احترام الآخر ورموزه في الخطاب السياسي أساس العيش المشترك

يظل منطق إنتاج الخطابات الإنسانية، الاجتماعية والسياسية والثقافية وغيرها، الخاصة والعامة، محكوماً باحترام الآخر. ولهذا السبب يجري تسمية و\أو توصيف هذا الخطاب بالعدائي وذاك بالودي الإيجابي، في ضوء طابعه وما يتسم به من سمات تجاه الآخر. ففي العدائي سيجد المرء أنوية واعتداد مبالغ بهما تجاه الذات وربما ظهور منطق العنصرية تجاه الآخر والاستعلاء عليه وممارسة الشوفينية في العلاقة معه…

ومثل هذه الصفات تظل مستندةً إلى أصول تربوية خاصة وعامة تنشر العدائية وكراهية الآخر من دون البحث في الحقيقة. أي اتخاذ موقف العداء تجاه كل من ينضوي تحت هوية قومية أو مجموعة دينية أو مذهبية أو فكرية سياسية. والذي يمارس ذاك العداء والكراهية لا يدري ما السبب؛ سوى أنه مهيأ ومشحون ضد اسم بعينه ومن ينتمي إليه.

وفي هذا الإطار سنجد أنّ من يكره قوماً أو أتباع دين أو مذهب أو فكر بموقف مسبق سيبرر لنفسه كل الممارسات التي تمثل تجاوزاً وعدواناً على رموز الآخر وما يمثله. فتجد ذاك المتشدد المتطرف المحتقن في خطابه العدائي على سبيل المثال يمزق صورا وشعارات وعبارات تمثل الطرف الذي اتخذ منه موقف العداء والاستعلاء وخطاب الاستصغار والتهميش والتحقير!

ولعلنا لاحظنا من هذا القبيل ارتكاب بضع أفراد إساءة مرضية تعبر عن ضحالة التفكير وضآلة القيم السلوكية لهم يوم داسوا العلم الكوردستاني في مدينة كربلاء.. محاولين إشراك جمهور حضر للمدينة بمناسبة طقسية لأتباع مذهب ديني معروف.

لكنهم لم يستطيعوا فرض هذا النهج المرضي العدائي. كما لم ينجحوا في فرض سياسة خرقاء لتفكير أجوف سبق أن مارسه وارتكب جرائمه نظام الدكتاتورية للطاغية المهزوم.

إنّ أغلبية أبناء الشعب العراقي من العرب يؤمنون بوضوح بالتحالف الاستراتيجي العربي الكوردي. وهم يدينون أيّ شكل للاستعداء أو لمحاولة دس خطابات شق الصفوف واختلاق تناحر مفتعل الذرائع.. ولطالما دفعوا باتجاه مقاضاة تلك العناصر المرضية وما ارتكبته من جرم بات اليوم محرّم محظور دستوريا، مُجرَّم قانونيا يحاسب من يرتكبه قضائيا، وتصدر بحقه أحكام جنائية محددة قانونيا..

بلى في الخطاب السياسي قد تظهر هنا أو هناك احتقانات ومشاحنات تستند إلى خلفية تواضع مستوى الوعي لدى العناصر المحتدمة في جميع الأطراف، وتستند إلى جذور ثقافية مرضية من امتدادات الماضي البغيض وبقايا آثاره وإفرازات نتائجه، إلا أنّ ذلك لا يمكن أن يمرَّر بالصمت السلبي بذريعة التهدئة ولابد من موقف قانوني يحسم القضية  كي لا يجري تكرارها أو التمادي بها ومن ثمّ توسّع آثارها الخطيرة.

إن ترك الأمور سبهللة من طرف مَن مارس خطابا إعلاميا سوقيا يمتلئ بالشتيمة والسب والقذف والحط من الآخر وزعاماته ومقدساته وثوابته القومية الوطنية هو ما دفع لتمادي بعض عناصره ليصل بهم الأمر حد ارتكاب تلك الإهانات المتعمدة التي تجتر خطاب الطاغية المدحور وفلسفته العدائية…

كما إن إهمال عامل التثقيف بمنطق الوحدة الوطنية في دولة مدنية تقوم على اساس الإخاء والمساواة ومبدأ المواطنة بين صفوف أحزاب الطائفية وميليشياتها جعلهم يمتاحون منطقهم من خواء فكري يملأ فراغه آثار الاستفزاز والشحن والتقسيم بين طرف (ميليشياوي) يتبختر بعنفه وسطوته وبلطجته تجاه طرف يحمل علمه راية للسلام وللتعايش وطنيا في عراق فديرالي يحترم آليات الفديرالية ومنطقها.

فلماذا لا تصدر تصريحات تطمينية تعيد التهدئة (فعليا) وتلجم أعمال المراهقة السياسية الاستعلائية الشوفينية وارتكابها جريمة الاستهزاء بعلم هو ركن أساس في الفديرالية العراقية وهو معبر عن كينونة قومية لنا معها أعمق الروابط والتحالفات والوجود في بوتقة وطنية وفي بنية فديرالية يعمّدها دستور يجمع الأطراف كافة على أساس المساواة!؟

لا شيء من هذا سمعناه! أو ربما سنسمعه! لأن تصريحات قادة الفصائل الطائفية تبقى آنية تتحدد بأمور مصلحية عابرة وبما تفيد في تمكينهم من كرسي السلطة مدة أطول ولا يهمهم بناء مجتمع موحد بالإخاء وبقيم التسامح والمساواة وإنصاف الآخر بدل محاولة إهانته ورموزه المقدسة..

إنّ حادثة الدعس على العلم الكوردستاني رفضتها أغلبية عرب العراق ودانتها وطالبت بمحاكمة من ارتكبها وباعتذار سياسي من قادة تلك العناصر والجهة التي ينتمون إليها..

كما أن ردّ الكورد جاء برفع العلمين العراقي والكوردستاني بتآخٍ وجنبا إلى جنب في توكيد على التفاعل الأنجع والأنضج وعلى عمق الثقافة السلمية الجديدة التي تقوم على التفتح وعلى التعايش الأخوي وعلى السلم الأهلي وتفاصيل قيمه السلوكية من تعبير عن أنسنة وجودنا والدفع باتجاه البديل الذي ناضل من أجله  العرب والكورد معاً وسوياً.. فقدما التضحيات الجليلة من أجل التحرر والانعتاق..

ولقد عبر هذا الرد الموضوعي الغني الثر بقيمه السليمة عن نهج الرقي بالوعي الوطني في عراق فديرالي وبمنطق احترام الآخر وقدسية رموزه، بما يسحب البساط من تحت أقدام من يريد جرّ العرب والكورد للاصطدام أو لخطاب عدائي غير مبرر..

فالعرب والكورد حليفان استراتيجيان لا يسمحان لعناصر المراهقة السياسية من سوقة الخطاب وثقافته أن يؤثرا على إجراءاتهما من أجل تطبيع العلاقات التحالفية بينهما وسيرهما في طريق وحدة مكينة متينة بعراق فديرالي يؤمّن الاحترام للجميع ويكفل حمايتهم والدفاع عن حقوقهم الثابتة..

لربما مع تمادي خطاب إعلامي أجوف عبر بعض المحطات الطائفية وتبعيتها لجهات إقليمية تناصب كوردستان الحرة العداء، لربما هو ما دفع للإيغال حتى جاءت واقعة دعس العلم .. وهي بهذا تعبر عن ردهم على هزائمهم في الطوز وفي أماكن أخرى وتعويضا عن عجزهم في التفاعل الموضوعي المتمدن تجاه هذا الحدث أو ذاك..

ولكن بالمجمل يتوجه نداء أصحاب العقل والحكمة إلى الدولة ومؤسساتها كي تتصدى لمثل هذه الوقائع السلبية المهينة للجميع لأنها تتحدى إرادة العرب والكورد في تحالفهما وتعايشهما وليس الكورد لوحدهم.. يتجسد هذا التوجه بنداء من أجل ضبط الشارع وما يجري فيه.

فليس معقولا أن تعتدي قوات أمنية على التظاهرات السلمية وتعتقل وتختطف وتغتال وتبلطج بانفلات فيما لا تستطيع ضبط بضع أنفار منفلتين من عقالهم ومن ضابط قانوني يلجمهم وتصرفاتهم النكراء..

إن مسؤولية تلك القوات تنفيذ أمر يصدر عاجلا بمتابعة تلك المجموعة الضالة وتقديمها للقضاء مع ترافق هذا بخطاب سياسي واع يستنكر تلك الفعلة كي يبرئ نفسه من أدران مرضية لآثار نريد إزالتها من حيواتنا ومن خطابنا الوطني المشترك..

لقد دان التجمع العربي لنصرة القضية الكوردية ومعه عدد من الشخصيات الوطنية والاجتماعية والأكاديمية ممارسات الضجيج الإعلامي لبعض الأطراف الطائفية وما يمتلئ به من إهانة يراد أن تكون لكوردستان ولكنها تعود على مطلقيها فقط لا غير وتفضح جهلهم بالخطاب المتمدن بكل تلون مفرداته ومحاوره المجتمعية..

كما جرت إدانة ما أثير من تحشيد لاقتتال في بعض المدن والضواحي ومحاولة مشاغلة كوردستان عن حربها مع القوى الإرهابية وشراذمها التي استأسدت بسبب هزيمة قوات تمثل حكومة أحزاب الطائفية وميليشياتها…

والإدانة تأتي اليوم، لتؤكد احترام العراقيين لعلمهم الاتحادي ولكل الرايات والأعلام التي يتشكل منها العراق الفديرالي ويمضي قدُماً نحو تعزيز روح الإخاء بين حملة تلك الأعلام المعبرة عن وجود إنساني سواء بانتماء قومي أو أتباع ديانة و\أو مذهب فالجميع سواسية وأخوة في تحالف وجودي بنيوي يجري الارتقاء بالأنفس والعقول وقيمهما السلوكية السامية النبيلة..

سيظل علم كوردستان شامخاً في قمم جبال كوردستان الأعلى في هذا الوطن وعاليا مرفوعا بمدن العراق كافة تعبيرا عن احترام وحدتنا الوطنية وعمقنا الفديرالي وإخائنا وعن معاني الاحترام للآخر لا في حدود جغرافية بل في فضاء يتسع للكوردستاني يحل في البصرة والعمارة والناصرية والسماوة والكوت والديوانية والنجف والأنبار وبغداد وفي كربلاء مقدسا محترما توضع الأكف على القلوب عند المرور أمامه..

إن بديلنا لزمن العدائية والشوفينية وارتكاب جرائم التحقير القذرة والإبادة بشناعة ما اتسمت به، هو بديل نوعي يرتقي بثقافتنا وتبادل الاحترام لنحيا بروح المساواة والإخاء والتعايش السلمي وبقيم التسامح ووحدتنا في عراق فديرالي موحد وبديلنا يجسد التفاعل الطبيعي المنتظر لاستضافة كوردستان أهلهم العرب في بيوتهم وتقاسمهم وإياهم اللقمة في ظروف معقدة..

بخلاف ذلك لن نسمح لأفراد وبضع عناصر بمختلف انتماءاتهم وتبريراتهم أن يشقوا الصفوف ويمارسوا الجريمة بأشكالها.. لأننا أنهينا زمن الشوفينية والعدائية مرةً وإلى الأبد ولا عودة لتلك الأزمنة وأمراضها وأوبئتها..

وسلم علم كوردستان عاليا مثلما شقيقه العلم الوطني العراقي الذي نريد له قريبا أن يجسد ما يرمز للفديرالية والدولة المدنية لنحمله في اللقوب والأفئدة والضمائر.

...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *