدني. والشعوب المسلمة في الدول العربية ذات الأكثرية المسلمة لم تعرف التنوير كما لم تعرف التحول الفعلي صوب الاقتصاد الرأسمالي والتصنيع وتحديث الزراعة اللذان يلعبان دوراً مهماً في ظهور الطبقة المتوسطة والطبقة العاملة. والتجارب التي مرّت بها الشعوب تؤكد بأن هاتين الطبقتين هما الحاملتان الأساسيتان لمستلزمات بناء المجتمع المدني والديمقراطية والحريات الفردية والعامة. ومع واقع غياب أو ضعف كبير في وجود وفعل وتأثير الطبقتين بالدول العربية يصعب معه بناء المجتمع المدني الديمقراطي. إذ مع وجود علاقات إنتاجية ما قبل الرأسمالية أو علاقات إنتاجية شبه إقطاعية وعلاقات عشائرية من جهة، ووجود مؤسسات ومرجعيات دينية تلعب دوراً كبيراً في نشر التربية والفتاوى الدينية غير المتنورة وغير العقلانية أو الرجعية من جهة ثالثة، سيكون صعباً بل وربما مستحيلاً. فالعراق مثلاً سار منذ بداية تأسيس الدولة الملكية بالعراق في العام 1921 خطوات على طريق بناء المجتمع المدني، ولكنه انتكس بسبب طبيعة علاقات الإنتاج ومستوى تطور القوى المنتجة وتشوه وعي الإنسان بالعراق حينذاك وحتى الآن. لذلك لا بد من تأكيد حقيقة أن التحول صوب المجتمع المدني الديمقراطي يستوجب عملية تنوير ديني واجتماعي من جهة، على أن تقترن بعملية تنمية اقتصادية واجتماعية، بعملية تصنيع وتحدث الزراعة، وتنمية بشرية من جهة أخرى. هذا الموضوع يشكل واحداً من النواقص الملموسة والكبيرة في فكر بعض المفكرين البرجوازيين بألمانيا وأوروبا عموماً وبالولايات المتحدة وغيرها من الدول الرأسمالية المتقدمة، وهو موقف واضح تلتزم به دول المراكز الرأسمالية الثلاث إزاء دول المحيط الرأسمالي ورفضها ومقاومتها الشديدة للتصنيع أو حتى تحديث الزراعة رغم حديثها أحياناً عن الثورة الخضراء، لكي يبقى التقسيم الدولي الرأسمالي للعمل على حاله دون تغيير ويبقى التخلف بالدول النامية مستندين ومتذرعين بقاعدة الكلف النسبية. هذا ليس جديداً، وهو ما دعا إليه المستشار الألماني لودفيك إيرهاد (1897-1977م) في الستينات من القرن الماضي حين كان مستشاراً بألمانيا في الفترة 1963-1966 والذي أكد على ضرورة ابتعاد الدول النامية، ومنها إيران في حينها، عن التصنيع وترك هذه المهمة للدول الصناعية المتقدمة. أي إنه كان يريد لهذه الدول وخاصة النفطية وذات الخامات الإستراتيجية المهمة، أن تبقى اقتصاديات ريعية متخلفة وتابعة لاقتصاد المراكز الرأسمالية الثلاثة بالعالم حينذاك. والتي تعني بدورها غياب المجتمع المدني والديمقراطية وحقوق الإنسان واستمرار وجود البطالة والفقر وتتسع فجوة الغنى والفقر بهذه البلدان رغم توفر موارد أولية مهمة. أي تبقى هذه الدول خاضعة لنظم غير ديمقراطية رجعية وأخرى استبدادية ظالمة.

إن التنوير والتصنيع وتحديث الزراعة مهمات أساسية لم يتطرق لها الدكتور ميخائيل لودرز، في حين أكد على عدم ضرورة التنوير وابتعد عن الحديث عن الاقتصاد والتصنيع. ولا أدري إن كان هذا ضعفاً في تكوينه الاقتصادي أم رؤية تقترب من رؤية لودفيك أيرهارد، وهو الاحتمال الأقرب للواقع.

31/7/2015           

 

...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *