ماذا يريد المتظاهرون، وماذا يريد المناهضون لهم؟ بقلم الدكتور هابيل كاظم حبيب

ألواح سومرية معاصرة تستضيف أقلام الخبراء والكفاءات العلمية فمرحبا بتحليلاتهم

هنا المقال بقلم  الدكتور هابيل كاظم حبيب: نشر المقال المحرر تيسير الآلوسي

أدرك المتظاهرون في سائر أرجاء العراق ومن خلال معاناتهم وخبراتهم اليومية إن مشكلات تفاقم الفساد المالي والإداري وانقطاع التيار الكهربائي ليل نهار ونقص مياه الشرب واتساع قاعدة الفقر وتزايد عدد الأغنياء وحجم الثروات التي يمتلكونها والمودعة في البنوك الأجنبية أو في عقارات زراعية ودور سكن وعمارات وشركات وهمية وابتلاع مليارات الدولارات دون وجه حق وعبر البنوك الخاصة واحتلال محافظة نينوى ومحافظات أخرى من قبل عصابات داعش الشريرة وتزايد عدد قتلى العمليات الإرهابية ببغداد وديالى وكذلك الاختطاف والابتزاز والاغتيال، ارتبطت كلها وما تزال بطبيعة النظام السياسي المحاصصي الطائفي والأثني القائم وبقوى

الإسلام السياسي الحاكمة التي اعتمدت على قاعدة غير ديمقراطية وتوافقية مخلة في حكم البلاد وضد مصالح الشعب، وهي التي شوهت العملية السياسية وأبعدت فئات المجتمع عن الحكم وأخلت بمبدأ الفصل بين السلطات الثلاث وشوهت استقلال القضاء وشددت من هيمنة السلطة التنفيذية على السلطة القضائية، إضافة إلى تدهور دور مجلس النواب وابتعاده كلية عن إرادة ومصالح الشعب. هذا الوعي الجديد الملموس لدى المتظاهرين وإدراك حقيقة المستنقع الذي حط فيه العراق، دفعت بهم إلى تبني شعاراً مركزيا يجسد كل المطالب الإصلاحية الجذرية الأخرى ويعبر عن إرادة الشعب ومصالحه، إنه شعار الدولة المدنية الديمقراطية الذي ساندته المرجعية الدينية الشيعية أخيراً ورفضت تكريس دولة دينية تحكم فيها الأحزاب الإسلامية السياسية التي كانت السبب وراء الكوارث التي حلت بالعراق والتي أصابت الشعب بالصميم وأدت إلى موت وجرح وتعويق مئات الآلاف من بنات وأبناء الشعب الأبرياء من النساء والرجال والأطفال.

وهذا يعني إن المجتمع أدرك بأن العيب في النظام السياسي الطائفي القائم الذي أشاع البؤس والرثاثة الفكرية بالعراق، هذا العراق الغني بشعبه وكوادره العلمية وموارده والبائس بأحواله المعيشية. لقد تسلم العراق 551 مليار دولار أمريكي من أموال النفط المصدر بين 2006-2014، فأين ذهبت هذه المبالغ الفلكية؟ الشعب يعرف أين ذهبت هذه الأموال. ولكن الحكام الفاسدون والقضاء غير النزيه لا يريدون وضع اليد على تلك العصابات المافيوية الفاسدة ومساعديها من سياسيين وموظفين كبار في الدولة العراقية، ولا على الشركات الوهمية النَّهابة. إن مطلب الشعب بالتطهير والتغيير عادل ومشروع وحق ثابت من حقوقه ويخدم مصالح البلاد وتقدمها.

ولكن ماذا يريد المناهضون للمظاهرات؟ كل متتبع لأحداث العراق يلاحظ بأن أصوات المناهضين للمظاهرات ومطالبهم العادلة والمشروعة قد بدأت تعلو منذ أن عاد نوري المالكي من إيران حاملاً معه تأييد المسؤولين الإيرانيين له، وكأنه أتى بفرمان شيعي خامنئي! ولكن هذا التأييد ليس عراقياً بل أجنبياً يريد الهيمنة على العراق ولا يريد الخير له. والجميع يتذكر تصريح أحد كبار المسؤولين الإيرانيين الذي قال بأن العراق جزء من إيران وعاصمتها بغداد!!، وهو رأي حكام إيران الحاليين. وهذا الموقف لحكام إيران يبطش بإرادة الشعب العراقي ومصالحه، كما إنه ضد رأي المرجعية الدينية الشيعية وتأييدها لمطالب المتظاهرين بإقامة دولة مدنية.

إن تأييد حكام إيران للمالكي وأتباعه المعزولين، الذين الحقوا أفدح الأضرار بالشعب العراقي والوطن ووضعوا أنفسهم ضد إرادة الشعب، يسعون اليوم إلى ممارسة الضغط المرفوض على حيدر العبادي ليتوقف عن تنفيذ الإصلاحات التي دعت لها المرجعية الدينية الشيعية أيضاً وحذرت من أي تلكؤ في تنفيذها، إذ أن ذلك يعني سيادة الفوضى والموت والخراب، يعني تقسيم العراق.

إن المناهضين لمظاهرات الشعب يريدون عودة نوري المالكي، عودة من لفظه الشعب واستمرار حكم الفاسدين والمتسلطين على رقاب الشعب وسارقي حرياته وخبزه، عودة وإبقاء من يطالب الشعب بتطهيره ومحاسبته، إنهم يريدون عدم إبعاد كل الفاسدين العاملين في سلطات الدولة العراقية الثلاث ومؤسساتها وأجهزتها، أولئك الذين أذاقوا الشعب الفقر والرثاثة والحرمان والموت وسهلوا احتلال ثلث أرض العراق وسبي واغتصاب وبيع بنات الشعب المستباح. إنهم يريدون استمرار الصراع والنزاع الطائفي. وهم الذين يحاولون عبثاً ربط أحزابهم البائسة بالمرجعية ويدَّعون إن المتظاهرين ضد المرجعية، وهم يدركون إن مرجعية السيد السيستاني مع المتظاهرين ومع مطالبهم العادلة وضد رغبة الأحزاب الإسلامية السياسية في إقامة دولة دينية فاسدة بالعراق. أولئك الذين يدَّعون العصمة لـ “نوري المالكي!”، وهم بذلك يتجاوزون على الدين ومرجعياته وشيوخه!، إنهم ضد التغيير وضد إرادة الشعب ومصالحه. إن من مهمات الشعب ورئيس الوزراء العراقي وضع حدٍ لتدخل إيران في الشأن العراقي، وبشكل خاص تدخل قائد فيلق القدس الإيراني الجنرال قاسم سليماني، الذي لم يكف عن توجيه الإهانة للشعب العراقي ويسمح لنفسه بالتجاوز والتدخل الفظ لدعم نوري المالكي.

 

...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *