استراتيجيات الدول الغربية تجاه أوضاع الشرق الأوسط

كتبت هذه المادة في ضوء قراءة أولية لسياسات غربية في المنطقة وقد كتبتها أشبه بالمدخل في تلك السياسات و وطابع استراتيجياتها بشكل عام من دون تفاصيل كثيرة  وضمنتها محاور عامة تتطلب العودة بسلسلة من الكتابات لاحقا سواء في الاستراتيجية تجاه دول المنطقة بحدودها المعروفة أم تجاه المكونات والمجموعات القومية وحقها في تقرير مصيرها.. عليه أرجو النظر في المعالجة في ضوء تاريخ كتابتها و بما تطرحه مباشرة فقط.

بدءاً ينبغي لنا أن نتذكر معنى الاستراتيج بوصفه رؤية جامعة وشاملة تستشرف المستقبل ويجري فيه تحديد الهدف الأبعد وكيفية الوصول إليه. وبهذا فهو نظام متكامل يتم تنفيذه بصورة كلية عميقة في قراءاتها البنيوية. وفي الاستراتيج يجري تحديد مجالات التميز والدفع والمؤازرة مقابل مجالات الصد والاعتراض وإثارة العقبات ومن ثم تتم دراسة نقاط القوة والضعف في حركة التنفيذ بالإطار البيئي المحدد.

ولكل موقف استراتيجي جهده في أخذ الاحتياطات للتحديث في افتراضاته المكوّنة على وفق المستجدات الداخلية والخارجية وعلاقتها بتحقق الهدف النهائي. وفي التفكير الاستراتيجي يجري رسم الخطط التي يتطلبها لجعل القوى المستهدفة جميعاً تخضع للحركة باتجاه الهدف المرسوم، سواء جاء بوعي وقصد أم تحت الضغط واختلاق ظروف تجعل من الآخر مضطراً للدخول بخط السير المحدد.

ولابد لنا هنا من الإشارة إلى تاريخ العلاقة بين الغرب والشرق وطابعها في العصر الحديث بمراحله المتعددة بخاصة في ضوء الحروب الكونية التي خيضت وما انبثق إثرها من نتائج. وهنا يجدر بنا ذكر اتفاقية سايكس بيكو وتحديد جغرافيا دول الشرق الأوسط سياسيا ثم انتهاء الحرب العالمية الثانية وما جرى عقبها من متغيرات والانتقال من دور عصبة الأمم إلى دور أوضح للأمم المتحدة ومجلس الأمن فيها، حيث أدوار الدول الكبرى وانقسام العالم على معسكرين اشتراكي ورأسمالي وأثره في ولادة فكرة الدول الوطنية وصيغ السعي للتحرر والانعتاق وإشادة حراك جديد للاستقلال والتنمية.

إن الانتقال إلى علاقات دبلوماسية تبحث عن اتفاقات تضمن الأهداف الاستراتيجية الأبعد للدول الكبرى الغربية بمعالجتنا هذه، ضبطه الموقف الاستراتيجي القائم على تدوير مصانع الغرب باستقطاب الطاقة من جهة وضمان تدفقها وبتعزيز الطابع الاستهلاكي للآخر المقصود هنا بلدان الشرق الأوسط.

ومع تنامي الوعي السياسي ومتغيرات المنطقة بات الاستراتيج الضامن لمثل هذه الأهداف بحاجة لتحديث اندفعت فيه بعض السياسات الغربية باتجاه نظريات الليبرالية الجديدة والمحافظين المتزمتين، الذين ظنوا أنّ إبقاء التبعية لهم وإخضاع الآخر قد تكون عبر العصا الغليظة وإن بأدوات جديدة.. فتفتقت الخطط الاستراتيجية التي ترى أن إثارة الفوضى ستدفع في مرحلة لاحقة إلى إعادة صياغة المنطقة بطريقة ممكنة الضبط على الإيقاع الذي رسمته استراتيجيتهم.. وتم تسمية التصور بالفوضى الخلاقة!

ومن الطبيعي أن تدفع تلك الجهات بُعيد الحرب في العراق عام 2003 بعناصر بعضها مدرب تحت إشرافها فيما تتغاضى عن خطى تنامي أحزاب الإسلام السياسي بجناحيها الطائفيين وبميليشياتهما وتشظياتها بكل ما ارتكبته من جرائم إبادة وجرائم ضد الإنسانية بحق المكونات المجتمعية بقصد السطو على الوضع بنظرات قاصرة تقف حدود جغرافياها عند المآرب الآنية والنوازع الخاصة فئوياً طائفياً..

ومن الطبيعي أن تنمو في ظل هذه الأوضاع حالات ولادة المافيا المنظمة وبلطجتها وآليات إدارتها الأوضاع وهي آليات كليبتوقراطية في نظامها وفي آليات اشتغالها. لكن الأمور بجميع الأحوال جرى ويجري استغلالها واستثمارها بأقصى  ما متاح من جانب المافيا الدولية والشركات متعددة الجنسية، وطبعاً النظم الغربية التي تسعى بثبات إلى إبعاد أية هزات مرتدة يمكن أن تهدد أوضاعها واستراتيجياتها…

وإذا كان صحيحاً دعم مبدأ إبعاد الهزات الراديكالية والعنفية المتشددة عن مجتمع دول التحضر الصناعية فإن من الصحيح أيضا البحث في أنجع الوسائل لإنهاء تلك الهزات وطابعها الإرهابي الذي ترتكبه الميليشيات الطائفية بحق شعوبها..

لقد مزقت تلك الميليشيات وأجنحتها السياسية مجتمعات الشرق الأوسط وغيرت مسار الأوضاع من ثورات ربيع وانتفاضات سلمية وانتصار لإرادة الشعوب في صنع الديموقراطية إلى صناعة نظم كليبتوقراطية طائفية باتت خطرا على الأمن الإقليمي والدولي معاً..

وتلك هي نتيجة طبيعية لاستراتيجيات غربية بدل أن تدعم القوى العلمانية المدنية الديموقراطية راحت تدعم قوى الطائفية والإسلام السياسي بكل ما تحفل به من راديكالية متشددة متطرفة وفكر ظلامي ماضوي مقيت ومن تخبطات أفضت إلى تمزيق المجتمعات المحلية والتمهيد لانهيار الدولة ومؤسساتها بشكل شامل.. وإذا ما استمرت الأمور بذات الاتجاه لن يجري استعادة بنى الدول الوطنية بأسسها المدنية السليمة في المستقبل المنظور.

إن التجربة العراقية وفرض آلية المحاصصة الطائفية وحل مؤسسات وطنية مهمة وبناء بدائل بطرق لا تنتمي لمنطق العصر وآليات بناء الدول الديموقراطية أدى إلى النتيجة التي نراها في العراق على سبيل المثال.. وهي نتيجة حطمت بنى الدولة وهياكلها المؤسسية وأضاعت حتى البنية التحتية للاقتصاد والمجتمع وأشاعت حالا من اقتصاد ريعي استهلاكي لا خطى استثمارية له ولا فرصة للبناء والتنمية بمساره في ظروف الانهيار الشامل.. ومن ذلك انهيار التعليم بكل مراحله وتصنيفاته وتعطيل مراكز البحث وتصفية العقل العلمي وإشاعة الجهل والتخلف ومنطق الخرافة..

 لقد عمدت استراتيجية القوى المحافظة الغربية إلى رسم استراتيجيتها على أساس:

  1. تفعيل الحراك من أجل التغيير ودعم خطابه بشكل عام بلا محددات تلتزم بها تجاه الحراك ومستقبل منجزه.. سبق هذا ورافقه حال من التخلي عن دعم النظم المحلية، كونها نظما شمولية دكتاتورية. وقد جاء هذا استجابة للاتجاه العام للشعوب ولتضامنها الأممي وفي سبيل تجنب الوقوف ضد هذا الاتجاه بخاصة في إطارها الداخلي الممثل للمجتمع الصناعي المتقدم والسياسي الليبرالي الديموقراطي…
  2. بالمقابل عملت مراكز التخطيط الرئيسة في تلك الدول باتجاه دعم عسكرة الحراك الشعبي وإضفاء الطابع العنفي على ثورات الربيع السلمية.. وأسهل ما يلبي لها هذا الأمر هو التفاعل مع قوى الإسلام السياسي وأجنحته الطائفية بطرفيها كونها القوى المتشددة المتطرفة ذات الطابع العنفي لهويتها..
  3. غضت الطرف عن عمليات تدريب الميليشيات وتزويدها بالأسلحة وبأشكال الدعم اللوجيستي من دول إقليمية معروفة..
  4. واصلت الدفع باتجاه عقد الصفقات الاقتصادية الخاصة بالنفط وموارد الطاقة بانسيابية انحدرت بأسعارها من جهة فيما أشعلت أسعار المواد المصنّعة المرسلة لدول المنطقة فضلا عن كونها سوقا لأسلحتها..
  5. رتبت علاقات مع المجموعات القومية والدينية الصغيرة المهمشة في ظروف أرادت عبرها أقصى استفادة لمصالحها السياسية العليا وبالتأكيد للمصالح الاقتصادية التي تظل أس المستهدفات الاستراتجية، ولكنها لم تلتزم باتفاق جدي ملموس يعود بالنتائج الإيجابية في دعم حق تقرير المصير جدياً عملياً، بقدر ما كانت الأمور تمشية لخططها البعيدة وتطمينا لبعض الأمور مرحلة بعد أخرى. وبهذا الإطار فإنها تدفع بتأييد خطوات سطحياً تتكشف عن مواءمة مع تطلعات هذه المجموعات وعميقاً واستراتيجياً لا تخدم تلك الموافقات مصالح سامية للحركة التحررية! من جانب الاقتصاد ربطت وتواصل ربط الاقتصادات بتبعية مباشرة وغير مباشرة لا بتحالفات واتفاقات إيجابية تأخذ مصالح جميع الأطراف بل بإلزام الجهات الوطنية المحلية بما يقع عبءاً على شعوب المنطقة..
  6. لم تأتِ الاتفاقات الاستراتيجية بشأن التسلح النووي بنتائج فعلية لضبط التوازن الإقليمي ومنع انتشاره.. فلم تحقق السياسات الاستراتيجية الجارية إلى إخلاء المنطقة من تلك الأسلحة مثلما فاقمت تلك الاستراتيجيات تدفق الأسلحة التقليدية على دول المنطقة. وأدت لتمدد غير موضوعي لقوى إقليمية على حساب أخرى وتحديداً هنا جرى لا تهديد الأمن القومي للبلدان العربية بل جرى اختراقه أمنياً في عمقه لصالح كل من إيران وتركيا وغيرهما…
  7. لم يجر دعم بناء دول المنطقة وهياكلها الارتكازية وبناها التحتية بل تُركت لتضييع ما كانت تمتلكه.. ودعمت الخطط التشغيلية والاقتصادات الريعية مثلما عملت على إغراق بلدان الشرق الأوسط بقروض مجحفة بشروطها على طريق شروط الإذعان التي يفرضها صندوق النقد وسياسات البنك الدولي.
  8. تتجه تلك الاستراتيجيات إلى خلق تحالفات شكلية سياسياً مع أغلب دول المنطقة لربطها بفلك بعينه فيما تنهض بتحالفات استراتيجية عميقة وثابتة مع أطراف إقليمية معروفة، ومنح تلك الأطراف فرص الإخلال بالتوازن والعناد في الامتناع عن تنفيذ قرارات الأمم المتحدة وتخل بالتوازن لدول على حساب أخرى في افتعال لقنابل موقوتة مستقبلياً..

إنّ الصائب بهذه الحال، يتمثل في البحث عن اشكال تحالفات سياسية واقتصادية تتسم بالتوازن بالقدر المتاح وعدم الوقوع بمصيدة الردود الانفعالية السلبية والعنتريات أو التحديات العزلوية. وبهذا يمكن لبلدان المنطقة وقواها المدنية التحررية أن تبحث عن أفضل التحالفات مع الدول الغربية بما يعيد لها الاستقرار من جهة ويُبعد الهزات الجارية ويعالجها جوهريا..

هذا الأمر متاح لكنه يعتمد أيضا على استراتيجيات مناسبة من القوى الفاعلة وإدراك لكيفية إدارة الأزمات وعقد التحالفات وآليات استثمارها إيجابياً..

إنّ هذا لا يمكننا تحقيقه من دون مراجعات جوهرية لسياساتنا واستبعاد عناصر مرضية تكاثرت سلبيا وبائيا بيننا.. فهلا أدركنا الأمور وبحثنا فيها موضوعياً!؟ وهل تنبهنا على المنتظر منا نحن لا من تعويلنا على الآخر المقترن بكسلنا  أمام واجباتنا؟

أسئلة لن تتأخر إجابتها في ضوء المعطيات السائدة فمتغيرات جوهرية ستجري قريباً وعلينا الاستعداد لمجابهة مسؤولياتنا تجاهها.

النص باللغة الكوردية

وللموضوع بقية

...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *