النقد والحوار واشتراطاتهما في المجالين العام والخاص \ قراءة نظرية وبعض تطبيقاتها

أسئلة في بعض ممارساتنا للنقد بخاصة تلك التي تلغي جوهر النقد وتعطّل اشتراطاته

فمثلا:

هل المتحدث يريد المساهمة في البناء والتقدم وصياغة بديل موضوعي عقلاني لهما أم يريد تفريغ توتره وشحنات غضبه واحتقانه وحنقه بصيغ كيل الشتائم وصب اللعنات على أسهل هدف للمهاجمة!؟
هل النقد بكل أنواعه، هو نيلٌ من إنسان أم معالجة لمنجزه بتبيان الإيجابي ودعمه وكشف السلبي والعمل على تجنيبه إياه؟
هل النقد ينصب على المنجز والخطاب الإنساني أم على الإنسان فرداً عادياً أم مسؤولاً أم جمعاً ممثلا بحزب أو جمعية أو منظمة؟
هل من حقنا حرمان أي كائن من حقوق وجوده لمجرد اختلافنا معه فكريا سياسيا أو باية صيغ اختلاف أخرى؟ أعني: هل يوجد لأي منا حق الشتم والسب والانتقاص من الآخر مثلا؟ وهل سيكون هذا نقداً!؟
هل انتقاد مسؤول أو أيّ شخص مكلف بواجب عام يكون بالشتم والانتقاص أم بنقد آليات اشتغاله وتبيان البديل؟
أليست ممارسة الشتيمة جريمة حظرها القانون لأنها ممارسة للهدم والتخريب!؟ لماذا نوجِد أو نبحث لأنفسنا عن مبررات عند ارتكابنا إياها؟
فلنبحث عن وسائل نقد تعيد إلينا ممارسات بنائية نرتاح إليها جميعا بلا استثناء أو إقصاء لأحدنا أيا كانت اتجاهاته طالما تمسك بقوانين أنسنة وجودنا.. هذه معالجة أولية في حكاية اسمها النقد والحوار واشتراطاتهما لنا وعلينا؛ أقترحها عليكم بانتظار تداخلاتكم التي تضيف وتعدل وتغير نحو الأنجع والأسلم

النقد في بعض آلياته عملية تقويم وإعادة تركيب مقترحة بقصد تعديل مسار أو موقف. ويقتضي إيصال رؤية الموقف النقدي إدارة حوار مع الآخر بطريقة موضوعية تقوم على إقرار بالحقائق وما تنتهي إليه من نتائج.. ولا يوجد في الحوارات الموضوعية غالب أو مغلوب بين المتحاورين فكلا طرفي الحوار محترمان في وجودهما وأن الغاية تكمن في الوصول إلى أفضل سبل العيش وأكثرها نضجا وسلامة… ويمكننا على سبيل المثال أن نتحدث عن النقد الجمالي في الأدب والفن ونستقرئ فيه سبله في استنطاق مكامن الجماليات في الأعمال الأدبية والفنية وما قد يكون من هنات أو ثغرات هنا وهناك في البنية الكلية للعمل الأدبي و\أو الفني، إن النقد والناقد هنا يشتغلان بطريقة حوارية جدلية تمتاح غناها من موضوعيتها ومن منطق العقل العلمي وأدائه ومثله ما يمكن استقراؤه في الميادين الأخرى…

وفي حياتنا الخاصة والعامة نمارس النقد ذاتيا موضوعيا، ولكننا لا نملك دائما السيطرة المناسبة على الطابع الانفعالي في مواقفنا التي نتخذها تجاه قضية أو أخرى. فيخضع بعضنا للتأثر بردود الفعل وبتأثير الضغوط النفسية وكذلك العلاقات بين الأطراف وينجم عن ذلك مواقف لا تقبل التصنيف في الإطار النقدي لا بمجال الأدب والفن وجماليتهما ولا في مجال الحياة العامة وخطاباتها الأخرى..

إنَّ هذا يحدث في كل ميادين تبادل الرأي والرأي الآخر إنسانيا.. فهو يحدث في مجالات الآداب والفنون مثلما يحدث في مجالات المجتمع وعلومه وخطاباته ومنها السياسية. ونحن نشهد فيها أحيانا، انحدارا في المستويات لخواء الخلفية المعرفية و\أو لتحييدها وتغليب الانفعال، كما نشهد مغادرة لآليات النقد و ولوجاً فيما يدخل بمجال السب والشتيمة والانتقاص من الآخر بخاصة هنا في ممارسات بعضنا في العلاقات الخاصة منها والعامة وليس في تناول مقتضياتها الموضوعية..

المشكلة تكمن في تشجيع مباشر وغير مباشر من جمهور التخلف.. إذ يلتفون حول صوت يمارس خطابه بهذه الآلية التي تنبش في الآخر وتستهين به وتحط من قدره وربما تنزلق إلى التشويه وإلى اختلاق القصص والحكابات لتعزيز موقفها. إن هذا التشجيع ينطلق من عفوية تستند إلى التجربة الذاتية للأفراد وإلى مستويات وعيهم وإلى طابع عيشهم وضغوطه بخاصة من حال انتشار الحهل والتخلف وحال انهيار الحياة العامة وشيوع الفقر والبطالة والحرمان وأشكال الثقافة الأحادية والتمييز الذي يتفشى بأسسه المختلفة كما نراه في مناطق تتسم بالخطاب الطائفي في محافظات عراقية بعينها.. وطبعا مثل هذا يخلق الشخصية البرمة بواقعها التي لا تجد سوى إنزال اللعنات والشتائم على كل ما يحيط بها من مثيرات الألم…

ومع أن الحكمة تعلمنا أننا بدل من أن نلعن الظلام فلنشعل شمعة ومع أن المنطق يؤكد أن الصائب يكمن في أن نبحث عن كل سبل التعايش مع الآخر وتبادل أشكال الاحترام والتعاون، إلا أن كثيرا منا في الظروف التي أشرنا إليها يستسهل في خطابه لغة الطعن في الآخر، فيتحول من يسميه صديقا بين ليلة وضحاها إلى عدو.. بالاستناد إلى المغالاة والمبالغة ومقدار الامتعاض الانفعالي المنبعث من الغضب ومن المطلقات في كل تقدير وتفاعل مع أية قضية أو شخصية أو طرف في محيط الفرد..

وهكذا، نجد تفككا في العلاقات وانتشار أوبئة وأمراض لا حد لها ولتأثيراتها.. وهو ما يمثل الثغرة الأبرز في الحراكين الخاص والعام وما ينطوي عليه من إدارة حوار منتظر…

ولطالما وجدنا أن امرئا يقيم علاقة مع آخر ويرى فيه صورة إيجابية ينقلب في تقويمه لمجرد زلة أو هفوة أو خطأ يرنكبه صاحبه ربما عن غير قصد وهو ما يجري في الغالب الأعم.. إنها تأثيرات الشخصية البرمة بمحيطها من كثرة آلامها وما أصابها ويصيبها من سحق يومي، ما يدفعها بخاصة في ظروف هزال وعيها إلى استخدام لغة متطرفة لا ترى سوى أسود وأبيض.. وهي بهذا لا تحمل سوى النقد بصيغة اذهب عليك اللعنة أنت أسود كما هذي الحياة التي تضغطني وتحيلني إلى أنبوبة غاز متفجرة..

الكارثة المضافة عندما يتحول هذا إلى الخطاب العام وتحديدا هنا الخطاب السياسي. فإنه لا يكتفي باللعنات والشتائم والانتقاص من الآخر المختلف فكريا بل يمارس فلسفة أو آلية القطيعة وبدل التعاون الواجب لتحقيق خطى البناء والتقدم تكون القطيعة سيدة الموقف.. وتنزلق الأمور إلى لغة العنف ودواماته الخطيرة!

ولتناول هذه الإشكالية لابد لنا من التأكيد على أهمية نشر الوعي المعرفي ومنطق العقل العلمي وثقافته المتفتحة إنسانيا، تلك التي تقوم على إبراز خصائص أنسنة وجودنا وتحولنا إلى مرحلة حضارية مدنية مختلفة نوعياً. ولابد هنا من توكيد رفض منطق المطلقات والأبيض والأسود وفلسفة فرض الأحادية التي تمهد للتمترس حول الذات في أمر أو آخر..

ولا يقبل مثل هذا المنطق السديد أن يكون النقد قائما على تشويه الآخر أو على الحط من وجوده أو التجاوز والاعتداء بأي صيغة من صيغه.. كما لا يقبل أن تكون الخيارات السياسية العامة قائمة على إلغاء منجز وخطى مسيرة لمجرد أن هذا الطرف أو ذاك استشاطت إحدى شخصياته المؤثرة غضيا  وأطلقت أحكامها المطلقة بطريقة الشتيمة والهدم لا في الآخر لوحده بل بمجمل النظام العام!

إنَّ أول مقتضيات النقد الإيجابي السليم أن ينصب على الفعل الخطأ بمعالجة موضوعية، لا بحال من الشخصنة التي تستغل الأمر لتقف عند تخوم استنزال الشتائم والتعريض بالآخر. ومن مقتضيات التفاعلات النقدية التحدث في إطار الخيار الاستراتيجي الثابت وتعديل التكتيكي المتغير على وفق الظروف وعلى وفق معطيات التجاريب الموضوعية.

ومن هنا يمكن لطرف بعينه أن يطلق برامجه بين الاستراتيجي والتكتيكي وبين العاجل الطارئ والبعيد المدى في أولويته.. لكن من دون أن يكون ذلك في الخطاب السياسي بلغة التغييرات التي لا تقرأ الواقع ومفرداته وما بني عليه النظام العام وأسس عمله ومساره…

وفي قراءة الوضع كوردستانيا فإنّ الثابت الاستراتيجي الأول يكمن في خيار شعب كوردستان للنظام المدني الذي جاءت به ثورة التحرر القومي الكوردية ثمرة لتضحيات كبيرة. وعليه فإن من يريد الحوار يلزمه التمسك بخيار الشعب أولا وبثمار الثورة البطولية لحركة التحرر القومي وقيادتها.

بلى، هناك ثغرات الأمر الذي يلزم البحث فيه، ولكن بإطار لا ينسى الثوابت أولا ولا يغفل عما يحيط بعموم كوردستان بأجزائها الأربعة وما تخوضه الأمة الكوردية من حروب مفروضة عليها من قوى إرهابية، هي على تخوم كوردستان وحدودها مباشرة..

وعليه ألا يغفل أن التصدي للمهام الوطنية لا يمكن لطرف واحد أن يتحملها بمفرده.. وإنما ينبغي الاستمرار بسياسة الاتفاق والوحدة الوطنية والسير بحذر في خطى الإصلاح.. بمعنى أن المتغيرات التنموية والتقدم نحو آفاق عمل جديدة يلزمها التأني وليس التقدم من دون حساب طابع الواقع واشتراطاته..

وإذا انطلق خطاب حزب أو شخصية أو أخرى من أسس أنا الأبيض والآخرون هم الأسود فالأمر سيكون كارثيا وبدل التقدم الإصلاحي المحسوب سنجابه تداعيات مرضية أسوأ، تنهار باتجاه مزيد اصطراعات غير محسوبة…

إنّ الحوار الحقيقي هو ذاك الذي يلتزم بالواقع الميداني وبطابع إدارة النظام العام التي سارت بالتوافق وبالأسس التي وفرت بنية عريضة موحدة يمكنها أن تتصدى للتهديدات الخطيرة الموجودة على تخومها وتلك التي تحاول اختراقها بأكثر من حصان طروادة…

ولابد من مغادرة خطاب التشويه للسلطة السياسية ذات الطابع المدني وتذكر أنها ملك المجتمع الكوردستاني وثمرة ثورته التي مازالت تتعرض لاستهدافات مركبة خارجية وداخلية معقدة.

ومن المهم أنْ يدور الحوار ومفرداته النقدية من جميع الأطراف بروح المسؤولية الوطنية أولا وبقبول التفاعل واحترام الآخر بعيدا عن اشتراطات تقوم على الغايات الحزبية وربما الشخصية من بعض أطراف لم تتقدم بورقة إصلاحية بديلة سوى التركيز على مطالب تغيير شخصيات مازال وجودها ضرورة في الظروف القائمة…

إن محاولات فرض تغييرات راديكالية مفاجئة في النظام السياسي من دون حساب العواقب أمر خطير ليس من مصلحة كوردستان اليوم والغد.

لذا ينبغي أولا وبشكل حاسم أن تراجع القوى التي قدمت خطابها النقدي أداءها وأن يجري وقف خطاب الشتيمة الذي لا يجسد سوى منطق التخلف الذي يهدم ولا يبني.. من المفيد البحث في خطى التأسيس للتغيير بشكل جمعي وطنيا وليس بخطاب أنا أو أنت بل ما سبل أن أكون أنا وأنت في ذات البوتقة التي تخلق أرضية التقدم بالاستناد إلى ورقة الإصلاح التي أطلقنها في حينه الرئاسة الكوردستانية والتي تبقى بحاجة لتعزيز وتطوير بالطريقة التي يجري تنضيجها على وفق تحديات المرحلة..ولن يفلح خطاب يسقط يعيش إلا في خلق انقسامات مدمرة تخدم أعداء كوردستان..

إن وعي شعب كوردستان بالخطاب الأنجع يتجسد في الالتفاف حول كل ما يمد جسور التفاهم والتعاضد والتكافل لا فيما يفتت الجهود ويسير بها نحو التشظي.. إنها اللحظة الفارقة التي يلزم أن يكون الخيار مزيد التفاف حول مؤسسات الدولة وقطع الطريق على كل أشكال عرقلة عملها.. إذ لا يجوز قبول منطق وقف مؤسسات الدولة  خدمة لطرف أو آخر.. على مؤسسات الدولة أن تستمر وأن يخدمها الحوار والجهد النقدي موضوعيا لا أن يتحول بها إلى صراع معرقل..

وبالمحصلة فإن محاولة هذه المعالجة لا تتجاوز فرصة التنبيه على الآليات ومرجعياتها الفكرية من جهة وعلى تعزيز ثقافة تبادل الحوار الموضوعي والقضايا النقدية القائمة على منطق علمي سليم لا يستثني طرفا من مهماته ولا ينصب على الشخصنة ويبقى بعيدا عن الغايات الحزبية الضيقة.. ولعل هذا هو ما سيفيد في تنقية المسيرة واستعادة أجواء البناء وإنهاء ما يجابه كوردستان من معضلاتٍ، بأفضل السبل…

...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *