حول البنية الديموغرافية للبلاد في ضوء عمليات النزوح واللجوء المتفاقمة؟

اتسم العراق بطابعه التعددي، وفي غنى التنوع بتركيبته السكانية. حيث التعدد القومي العرقي والديني المذهبي، منذ آلاف السنوات والأعوام. وقد تركزت المجموعات الدينية والقومية بمناطقها التاريخية؛ في حال من التعايش والتآخي مع المجموعتين الكبريين من كورد وعرب، ركني العراق الفديرالي المعاصر. فانتشر أتباع الديانات الأيزيدية والمسيحية والمندائية والكاكائية وغيرها في ربوع البلاد مع حال من التركز والعيش ببعض المناطق عبر مئات السنين وآلافها.

فالتصق الصابئة المندائيون بالأنهر والأمواه، وبنوا كل مندى عندها، وتمسكوا بوطنهم الذين ساهموا بإشادة حضارته السومرية عند الضفاف المائية في الناصرية والعمارة والبصرة. وعاش المسيحيون بين جنبات مدن البلاد كافة ومع أن المعالم التاريخية تشير إلى عشرات الأديرة والكنائس على سبيل المثال في النجف إلا أن وجودهم الفعلي برز في الموصل ومحيطها ومدناً أخرى قريبة.. وتتحدث الإحصاءات عن عشرات الكنائس الباقية حتى يومنا هناك تزيد على الثلاثين وبعضها يعود تاريخ الإنشاء إلى ما يزيد على الـ1500 سنة.. بينما عاش الأيزيدون بمجتعهم الكوردستاني وقريبا بمحافظة نينوى وتحديداً اتسم وجودهم المميز في شنكال\ سنجار..

لقد كانت ديموغرافيا التوزيع السكاني في القرون الغابرة تشير إلى الديانات المثرائية وانتشار أتباعها بين الشعوب السومرية تلتها سيطرة كبيرة للمسيحية بوجود مكونات عرقية قومية متنوعة؛ ليأتي بعدها عديد من التحولات منها اتساع نسبة الوجود العربي وتكاثر نسبة المسلمين ثم في عصرنا توزعات بنيوية كما أشرنا بشكل جد موجز وعام في ملاحظاته.. لكنه بالمحصلة يؤكد طابعاً ديموغرافياً احترمه المجتمع العراقي. وتعايش في إطاره ومحدداته وفروضه..

ولقد جسد دستور العراق الاتحادي جملة الحقائق وحال التعددية وتوزيعها الديموغرافي ونسب وجود المكونات على وفق الوجود منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة ثم فيما بعد العام 2003 ظواهر حراك آخر سجلته جملة من المستجدات..

لقد دفعت السلطات الحكومية السابقة إلى جرائم إبادة جماعية مثلما حصل في ثلاثينات القرن الماضي بحق المسيحيين بسوميل وفي ثمانينات القرن ارتكبت جريمة إبادة جماعية مهولة بحق الكورد ولكنها كانت في إطار سلسلة جرائم أشمل وأوسع منذ سبعينات القرن التي تعمدت تغييرات ديموغرافية مازالت آثارها ومعاناتها جارية حتى يومنا بالإشارة على سبيل المثال للأراضي التي حددتها المادة 140 في كركوك نموذجاً..

واليوم بعد حوالي 13 سنة عجافاً تفاقمت ظاهرة الإرهاب والتطرف، على خلفية أو أرضية لانتشار التفكير الطائفي المتزمت.. بكل ما نجم عنه من تداعيات كارثية…

لتعود من جديد جرائم تغيير في التركيبة السكانية فتطل علينا مأساوياً؛ هذه المرة نجمت عن عاملين خطيرين إهمال غير مسوغ من الحكومة الاتحادية في حماية المكونات المهمّشة حيث جرت مذابح لم يجرِ الكشف العلني عنها بحق المندائيين ومازالت فضلا عن جرائم الاغتصاب والاعتداءات والتضييقات حتى هجَّروهم من مدنهم وباتوا  اليوم بأعداد جد صغيرة وخلت معابدهم من أية فرصة للحياة…

كما جرت جرائم اعتداء همجية تصفوية على المسيحيين بمختلف أماكن تركزهم بمدن العراق وعاصمته وحينما تجمعوا بسهل نينوى وببعض المدن الكوردستانية جاءت جريمة استباحة الموصل لتدفع بهم إلى نزوح جديد هذه المرة باتجاه الخارج..

لقد أدت سيطرة المتطرفين الدواعش في حزيران/يونيو 2014 على الموصل، كوارث في الطابع الديموغرافي للموصل ومحيطها وجرى تخريب حوالي 30 كنيسة يعود تاريخ بعضها إلى مئات السنين مثلما تم العبث بالآثار بل تدميرها وتغيير وجه المدينة وطابعها وهويتها، في إطار جرائم تهجير مئات الآلاف من أبناء المنطقة، بينهم عشرات الآلاف من المسيحيين.

بينما حلت كارثة استثنائية بجريمة إبادة بكل المقاييس لأبناء الوطن من الأيزيديين.. إلى جانب جريمة اختطاف أكثر من 5000 امرأة ومواصلة جرائم الاغتصاب الجماعي لهنّ الأمر الذي دفع لنزوح جماعي من شنكال بل من البلاد عندما اتجهوا سيراً على الأقدام باتجاه أوروبا.. التي تتحدث عن مساعدات لا تسد حاجات شهر في المخيمات التي تضم الملايين.. وعلى سبيل المثال هناك تبرع مقداره مليون يورو للأيزيدية والمسيحيين من النمسا عبر منظمات الأمم المتحدة! لكن كم هو بائس هذا الرقم تجاه الكارثة المصيبة التي نرصدها!؟

فلقد ذكرت إحصاءات بعثة العراق للمنظمة الدولية للهجرة، أن عدد النازحين ارتفع إلى 3 ملايين ومئة وواحد وسبعين ألفا و606 نازحين (528.601 عائلة نازحة) منذ كانون الثاني 2014 ولغاية 30 تموز يوليو 2015 المنظمة الدولية للهجرة، بينما بات عدد النازحين في العراق حتی 13 آب أغسطس (3,176,946) نازح ينتمون الى (529,491) أسرة، وهو رقم فلكي تجاه حجم المدن التي باتت تخلو من الأطياف والمكونات مثلما تنخر بكثافتها السكانية الضئيلة جرائم الإرهاب الذي يجثم على صدور تلك المدن!

وبالبحث في توزيع تلك الأرقام للتعرف إلى المدن الأبرز التي طاولتها حالات التغيير الديموغرافي سنجد أن إحصاءات البعثة الأممية تشير إلى ما يقارب:”87% من النازحين هم أصلا من ثلاث محافظات هي: الأنبار وقد نزح منها ما نسبته(40% أو 1.281.276 فردا أو نصف سكانها وأكثر)، ونينوى ومثلت نسبة النزوح حجما يساوي(33% أو 1.034.358) وطبعاً بالأساس منهم الحجم شبه المطلق للمسيحيين وللأيزيديين هناك، وصلاح الدين التي شكل النزوح فيها نسبة(14% من النسبة الكلية  أو 429.744…”. ويمكن للراصد الدقيق أن يتأكد من استمرار النزف ونزوح مجموعات جديدة ففي أسبوعين من شهر تموز يوليو المنصرم أفادت تقارير البعثة الدولية بأن الأنبار وكركوك شهدت أعلى زيادة للنازحين إذ بلغت في الأنبار (31.896 فردا)، وكركوك (71.958 فرداً) بالتوافق مع المتغيرات الأمنية على الأرض…

بالمقابل فإن توجه النازحين باتت له خرائط تتحكم بها إدارات المحافظات التي لم تستقبل جديا النازحين إلا باشتراطات كأنها تستقبل طالبي لجوء أجانب! وتوزعت النسب على نحو ما أوردته ممثليات المنظمات الإنسانية كالآتي: الأنبار المبتلاه أصلا بظروفها التي استجدت بعد نكبات الموصل وجوارها، بنسة 18% (584.368 فردا)، وبغداد بنسبة 17% (538.632)، ودهوك بنسبة 13% (426.054)، وكركوك بنسبة 13% (399.660)، وأربيل بنسبة 9% (285.264)، فضلا عن نينوى  بحجم يقارب 6% (197.844)…

إن تلكم التغييرات الديموغرافية ستضع البلاد في أزمات أخرى لاحقة إذا ما استمرت على النحو الهمجي الجاري.. وستتغير هوية الشعب برمته وتتجه لاستقطابات ثنائية أحادية المرجعية الدينية (بين جناحي الطائفية ومطحنتهما أو آلتهما الجهنمية!) بعد شرذمة المجموعات الدينية الحالية التي كانت يوما تمثل حجما عدديا يقارب ربع السكان لتصير اليوم مثلما صار مع يهود العراق الذين عاشوا لمئات السنين فيه، إذ نحن بهذه الصورة أشبه ما نكون بحال إبادة!

وأسوأ وأبعد من هذه الجرائم إضافة جرائم التخريب  والتدمير التي طاولت الكنائس والأديرة والمعابد والمعالم التاريخية والمعاصرة التي تعني محو ما قاوم كل أشكال الحروب والكوارث لتجري عمليات إزالة مأساوية تفضي مع الزمن لمتغيرات ثقافية عميقة الغور..

 إننا بمجابهة آثار زلازل مجتمعية قيمية ليست سهلة المعالجة. فنحن أمام انقسامات وحالات هلع ورعب من الآخر وتجربة مريرة لا توصف أهوالها إنسانياً.. ولا يمكننا أن نمحوها بقرار أو بدعم لا يرقى لفتات لا يسد رمق المنهكين ولا يمنع عنهم متغيرات طقس لا حراً ولا برداً.. فما بالنا والمؤثرات الجارية أكثر انحدارا ومأساوية من الطقس!؟

إنّ من يريد قراءة المشهد بشكل صائب ينبغي عليه أن يراجع القضية في تاريخيها القديم والمعاصر وأن ينظر إلى حجم الكوارث وما حفرته من أمراض سايكوسوسيولوجية وأخرى أشمل في الوجود الإنساني المدني بظلال حكومة (اتحادية) تصر على التشبث بكرسي الحكم بوصفه غنيمة بما لا يختلف ونزعات الحكومات المركزية المهزومة السابقة ولا عن الفكر التكفيري المتشدد المتطرف للإرهابيين.. لأنها محكومة بفلسفة طائفية تبحث عن ثارات تفتعلها لتلج مسلسل الجريمة الجارية في البلاد وتتركز بكثافة نيرانها على ما تبقى من المكونات المهمشة المستباحة…

تلكم صورة أولية، أضعها هنا كي نتخذ قرارا بالتغيير الشامل بما يعيد قراءة وجودنا التعددي وبما يحترم بل يقدس غنى تنوعنا ويدافع عن الإخاء والمساواة والعدل وينصف ملايين النازحين من مختلف الأطياف والمكونات وبما يعيد طابع التوزيع السكاني ويعالج ما تعرضت له آثار تلك التعددية تاريخيا..

فهلا تنبهنا إلى حقيقة أن التغييرات الديموغرافية ليست قضية بيت تم بيعها من شخص لآخر ولا تجاوز فرد على جاره بل هي قضية أعمق وأخطر واكثر هولا بحجمها الحقيقي؟ إنها ليست قضية للمتاجرة كما يحصل مع مجمل قضايانا الجارية وما تعانيه من أزمات متفاقمة.. ولكن الأثر له قانون الوقف الأبدي الذي لا يحق لأحد تغييره والتلاعب به إنما الحديث هنا عن البنية السكانية وكيفية التصدي بروح وطني في إيجاد الحل المناسب.. والتفكر المبكر بشأنها.

...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *