قضايا الفساد بين الصوت الشعبي ومطالبه وإجراءات الحكومة الاتحادية

على وفق ما أوردته وكالات الأنباء؛ فقد دعت لجنة النزاهة النيابية، في بغداد، كل المتهمين الذين صدرت بحقهم مذكرات إلقاء قبض أنْ يسلّموا أنفسهم للقضاء، طواعياً، وبخلافه سيجري إحضارهم كما أولئك المطلوبين الذين هربوا إلى خارج البلاد، ليتم تقديمهم أمام المحاكم والعمل على استرجاع الأموال المنهوبة، على وفق القوانين المرعية وبتمسك تام بإجراءات عادلة منصفة.

وقد دعت لجنة النزاهة على لسان مسؤوليها القضاء لأخذ موضوع تسليم المتهمين أنفسهم طواعية بعين الاعتبار والتعامل معهم إيجابياً وعلى وفق ما يتيحه القانون؛ بخلاف الأشخاص الذين هربوا إلى خارج العراق، حيث يتوجب أن يتم إعادتهم بضبطهم عبر إجراءات قانونية مع الانتربول الدولية وعرضهم على المحاكم العراقية بما يفضي إلى استرجاع الأموال التي سرقوها إلى خزينة الدولة.

وفي هذا الإطار، كانت هيأة النزاهة النيابية قد أعلنت، يوم 15 تشرين أول أكتوبر 2015، عن صدور أوامر قبض بحق كل من: وزير الكهرباء السابق كريم عفتان، وأمينين سابقين لمحافظة بغداد وكالة هما: نعيم عبعوب وعبد الحسين المرشدي فضلا عن عدد من المديرين في الأمانة، هذا  وأعلنت عن صدور أمر لاستقدام وزير الكهرباء الحالي قاسم الفهداوي بنفس التهم المرتبطة بالفساد.

أسوق هذه المقدمة من بين جملة أخبار أخرى تخص إجراءات مكافحة الفساد في العراق.. فهل تفي هذه الإجراءات لمعالجة ظاهرة استفحلت وباتت نسبها تصل أعلى قمة الهرم في بغداد والمحافظات؟ أم أن القضية تبقى بحاجة لقرارات أشمل وأعمق للمعالجة؟

ما تقوله الوقائع اليومية: إنّ هذا وما سبقه من إجراءات أخرى لم يرتق لمستوى جريمة الفساد ولهذا السبب فإنّ الشعب يواصل ضغوطه من أجل ذياك القرار الجوهري النوعي المنتظر.. والشعب لم يعد ينتظر الجهات المسؤولة ببغداد بشأنه، بل خرج بآلاف مؤلفة وصل مجموعها الملايين من محافظات الوسط والجنوب مع بغداد ليؤكدوا جميعاً على أن أول مهمة إنهاء الفساد ومكافحته تبدأ من إعداد جهاز قضائي مستقل ونزيه مطالبين بمن مارس التغطية على الجريمة والمجرم طوال المدة المنصرمة منذ 2003…

وهكذا فقد كان شعار إقالة رأس القضاء ومساعديه، بأولوية جد مهمة للحراك المدني الشعبي بوعي تام لخطورة التغطية والتستر على رؤوس الفساد التي مورست بمستويات اخترقت المناصب السيادية ومكاتبها وما دار ويدور في أروقتها خلف الكواليس.. وبهذا فإن مطلب إصلاح القضاء هو نقطة البدء والشروع بمهمة تطهير البلاد من وباء أصابها حتى وصل الرأس!

إنَّ قضية الفساد وملفه عراقياً ليست قضية أشخاص معدودين فروا من وجه العدالة بما نهبوه من ثروات الوطن والناس، ولكنها قضية تتسع لتتشخص بمنظومة معقدة مؤسسيا أدارتها آليات مافيوية من جهة وارتبطت بامتدادات خارج الحدود المحلية.. وتطلب عملها ظاهرتي العصابات المنظمة واستئجار الميليشيات بالارتباط بمصادر تخترق المسؤوليات المتقدمة في المحافظات وبغداد العاصمة.

إنّ حالات الخضوع لضغط التظاهر الشعبي ومطالبه بشأن مكافحة الفساد لم تتم إلا بمستوى انحناء أمام العاصفة وتقديم أكباش فداء للاحتفاظ بالمنظومة المعقدة للفساد بحجمها المؤسسي وللعودة من بوابتي التغييرات الترقيعية التضليلية في جهاز القاضاء والسلطة التنفيذية.. بصيغة وصفتها الجماهير بأنها ليست أكثر من تبديل وجوه، أو تبديل أقنعة مع الاستمرار بالجريمة!

إن تطهير البلاد وتحرير العباد يبدأ بالإرادة السياسية وقرارها عندما تستجيب لإرادة الشعب وصوته في التغيير وفي افصلاح النوعي الجوهري الذي يشمل عمقاً بعيداً، يمكنه تفكيك منظومة الفساد. وآليات اشتغالها المستندة إلى جملة عناصر تم تشخيصها في الآتي:

  1. كون ظاهرة الفساد عراقيا باتت ظاهرة مؤسسية.
  2. كون ظاهرة الفساد عراقيا صنعت طبقة تتحكم بإدارة أنشطتها.
  3. كون ظاهرة الفساد عراقيا اخترقت السلطة التنفيذية لمستويات أحاطت بكبار المسؤولين ومكاتبهم.
  4. كون ظاهرة الفساد عراقيا اخترقت السلطة القضائية بأعلى مستوياتها وجيرت مهامها بحماية ما ارتكبته من جرائم بمختلف تنوعاتها.
  5. كون ظاهرة الفساد عراقيا اختلقت مافياتها وعصاباتها المنظمة واستطاعت تجيير الميليشيات الطائفية المسلحة لمصالحها ومآربها بامتياز.
  6. كون ظاهرة الفساد عراقيا أوجدت بحجمها المفرط المستشري جسور ارتباط بالمافيا الإقليمية والدولية وإن بشبكات غير مباشرة.
  7. كون ظاهرة الفساد باتت آليات شائعة أمرضت المجتمع وأصابته بفيروساتها باصطناع أوضاع ممرضة بطريقة وبائية.

إنّ الحراك الشعبي الاحتجاجي يتحدث عن وعي مميز ويتلقى عن نخب العقل المعرفي التنويري خبراته وأساليب نضاله ورسم جداول مطالبه وبياناتها. ومن هنا فإن المطالب تصاغ بوعي في الحرب المطلبية ضد استباحة البسطاء ونهب ثرواتهم وطاقة عملهم والتصدي لمختلف أشكال الاشتغال الفاسدة، بوعي من جهة ولكن بإرادة كفاحية وغصرار على إدامة الحراك كونه الأداة الوحيدة اليوم بعد أن باتت المؤسسات مصابة بوباء الفساد.

وهكذا تنهض تلك الحركة الوطنية الشعبية بمهمة تربوية تجسد أول طريق التصدي للفساد من حيث أرضيته التي تستنبت الاستسلام له عبر ما أصاب المجتمع من وبائه وثقافته المرضية.. واستمرار الحراك وإدامته ينقل الجمهور من الخنوع للتقسيمات على متاريس الاحتراب والتمزق والتشظي ومن ثمّ تجييرهم في معارك اقتسام السرقة إلى الانتفاض على الانقسام والتوحد في خطاب وطني من جهة وإنساني صحي سليم من جهة أخرى بكل ما يحمله من قيم غيجابية فاعلة…

إن هذه الرحلة جد ضرورية للوجود العراقي كي يتغير ويستعيد عافيته وصحته المجتمعية بحمل قيم سامية نبيلة في تفاصيل يومه العادي.. ويعود شعار امسك حرامي و أشكال الفساد من سرقة وارتشاء وممارسات أخرى، تعود لتكون عيبا وفضيحة يخجل من عارها الفرد ولا يستطيع العيش وسط مجتمع صحي معافى..

والحراك من جهات أخرى سيكون قوة ضغط جدية فاعلة وقادرة على التغيير بقدر تعلق الأمر بالإرادة السياسية له وبقيادته المتماسكة الناضجة في خياراتها وأولوياتها.. ولهذا تتمترس المطالب اليوم بأولوية إصلاح القضاء وعدم القبول بالتغييرات في الأقنعة أو الوجوه وإنما تقديم رؤوس الفساد الكبيرة للعدالة.

لكننا أمام وضع مغرق في ظاهرة شاملة للفساسد نبقى بحاجة لقرارات سياسية تستوعب ذاك الشمول والعمق.. ولربما تطلبت حال قرارات مرحلية متدرجة تتضمن فيما تتضمنه عفوا عن السرقة الناهبين شريطة إعادة ما نهبوه من أموال وممتلكات وغيرهما للمجتمع والدولة، وبلا تلكؤ أو عبث وتلاعب.

وطبعا لن يتخذ قرارات حازمة حاسمة وقطعية نهائية غير شخصيات تنتمي لآليات بديلة للفساد ولنظامها. لكن التقدم على مراحل يبقى شرطا للنجاح في ظرف عدم توافر بدائل أخرى.

وللخلاص الجوهري من هذا المرض الكارثي، لابد من الآتي:

  1. الشروع بعقد مؤتمرات تخصصية علمية في أروقة مراكز البحث بالمؤسسات والجامعات وعرض القضايا الكبرى للملف والقضايا التفصيلية له في تلك المؤتمرات النوعية التخصصية. مع استفادة نوعية من المؤسسات الدولية المتخصصة.
  2. عقد مؤتمرات محلية ووطنية دورية تستلهم نتائج المؤتمرات التخصصية للعقل العلمي العراقي وتضعه على طاولة الإدارة الحكومية للتنفيذ واتخاذه برامج عمل.
  3. إصدار قرارات تستجيب لمطالب تغيير المسؤولين في السلطات الثلاث وأولها السلطة القضائية وإعادة بناء التركيبة المؤسسية بأسس سليمة مختلفة.
  4. استصدار قرارات وقوانين استكمال البنية المؤسسية للدولة وهيكلتها بما يتيح إجراء انتخابات مضمونة بوجود مراقبة أممية بالخصوص وضمانات تكفل الأداء والنتائج وسلامتها.
  5. التدرج في حل الميليشيات كافة وحصر القوة بيد الدولة ومؤسستيها العسكرية والأمنية ويحظر نهائيا وقطعيا تداول السلاح ووجوده خارج يد الدولة ومؤسساتها المعنية.
  6. إطلاق مشروعات تحريك عجلة الاقتصاد ومعالجة ظواهر البطالة والفقر والتضخم وأزمات السيولة النقدية وصرف المرتبات وعدالتها بتوحيد قوائمها وطنيا وتفعيل الدور الضريبي وسلامته وإنهاء وجود الطبقة الطفيلية ودورها في امتصاص ثروات الناس.
  7. الاستجابة التامة لمنطق العدالة الانتقالية، وتلبية كل ما يحقق العدالة الاجتماعية ويجعلها هما يوميا لمؤسسات الدولة، ويكفلها لا اسميا بل فعليا بضمانات قانونية نافذة.

إنّ ملف الفساد سيبقى أس البلاء في العراق إذا لم يحسم أمره بكل محاوره الكارثية الخطيرة. وهو قضية قادرة على المناورة والتضليل بجملة من التلميعات المخادعة بإيراد أخبار وانباء وقرع طبول وجعجعة بلا طحن! بينما توافر الإرادة سيأتي بدءا من دور الحراك المدني في تربية تصنعها ميادين الكفاح والنضال وفي محددات ترسمها بحوث العقل العلمي وتحميها سلامة الخطط وطنيا..

فهلا أدركنا القضية بعمق الجرح الفاغر الناجم عنها!؟ وهلا تبينا أسس الحل الجوهري الشامل؟

...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *