بروفيسور تيسير الآلوسي في حوار جريدة العرب اللندنية أجراه السيد عبدالله المكسور

أجرت جريدة العرب اللندنية   لقاءً مع بروفيسور  تيسير الآلوسي الأستاذ في الأدب الحديث ونشرت اللقاء يوم 20 أكتوبر 2015.. كان قد أجرى اللقاء الصحفي السيد عبدالله مكسور وتجدون هنا في أدناه رابط الصحيفة  ونشرها المادة  التي تناولت أوضاع النقد الأدبي ودور الأدب في الحياة ومنجزه عربياً..

حوار مع جريدة العرب اللندنية في إطار النقد والأدب ودوريهما في وجودنا وهويتنا

الحوار في الجريدة بعنوان: تيسير الآلوسي: انكفاء النقد جعله متأخرا عن المنجز الإبداعي

 وهذا هو النص التفصيلي الأولي للقاء

أرحب بك، وبمنجز أسئلتك الحيوية في معطياتها والدالة الغنية في أدائها آملا أن تأتي إجاباتي وتفاعلاتي  بإطار الخطاب الثقافي المعرفي الذي يقدم بعض ما يساعد على حركة في فضاء النقد و لأدب  ومهامهما. ومن جهتي أرجو من القارئ الكريم ألا يقف عند حدود الأكاديمي المتخصص مما أقدمه بل أن يتبين تلك العلامات الثقافية وفلسفتها التنويرية مما أتطلع أن تأخذ مكانها ومكانتها لدى المتابع مثلما أتطلع إلى تفاعلات أرحب بها كوني أؤمن بجدلية حوار مفتوح بين مختلف اتجاهات الخطاب الثقافي ومنجزه بخاصة هنا نقدياً.. أرجو نقل التحايا للصحيفة وإدارتها ودورها في خلق جسور الاتصال بين المنجز وجمهوره ومن ثمّ التأسيس للحوار الأنجع.

 

ماهي المكانة التي يشغلها الناقد اليوم في حضارتِه و في الأدب العربي خصوصاً ؟

في البدء لابد لي من التأكيد على أنّ افتقاد الاستقرار والتعرّض لماكنة الآلة الجهنمية وطحنها الإنسان في تفاصيل يومه العادي باتت سبباً للانكفاء عن العلوم والآداب؛ وقد فاقمَ ذلك وضخَّمَهُ حال شيوع الأمية والجهل والتخلف، ما فصل بوضوحٍ بينه وبين المنجز الجمالي ونقده. ولكننا إذْ نحاول قراءة مكانة الناقد، نستذكر له دوريه التطبيقي الفعلي في قراءة النص الأدبي والحركات والمذاهب الأدبية والتنظيري القائم على تقديم الفكري الفلسفي في قراءة الظاهرة الأدبية وسط الظواهر الإنسانية المعقدة بالانتماء إلى تعقيدات عصرنا..

وعربياً، لابد للمتابع أنْ يدرك حجم المنجز النقدي العربي كماً ونوعاً؛ ليحدّد مكانَ الناقد ومكانته.. ولربما كانت نسبة الجهد النقدي تجاه المنجز الأممي عالمياً ليست بالحجم المميز ولربما أيضاً كانت نسبتُه تجاه حاجات الوضع العربي العام برمته، أقل شأناً من المنتظر؛ إلا أنّنا بجميع الأحوال، يمكن أنْ نلمس للنقد والناقد العربيين فرص محاولات جدية ونوعية طيبة؛ تمنحهما مكانةً ذات أهمية. صحيح أنّ أغلبها تبقى جهوداً فردية ولا تنتظم في حراك مجتمعي منظم لأسبابٍ مختلفة عديدة إلا أنها تبقى موجودة وذات ظهور مقبول لا يمكن إلغاء أثره ووجوده.

إنني هنا أجد أنّ الناقد ما زال يحتل مكانه الموضوعي وإنْ تحدد هذا بأكثر من شرط يطعن فيه ويضيّق عليه الخناق ويمنع عنه فرص الانعتاق ليلعب دوره الأرحب.

ما يجدر بنا هنا توكيده هو تذكير النقاد بأهمية تفعيل ذياك الدور، والعمل على تطويره وتنمية أثره المجتمعي، سواء بمجال إثارة علامات التنافس والتطور في المنجز الأدبي بدل المجاملات والقراءات المستعجلة أم بمجال الحراك المدني التنويري الذي يعتمد بالضرورة على منطقٍ وآليةٍ يحمل رايتهما الأدب ونقده ومن ثمّ الناقد بوصفه الإضاءة المنتظرة تطبيقياً عملياً وتنظيرياً بما يساعد القارئ على تبيّن معالم الطريق بقراءة النص ومنجزه وبالتفاعل فكرياً فلسفياً على وفق آخر ما وصل إليه عصرنا من مستويات ومطالب…

 

ما الذي يحكم هذه المكانة، هل هو الانتاج الأدبي أم دور النشر أو المحافل الثقافية؟.

قبل أنْ نسجل المؤثرات في المكانة علينا أنْ نسجل العوامل التي أثّرت سلباً أم إيجاباً في النقد والناقد وعلاقته بالأدب والمجتمع  ومن ثم يمكن لقارئ هذه الأسطر أن يصل إلى ما حدد مكانة الناقد صعوداً أم انحداراً. وفي وقت أتمنى ألا نقع بمصيدة الأحكام المسبقة ومطلقاتها، أؤكد مجدداً أننا لا ينبغي أن نشطب على مكانة الناقد أو نُصدِر أحكاماً كلية مطلقة بالسلب أم بالإيجاب. وبالمختصر يمكن إيجاز أبرز المؤثرات بالآتي:

  1. يتسم جهد بعض النقاد بالتعالي وبالإغراق في المعالجات الأكاديمية المحضة، التي تحمل طابع التعقيد في آلياتها النظرية وفي معجم مصطلحاتها..
  2. على النقيض من ذلك اتسم بعض آخر من النقاد بالعمل على أساس اعتقادهم بأنّ النقد هو مجرد تفسير ومراجعة وتوضيح للنص ومن ثمّ فهو تسجيل انطباعات عابرة أو قراءات صحفية متسرعة عجلى الأمر الذي أوقعهم في ممالأة الأدباء ومنجزهم..
  3. يتأثر بعض نقادٍ بمواقفهم الشخصية من الأدباء فيبدون معالجاتهم على أساس ردّ الفعل الشخصي ويفاقم الأمر عدم امتلاكهم لأدوات العمل النقدي فتصدر عنهم الأحكام بطريقة غير موضوعية ولا تستند إلى العلوم وخبراتها…

وإذا كانت هذه الأمور تؤثر في طابع النقد فتخلق فجوة بين الناقد والأديب وبينه وبين جمهوره، فإنّ مما يزيد الأزمة سلبيةً عدم وصول الأعمال النقدية إلى جمهورها وبقائها حبيسة الأرفف والمكتبات وظاهرة اهتمام وسائل الاتصال والإعلام بالسطحي من الأعمال الثقافية وتركيزها على تقديم أصوات هي كالطبول نسمع قرعها وهي مجوفة تماما فيما تهمل تقديم كبار أعلام النقد الأدبي بكل عمقهم وغناهم الفكري الفلسفي..

وعلينا طبعاً أن نشير إلى ظاهرة التأثير والتأثر سلبا وإيجابا بين الأدب والنقد ما يجعل من انحدار الإبداع الأدبي سببا في ترفع النقاد على قراءة المنجز الهزيل فيما دور النشر بعامة تلهث وراء الربح المادي ولا تطبع إلا الأعمال التي راج سوقها كما بكتب الأدعية والتنجيم وقشمريات فارغة وظلامية الفكر تاركة المنجز التنويري المميز للنقد وإبداعاته حبيس أرففه… ولا نستثني هنا الانحسار في جمهور الندوات الثقافية وإهمال المشرفين على تلك الندوات أي إعداد وافٍ مناسب لها؛ وهزلت أو تكاد تتلاشى الملتقيات والمؤتمرات والجوائز التشجيعية ما يتراجع بمكانة النقد والنقاد ويحصره في زوايا ضيقة مهمشة… لا ننسى هنا الإشارة إلى تراجع المدارس النقدية وأي تجديد ملموس فيها مع تراجع منظمات النقد وروابطه واتحاداته وتهميشه الظاهر…

 

 

ماهي وظيفة الأدب اليوم عموماً من وجهة نظر نقدية و ما هو الدور الذي يقع على عاتق المثقف في الشرق؟

للأدب وظائفه المهمة في ضوء كونه حاجة روحية مميزة للإنسان.. فمثلما لبدن الإنسان مطالبه وحاجاته فلروحه كذلك مطالب وحاجات. فالأدب ليس وسيلة تسلية عابرة أو سطحية بل هو غذاء روحي اعتباري يطبع النفس بسمات تؤنسن وجودها أو تكون وحشية عند افتقادها للقيم الروحية التي يهذبها الأدب. وإذا كان الأدب لجميع بني البشر وللشعوب جميعاً فإنّه في الحقيقة لا يقتصر على فئة أو طبقة اجتماعية وتتنوع حالات الاستقبال والتفاعل بحسب الفئة والإنسان وهويتهما وبحسب هوية الشعب.

إنّ من وظائف الأدب تقديم جماليات تهذب وجودنا كما تمنحه غنى وثراءً في الخبرات وتدفع للتطهير وصنع السمات الزكية فضلا عن تعبيره عن تلك النفس وحاجاتها في كل مرحلة عمرية في حياة الأفراد وبكل مرحلة تطورية في حياة الشعوب.. إنّ وصول الإبداع الأدبي لمرحلة الاندماج العضوي بين جمالياته ومضامينه يمنح الفرصة للإنسان المتماهي معه بأن يندمج عضويا بمجتمع وبيئته الإنسانية بصورة نموذجية تحمل جمالياتها مثلما تحمل تجاريبها المثلى أخلاقيا فلسفيا من جهة وتعبيريا جماليا سلوكيا من جهة أخرى..

لقد عبر الأدب بكل مرحلة عن وظيفة ما فمثلا كان خير مدافع عن القبيلة وقيمها السامية التي تتفاخر بها في عصر مملكة كندة وامرئ القيس ومجايليه . ثم ركز الأدب في عصر الإسلام على مهمة تجسيد القيم المثالية التي جاء بها الإسلام. لتظهر وظائف أخرى بمراحل الدولتين الأموية والعباسية من قبيل الغزل ووصف العمران وحياة الرفاهية  وكذلك عرض قيم الصوفية والزهد..

وهكذا فإننا بالحتم أمام وظائف جديدة للأدب في عصرنا الحديث، من مثل التصدي للاستعمار مطلع القرن العشرين والتغني بالروح الوطني.. واليوم نحيا ظروف حروب الطائفية وعنف المافيات والميليشيات ما دفع بلون أدبي عالج ويعالج التنوير الفكري والإصلاح القيمي وسط محاولات التجهيل والتضليل.. وتلكم لابد أن تستند إلى جماليات تهذب من يشاعات العنف المستشري وباءً سلوكيا مرضيا خطيرا ما يتطلب مزيد دور للأدب في منجزه وجهده.

ومع كل هذا ينبغي أن نشير إلى وظيفة النقد استكمالا لدور الأدب وتعزيز تأثيره بوصف تلك الوظيفة النقدية الجديدة أس الحراك الموضوعي العقلي التنويري بعد وظيفة الأدب وآلياته النوعية المختلفة..

هل لا يزال الأدب دعامة للهوية القومية – أي قومية-.؟.

اليوم تتعمق ظاهرة العولمة والاندماج بين الشعوب والعيش في قرية صغيرة تجسد عالمنا الحديث.. لكن القيم الإنسانية الروحية لا يمكن أن تندثر وتتراجع في ظل مبدأ البصمة الشخصية لكل إنسان وفي ظل ظاهرة عصر الدفاع عن حقوق الإنسان الفرد وعن تقرير مصير الشعوب وحقها في استقلاليتها وهويتها المخصوصة..

وفي مجال التعبير الجمالي الأدبي لا تولد ظاهرة العالمية  من نهلستية عدمية أو كوزموبوليتانية هلامية مائعة بل الحقيقة الإبداعية تقول: كلما ازداد وتعمق التمسك بالمحلية وبالهوية القومية لأمة وشعب ازداد وتعمق حال ولوج العالمية.. وهو ما يمكن ملاحظته في هوية الأدب الروسي والفرنسي والأمريكي اللاتيني ومدارسهم الإبداعية..

وهو ما يمكننا أيضاً البحث فيه عند الحديث عن هوية للأدب العربي وإن تطلب الأمر شيئا من التأني والحاجة للتمعن في ولادات لم تكتمل وتنضج لعدد من المدارس ذات الهوية المحلية عربياً.. لكن بالمجمل ما زال الأدب يحتفظ بهويته في التعبير عن انتمائه قوميا إنسانيا على الرغم من كل المتغيرات العاصفة لخطاب العولمة وضغط الاصتال والتكثيف في اتجاه الحراك الأممي ومنجزه بمختلف الخطابات……

هل يعتبر الأدب حاوي للقيم التي تقوم عليها الحضارة عموماً، والأدب العربي نموذجاً في هذا الإطار ؟.

كل شكل أدبي ومذهب له ينتمي لمنطق عصره وما انعكس فيه من مستوى التطور البشري ووضعه الحضاري فبدءاً وجدنا الأسطورة بمرحلة ووجدنا الدراما تعبيراً عن دولة المدينة ومجتمعها وسماته وحضارتها وخصائصها وهكذا مع كثير من أمثلة المنجز الأدبي..

يبقى الأدب انعكاسا تعبيريا جماليا عن قيم الحضارة جماليا مضمونياً، ولهذا تتبدى الظواهر الإبداعية في انعكاساتها وما تجسده.. ويمكن الإشارة للظواهر الغناسيقية كالأوبرا وانتمائها والبيتلز وهويتهم. وهكذا أيضاً، نشير إلى ظواهر فنية وأدبية؛ فعراقيا نعرف المقام العراقي بين الأداء والكلمة والأغنية الريفية والمدينية وإيقاعاتهما وكلماتهما وما تعبران عنه ونعرف أدب نجيب محفوظ والطاهر وطار ويوسف العاني وغائب طعمة فرمان وسعدالله ونوس وحنا مينا وكتاب المغرب والسودان وليبيا والخليج العربي وما جسدوا جميعا في أعمالهم من أناشيد البحر والموانئ والحارات الشعبية والحراك المدني بدمشق وبغداد والقاهرة وغيرها.. إنها منجزات عبَّرت عن الهوية وعن الحاجات الروحية للمجتمع بمختلف مكوناته وأطيافه وتنوعات فئاته وطبقاته…

 

ماذا يمكن أن يقول الأدب في ظل انهيار المدن التي نشهدها في الشرق اليوم؟.

الأدب ظاهرة مدنية في ولادته تعبيرا عن الإنسان الفرد والجماعة وبالأساس ينتمي الأدب اليوم للمدينة وحضارتها ومنطق وجود المجتمع الإنساني فيها.. أما وقد استباحت جحافل الجريمة الميليشياوية المدن وأهلها فإن الأدب لم ينته ولن تقتله الرصاصة.. لأنه موجود في الوجدان الإنساني ولأن الإنسان المعاصر، لا يمكن أن يمحق فيه الروح؛ ما يعني استمرار الحاجات الروحية بمطالبها لغذائها أي الأدب. وهنا تبدأ آليةُ تبادل تأثير الأدوار فعلَها ليستمر الأدب بالتعبير عن الواقع وهو يجسد تعبيرياً الآلة الجهنمية ومطحنتها بمقابل قدرات التحدي وكوة النور على ضيقها، راصداً كيف تتسع لتسطع من خلفها شموس الانعتاق والتحرر واستعادة مسيرة البناء والتقدم الاجتماعي .. حيث استعادة المدن دورتها الدموية حية فاعلة شامخة بمبانيها وبعطر الروح الإنساني يستعيد طبيعته…

هل بإمكان الأدب احداث تغيير في المجتمع عموماً و على الطرف الآخر هل يمكن أن يؤدي الأدب إلى ثورة؟ و لماذا ؟

للأدب أدواره عبر التاريخ الإنساني، ونحن نعرف كيف جسدت الأسطورة فلسفة البشرية في عصرها الأول وكيف كانت القصة متهدهدة في كنف مرحلة تالية وكيف جاءت الدراما تعبيرا عن الانقسام بمجتمع المدينة فعبرت عن الصراع الوليد هناك.. ثم كيف كان شعر الصعاليك تعبيرا عن ثورتهم الاجتماعية وكيف كان شعر الثورة الفلسطينية والجزائرية وكيف تحدث الزهاوي عن التحرر الاجتماعي بشأن المرأة مثلا وكيف تحدى الرصافي السلطة على سبيل المثال بقوله:

علم ودستور ومجلس أمة كل عن المعنى الصحيح محرّف

وهو بيت الشعر الذي عاد ليعبر عن جديد أوضاع البلاد اليوم وكيف انطلقت التظاهرات بعد انصاتها لمسرحية أنا أمك ياشاكر التي تحدثت عن القمع السياسي للحريات في بغداد على سبيل المثال لا الحصر. وكيف كان دور أعمال كالنخلة والجيران والشريعة والمفتاح وأعمال الأدباء الروائية والقصصية التي شحذت وعي القارئ ومنحته كشفا ووعيا وإدراكا معمقا لما يحيط به.. فضلا عما منحته من طاقات الشحن والتحريض الثوري..

إذن، الأدب يبقى بجمالياته ممتلكا للتأثير الروحي الحاسم في بناء الأنفس بأسس سليمة صحية قادرة على إعداد القدرات الذاتية للثورة.. ومن هنا نرصد حذر السلطات الاستغلالية القمعية من المنجز الملتزم للأدب، فتطارد الكتّاب وتحاصر المكتبات والكتب وتحاول إشاعة الأمية والجهل لتغييب وعي الناس، فيما الأدب ومنه الشفاهي يقف بعكس التيار السلبي ليعزز دفق أنهر التغيير ومسارها..

وإجابتي عن السؤال بطريقة مباشرة، بلى، يمكن للأدب أن ينهض بمهمته التحريضية ما يعني ولادة وظيفة جديدة له ما زال يغذ السير فيها لتنضج أدواته ومنجزاته وتستطيع إطلاق شرارة التغيير وثورته.

من موقعكَ اليوم، كيف ترى الأدب الذي يظهر على الساحة العراقية، في الوطن و المنافي البعيدة، هل هو صورة لهموم و تساؤلات المجتمع العراقي ؟

بكل مرحلة تجد الإيجابي مثلما تجد السلبي.. برأيي المتواضع، لا توجد مطلقات ولا أؤمن شخصياً، بحالات الجزم التي تنحاز لتشخيص يفارق الحقيقة ويجافي الواقع الذي تكتنفه أخلاط متنوعة متناقضة أحيانا. وفي يومنا نجد الأدب الذي تسطحت فيه كل قيمه من جماليات باردة بليدة ومضامين هي مجرد بوق لقوى الاستغلال التي تتحكم اليوم بالسلطة والمسار وهي قوى طائفية بفلسفتها ومافيات فساد بآليات وجودها تسندهما بلطجة دموية فاشية لقوى الإرهاب؛ ومع كل هذا الوضوح في الفجاجة والوحشية تجد مدبجي الأدب الدعائي المغرض المضلل المعبر عن تلك القوى التي يعتاش على ما تدفعه من السحت الحرام..

بالمقابل نجد جماليات أدب رائع يعبر عن هموم الطبقات المسحوقة والفقراء والمعدمين والعاطلين عن العمل وعن الطبقة الوسطى التي يجري طحنها وسحقها حد محاولة إفنائها وتسمو في هذا النمط من الأدب قيم نضالية إنسانية وتحديات معركة طبقية ضد همجية ثلاثي الطائفية-الفساد والإرهاب وما يرتكبانه من جرائم دموية تصفوية كما تجد فيه ملامسة للروح الإنساني السامي وقيمه للإنسان العراقي ودفاعه عن وجوده ومبادئه وقيمه النبيلة وعن هويته الوطنية ضد محاولات تشطيره واصطناع التشظي واختلاق التمترس الطائفي لدفعه في حرب عبثية جديدة تمكِّن تلك القوى الاستغلالية من إدامة السطو عليه.. بينما التعبير الأدبي جسد الانتفاضات والثورات الشعبية والحراك المدني وتطلعات المرأة لانعتاقها مما يحاولون تقييدها به وإعادتها إلى مغاور وكهوف مظلمة حيث أبشع استغلال لها بكل المعاني إلى حد إحياء اسواق النخاسة وبيع النساء والاتجار الجنسي بهن فتقرأ روايات وقصصا ومسرحيات وأعمالا أدبية ودرامية تتحدث عن كل هذا وغيره من مشكلات البلاد.. وفي الكتابات المهجرية، سنجد الشوق للوطن وسنجد معالجات لمشكلات المهاجرين بأجيالهم الأول والثاني والثالث وهكذا.. إن الأدب مازال يحمل رسالته الأثرى الأغنى جماليا مضمونيا بالإشارة إلى المنجز العراقي..

في ظل الانقسام الحاد الذي تشهده الساحات الثقافية على خلفية القضايا السياسية، هل يجب على الأديب أن يقع في الاصطفاف السياسي؟.

الأدب تجربة روحية إنسانية تجسد الانفعال والعاطفة والسلوك والممارسة وكذلك تجسد أيضا القيم والمبادئ كلها مجتمعة في صياغة جمالية إبداعية مخصوصة.. وهي في ضوء ذلك لا تقبل التحدد بقوالب جامدة ومعالجات تضيق بحدود التحزب السياسي وانقساماته وتخندقاته وحالات التمترس.. لأنها إن تقيدت بتلك المتاريس فقدت كثيرا من قيمتها الجمالية في تعبيرها عن الإنسان بهويته المجردة، بهوية وجوده العضوي وما يحمله من معان تميزه عن الكائنات الأخرى وعن أخلاقيات الانشطار المؤسس على التحديد والقمع والمصادرة بخلاف حاجة التعبير الأدبي للتحرر والانعتاق وفضاء الأنسنة الأرحب..

لابد للأديب كي يلعب دوره انطلاقا من خطاب أدبي مستقل بآلياته متضمن لما يستفيد به من الخطابات الأخرى ، عليه ألا يقيد نفسه بتلك التحنطات وحالات التكلس والجمود والانشطار بين جبهات حزبية سياسية بمرجعية آليات اشتغالها.. الاصطفاف الوحيد والالتزام المنتظر في الأدب وخطابه هو التزام الإنسان وحرياته وحاجاته الروحية والشعوب وحق تقرير المصير بعالم يؤنسن وجودها ويفتحه على أوسع أبواب الحريات وعدم التقيد بمرجعيات تعيدنا لنير استغلالي من جديد يمحق ما حققته البشرية في مسيرتها..

*هل لي أن أختم بضرورة تعزيز تنظيمات النقاد وتضعهم في إطار حركة نقدية بمدارس ومذاهب يمكنها أن ترتقي بالجهد فلسفيا مجتمعيا بطريقة افضل.. ربما كان ذلك أحد أبرز ما ينتظر النقاد للتخلص من الأهواء وتحكمها في منجزهم ولوضعهم في إطار حراك موضوعي مؤمل.. يمكنه الارتقاء بالحركة الأدبية ومنجزها وتحريك البركة الراكدة وسط مجتمع التلقي عندما يستطيع تجهيزها بأدوات التفاعل النقدي الأنجع والأنضج بنشر ثقافة نقدية إيجابية لحراكه بظرف جديد مختلف نوعياً..

...

3 آراء على “بروفيسور تيسير الآلوسي في حوار جريدة العرب اللندنية أجراه السيد عبدالله المكسور”

  1. الأستاذ الدكتور تيسيرالألوسي الموقر عزيزي وأخي الكريم السلام عليكم رحمة الله وبركاته ، أحييك على هذا الحوار المهم حول طبيعة النقد ووظيفته في عالم ا لآلة الطاحنة، وحول طبيعة الجمهور المتلقي لهذا النقد حقا هو حوار مهم ، دمت ناقدا مبدعا ، وصديقا عزيزا ، وتحياتي الطيبة لكم ، أخوكم محمد عبد الرحمن يونس

  2. من أرقى الوسائل الثقافية الفنية والأدبية لغة الحوار ثم الحوار ثم الحوار. وأستاذنا البروفيسور تيسير الآلوسي فارس من فرسان الحوار، وناقد لا يشق له غبار ـ كما قيل بحق ـ فقد استمتعنا في هذه المحاورة في الفن والموضوع والفلسفة والمنهاج على سواء. أما الأفكار والتصورات فمنها الثابت والمتحول، والقديم والحديث، وما حقه التقديم لنقدمه، وما حقه التأخير لنؤخره، حسب سلم للأولويات من النضج والإنصاف بمكان. ولا سبيل إلى بلوغ الأسمى إلا بوساطة الحوار كما أتحفنا الأستاذ الدكتور تيسير حفظه الله.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *