تحرير سنجار وإدامة زخم الانتصار باتجاه معارك البناء

 انطلقت القوات الكوردستانية بمختلف فرقها الفدائية المدربة وصاحبة التضحيات والمآثر بقيادة موحدة لتحرر سنجار من دنس أوباش زمننا ووبائه. وقد أوفت العهد حقه وأعادت شنكال إلى حضنها الأم حرة أبية، شامخة بأهلها. ولم يكن لسنجار أنْ تتحرر لولا العزيمة والاستعداد القتالي ولولا وحدة الجهد الكفاحي وحركته بقيادة محنكة وبخطى لا تردد فيها. وقد جاء ذلك بفضل دراسة دقيقة من جهة وبفضل معرفة الأرض كونها ابنة الإنسان مالكها عبر تاريخ عمره آلاف السنوات والأعوام.

إنّ تحرير شنكال منجز مستحق في خريطة الالتزامات والأولويات التي ركزت عليها القيادة الكوردستانية على الرغم من التداخلات ومما أثير ويُثار من أمور ثانوية في زمن مخصوص بمعركة وطنية من أجل الحياة، معركة أن تكون كوردستان أو لا تكون. وقد كانت وبرهنت مجدداً مثلما دائما على انها الرقم الأصعب والعصيّ على الاختراق والمستحيل الكسر.

والقضية لا تقف بعد هذا الجهد العسكري الأمني عند تخوم استرداد الأرض. إنّ القضية أعمق وأبعد، في كونها تفرض التزامات تالية ربما هي الأكثر تعقيداً بين خطوات التحرير.

فسنجار التي دنستها جحافل الهمج المتوحشين تم تدمير بيوتها ومؤسساتها وتخريبها بطريقة غائرة الجرح. وهذه قضية أما القضية الرديفة وربما الأبرز والأهم فهي مرتبطة بالإنسان وبنائه.. الإنسان الفرد وقيمه وطريقة تفكيره ومعالجته تفاصيل حياته الخاصة شخصيا عائليا وجمعيا بالاستناد إلى هوية مكوناتية تبرز بوضوح من أتباع الديانات والمجموعات القومية بتنوعات وجودها..

إنّ المعركة الكبرى، تجري في إطار التمسك بالأرض أولا والدفاع عنها وحمايتها من أي معركة مقابلة بخاصة في ظروف تعبوية لوجستية لقوى الإرهاب تستند إلى فرضهم الموت والانتحار على شراذمهم في المعارك فضلا عن امتلاك أسلحة متقدمة وإمكانات عسكرية ليست سهلة تقنياً أمام الإمكانات الموجودة تقنياً في الأسلحة المتوافرة… ومع ذلك فإنّ جدية القوات الكوردستانية وتضحياتها ومآثرها وافية إذا لم يتم فتح جبهة مشاغلة كما تفعل بعض الميليشيات سواء عن عمد للضغط أم عن رعونة تفكير وتهور منفلت في ممارسة تلك المشاغلة، بالإشارة إلى معارك طوز خرماتو!

إنّ تلك المعركة الهامشية الجارية في الخاصرة الكوردستانية، قد تتحول إلى ثغرة دفرسوار عراقية وتفضي إلى تداعيات خطيرة تسمح لقوى الإرهاب التقاط أنفاسهم وتنظيم صفوفهم وربما العودة لمعركة جديدة في الجبهات الكوردستانية ومنها جبهة سنجار.

من هنا وجب على القيادة العامة العراقية في بغداد أن تفعّل الجهد لضبط الميليشيات بأمرتها ومنعها من فتح ثغرات ومعارك مشاغلة ليس لها محاسن ولكنها تمتلك أخطر المساوئ. وعلى القيادة السياسية وعلى ساسة البرلمان ببعض أعضائه الذين ثارت ثائرتهم بشأن رفع علم كوردستان في سنجار أن يراجعوا مواقفهم ويعدلوها بما ينسجم والحقائق التي يراد منها حماية وحدة القوات التي دخلت، وبما يمنع ولادة أي شكل للنزاع ولتقاسم السلطة ميدانياً.

إن وحدة السلطة السياسية والإدارية في سنجار قضية يجب أن تفرض نفسها بوضوح وبلا جدل بيزنطي عقيم. فتلك من المسلَّمات التي لا تحتاج لكثير عناء في فهمها. ووجود راية كوردستانية واحدة بمنع ظهور الرايات الحزبية هو تعبير عن علم فديرالي عراقي بدل الذي نحّى وجوده بسبب طابع ما قد يحمله من ظهور ميليشياوي لا يخضع لسلطة القانون! وليس من المنطق القبول بتمرير ما يخلق انفلاتا وفوضى وربما معارك جانبية، المنطقة في غنى عنها.

وهذا بمجمله، مما يلزمنا التفكر والتدبر بشأنه، ليس التوقف لحسابات لم يأتِ وقتها.. فالمعركة ما زالت دائرة وجديدها ربما أخطر من المرحلة السابقة. إذ المعركة في مرحلة السلام التي تعقب جانبها المسلح فيها أعباء مضاعفة ومركبة كثيرة التعقيد.

منها ما يتعلق بمنطق الثقافة التي ستفرض طابع سلوك قيمي ربما يدفع لمغامرات فردية خارجة على القانون وعلى منطق التمدن من قبيل القيم الثأرية الانتقامية…

إنّ خطاب اليوم تحديداً يجب أن يستبق مرحلة السلام بتعزيز منطق الإخاء والمساواة واحترام الاخر وبتعميق خطاب التسامح بكل قيمه النبيلة التي تمسك بها المجتمع في سنجار تاريخيا ويلزمه اليوم التمسك بها مجددا بخاصة في هذه المرحلة العصيبة بآلامها وجراحاتها الفاغرة.

لكن القضية لن تقف عند حدود تشجيع خطاب السلام والتسامح وقيمهما ولكن ينبغي فرض السلم الأهلي كذلك بمنطق سيادة القانون ووحدة السلطة وعدم تشظيها بين قوى حزبوية أو تلك التي تسمح بسطوة الانفلات الفردي وما قد يحمله من أفعال مندفعة أو متهورة، بخلفية تشيع خطاب الثأر والانتقام وكأنه أداة أو أسلوب عيش في عصرنا الذي يحيا على وفق قوانين التمدن والعقل العلمي ومنطقه وآليات اشتغال المؤسسات..

إنّ أول خطى المرحلة الجديدة ما بعد التحرير تكمن في ضبط الأرض وضبط آليات عودة المواطنين وتمكينهم من حياة آمنة وآليات عيش متمدنة ربما احتجنا فيها بل بالتأكيد سنحتاج فيها إلى طواقم عمل ميدانية بمختلف المجالات والتخصصات سواء السايكوسوسيولوجية أم الإدارية ومنها إدارة العمل المجتمعي العام وضمنا التعليم والصحة والخدمات.

في هذا الإطار سيكون على الحكومة الاتحادية واجب الارتقاء بمهامها سواء بإمكاناتها أم باستدعاء طاقات إقليمية ودولية.. وستكون سنجار علامة جدية ليس لصالح العراق وحده بل لصالح الموقف الأممي الرسمي والشعبي وتحديدا منه الموقف إقليميا بما يؤكد خلق منطقة الشرق الأوسط بفلسفة التكافل ضد ما أشيع من خطاب إرهابي دموي بشع.

ومن المؤكد فإن خطط إعادة الإعمار والبناء يجب أن تنفتح على مجمل بلدات سنجار وليس بحدودها الصغيرة مكانيا ولا باستثناء أي قرية فيها.. وهي مهمة تتطلب اليوم قبل الغد إطلاق النداء الرسمي والشعبي عبر جميع المنظمات بقصد تمكينها من العمل الفعلي المنتج لا الوعود العبثية التي لم تغنِ ولم تُسمِن لية مدينة عراقية من قبل..

إن الخسائر التي لحقت بأهلنا في سنجار مثلما عديد المدن الأخرى تتحملها السلطة الاتحادية بالخطاب الرسمي وهي المسؤولة عن جذب الاستثمارات ووسائل إعادة الإعمار فوريا ودعم قدرات الإقليم على معالجة ما تم تخريبه..

ولعل من بين الأمور الخطيرة التي تتطلب وصولا فوريا هو جهات التحقيق الدولية لتوثيق جرائم داعش ولقراءة الوضع بكل تفاصيله بخاصة منها المرتبطة بالوضع الإنساني سواء لمن تم تشريده أو استعباده أو قتله وإبادته في فظاعات لم يشهدها عصرنا إلا على ايدي قوى الإرهاب..

وبهذه الإشارة أتمنى على كل القنوات الفضائية والأجهزة الإعلامية والجهات المعنية برصد الجريمة وتوثيقها أن تسجل الحقائق البشعة التي سادت طوال الأشهر التي خضعت فيها تلك الأرض المقدسة لدنس الجريمة التي ارتكبتها شراذم الإرهاب.

إن إدامة زخم الانتصار لا تكمن بقبول اختلاق صراعات هامشية من قبيل أي الرايات ترتفع والحسم يكمن في راية واحدة معروفة هي من الفيصل في ترتيب التمسك الأكثر أمنا وسلاما وفي الانتقال إلى مهام البناء.

وطبعا لابد من تجنيب سنجار اية خطابات سياسية خلافية والتفكير الآن فقط بقضية واحدة هي حقوق أبناء سنجار وكيف نعيد لهم بيوتهم بعد جرائم التخريب والدمار.. وضمان العودة بسلام وإطلاق مشروعات البناء والتنمية وإيجاد قوى أمنية بحجم الدفاع الكافي عن المنطقة برمتها..

ربما هذه أولويات وأمور أولى ابتدائية لابد من حسمها وعدا عن ذلك سنجد الأمور تمضي بغير ما تتطلبه تطلعات الجميع نحو مسيرة السلام..

ألا يجدر بنا بعد كل هذا أن نحكّم منطق العقل والحكمة في خطابنا وندرك معنى الأولويات ومخاطر تجاوزها؟

تحية متجددة لبيشمركة الحرية والسلام والتقدم وتحايا وانحناءات لقدسية الإنسان ابن سنجار الحرة الأبية ووعيه وسمو قيمه الإنسانية وتمدنه ومعرفته طريقه اليوم قبل الغد. 

...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *