ماذا يختفي خلف لعبة الإتيان بتكنوقراط جديد بدل التكنوقراط القديم؟

منذ بدء العملية السياسية ما بعد 2003، تنادت أصوات وطنية عديدة بالدعوة إلى وضع محددات العمل العام سواء كان ذلك  وتعديلاته المؤملة أم ما ارتبط باستكمال التشريعات والقوانين ومن ثمَّ استكمال بناء المؤسسات وهياكل الدولة.

ولقد قادت حكومات عديدة بأوجه وزرائها ولكنها ذاتها بمرجعيتها؛ فكان ما شهدناه برمته، قد أخل بالجوهر الوطني للمسيرة؛ بانحرافه نحو فرض منطق المحاصصة الطائفية وفلسفتها وآلياتها.. وكذلك بتخلفه عن استكمال إجراءات تشريعية وبناء مؤسسات رئيسة في هيكل الدولة من قبيل المجلس الاتحادي الذي أبقى الهيأة التشريعية حتى اليوم ناقصة ببنائها وتمشي عرجاء بالمخالفة مع ما نص عليه الدستور!

ما نريد التركيز عليه هنا، يتمثل في طابع الحكومات المتعاقبة. تلك التي قامت على أساس تنصيب وزراء بالاستناد إلى حصة كل طرف طائفي من جهة وتوزيع الحصص \ الغنيمة بين أحزاب الأجنحة الطائفية سواء منها الجناح الذي يدعي تمثيل أتباع هذا المذهب أو الذي يأسر أتباع مذهب آخر!! وبالمحصلة لا حديث عن كفاءة الوزير وعن تخصصه المعرفي العلمي بقدر ما كان الحديث منصبّاً على الاستجابة للحصة في تركيبة الحكومات التي تضخمت من أجل تلبية مطلب  المحاصصة الأثيرة إياها!

لقد عدَّت أحزاب الطائفية الحكومات تجسيداً لبنى وهياكل أو مناصب تعبر عن ملكيتها أو غنيمتها؛ ولم تكن مستعدة للتخلي عن تلك الغنيمة. إذ أن الطبقة السياسية الوليدة، أمعنت في الانحدار نحو أسوأ آليات الفساد التي سجلتها المنظمات الدولية. حيث جاء ترتيب العراق بسبب ذاك النهج في قمة قوائم الفساد دولياً.

لقد تفاقم الأمر سنة بعد أخرى، وتدهورت الأوضاع، مع الإيغال في اللعبة المافيوية لنهب الثروات من جهة وللتمسك بالحصص غنيمة لا يمكن التخلي عنها. فضلا عن كون تلك القوى حكمت نفسها بآليات مافيوية أبعد من محلية عبر ارتباطاتها الإقليمية الدولية.

ومع كل حركة احتجاجية شعبية، كان يجري تنفيس الأمور بعدد من الإجراءات الترقيعية بمسمى الجهود الإصلاحية! وتداولت الحكومات نهج المحاصصة والغنيمة  وآلياتهما، كما باتت تعبث بمقدرات الشعب بلا أية فرصة للتوقف عن مسار الانحدار والتدهور الشاملين… إذ لم يكن من مجال للتراجع عمّا تمَّ ارتكابه من جرائم فساد قادت إلى انهيارات أخرى من بينها الانهيارات الأمنية التي أوقعت بالشعب أفدح الخسائر بالأرواح فضلا عن الخسائر المادية…

هل يمكن لمن اختاروا هذا النهج السياسي في إدارة الأمور أن يتراجعوا؟ باختصار وبشكل مباشر: كلا، لا يمكن .. لأن إنهاء نظام الطائفية والفساد، يقتضي محاسبة المجرم على جرائمه.. وهو أمر يقع على قمة الهرم! فقتل عشرات آلاف المواطنين وجرائم إبادة جماعية طاولت مجموعات سكانية ونهب مئات المليارات وتخريب البنية التحتية لم يرتكبها موظف صغير بالتأكيد؛ فهل يقبل قادة الصدفة الذين جاؤوا من أقبية الطائفية وسدنتها أن يتخلوا عن الغنيمة وأن يُحاكَموا!!؟ كما أجبنا بالتاكيد وقطعاً كلا…

إذن ما المخرج الذي يمكن لتلك القوى أن تخلص نفسها عبره من الإدانة؟ وما آلية العمل المتوافرة بين يديها؟ الجواب، كان ومازال يتكرر بالهروب إلى أمام.. مثلا إطلاق خطابات تضليلية عن حملات إصلاحية؛ من قبيل تغيير هذا الوزير أو ذاك وما يجري هو إقالة شخصية فاسدة والمجيء بشخصية مثيلة من ذات الحزب الطائفي وبذات الآلية وفلسفتها ونهجها أي بالاحتفاظ بالغنيمة وعدم التخلي عنها مع تصوير أن رئيس [مجلس] الوزراء قد تم تغييره فجيئ بشخصية من ذات الجهة ومازالت تأتمر بالحزب ورئيسه وبنهجه! ومع كل وزير جرى الاستبدال بذات الآلية في المرة الأخيرة جرى الترقيع [الإصلاحي] بخطاب تضليلي يدعي تكليف تكنوقراط بالمهام!

ولكن، حتى مع تجاوز سلامة الشهادات التي يحملها المكلفون الجدد، ومع تجاوز موضوع الخبرات والعمل السابق لكل مكلف، ومع تجاوز موضوع انتسابه لحزب طائفي أو آخر، فإنّ القائمة التي جاءت، لم يكن بالإمكان توصيفها بالتكنوقراط لا بانتمائها المجتمعي ولا بانتمائها العلمي الأكاديمي.. إنها مجموعة حصلت على شهادة بطريقة [ما] لتنظم إلى عطالة مقنَّعة حيث لا وجود لمشروعات بنيوية تخص التكنوقراط وجهدهم النوعي.. فلا صناعة ولا زراعة ولا بأي بوابة مخصوصة لعمل التكنوقراط.. ولا حاجة للسؤال عن البحوث العلمية أو الابتكارات أو الدراسات التي نهض بها أيّ منهم فالنتيجة إن لم تكن صفراً فهي قريبة منه…

فكيف نسمي الشخصية تكنوقراط، وهي لا تملك خبرات بحثية نظرية وعملية؟ ولا تمتلك استقلالية تؤهلها أو تجعلها تعمل على وفق قوانين العلوم ومحدداتها؟ كيف يمكن أن نستخدم تلك التسمية وتوصيفها لشخوص أول ممارسة لهم تكمن في اقتسام المنافع المادية مع من رشحه شخصيا ومع الحزب أو الجهة التي وفرت الغطاء للترشيح ومع جهات المصالح في (الغنيمة)!؟ كيف يكون تكنوقراط ونهجه هو نهج سياسة الطائفيين ومحاصصاتهم وإجراءات نهبهم وارتكابهم كل الجرائم التي تتخذ من قوانين المافيا نظاما للعمل؟

إن ذلك يعني تعطيل حتى دور الشهادة التي يحملها شخص ما لصالح نهج جرى تكريسه طوال مسيرة حكومات بغداد ما بعد 2003…! وعليه لم نشهد بتنصيب ما أسموه تكنوقراط للحكومة الأخيرة أيَّ نهجٍ يخضعُ لقيم التكنوقراط أو يتباه ويمارسه بل شهدنا وجوها تخدم تكريس النهج  المرضي للطائفية والفساد.. أذكّر أيضا هنا أنه حتى بمجيء حامل شهادة بتخصص ما، تم وضعُه في وزارة لا علاقة لها بتخصصه، فكيف سيكون عمل التكنوقراط؟؟؟

مع تفاقم الأزمات ووصول البلاد إلى قعر الهاوية وليس حافتها! ومع تصاعد الحركة الشعبية الاحتجاجية وتواصلها واستمرارها.. ومع وعي الجمهور الأوسع لما يجري وافتضاح الجريمة ومن يقف وراءها، عدنا للعبة البحث عن ((متنفس)) يمرر الأزمة لتعبر سلطة ثلاثي (طائفية، فساد، إرهاب) إلى ضفة جديدة بلا خسائر أمام المد الشعبي وانتفاضته أو لنقل حتى الآن تململه وتحركه…

إنّ المشكلة ليست في استبدال الوجوه حتى لو أسقطوا عليها لا توصيف التكنوقراط بل توصيف الملائكية والمثالية والقدسية. المشكلة في طابع النظام الذي لم يعد ممكنا أنْ يستمر أكثر والبلاد بقعر الهاوية ومواطني البلاد باتوا عبادا لمافيا البلطجة الميليشياوية لمصلحة أعتى قوى فساد وأكثرها جهلا وتخلفا وفكرها الأكثر ظلامية في التاريخ فكر الطائفية، الذي يعيد اجترار نظامه من كهوف التاريخ.. إن طابع النهج وخلفيته الفلسفية،  جسد ((نظاما كليبتوقراطيا طائفيا)) بامتياز.. وهذا النظام لا يقبل الترقيع أو ما يسميه بعضهم (الإصلاح) يورط من يحمله ومن يتبعه محتجا بلا نتيجة جدية!

إن التوقف عند مصطلح (إصلاح) يريدنا أن نقرَّ ونعترف بأن مجرما فاسدا حد النخاع يمكن أن يتخلى عما نهبه وأن يعترف بجرائمه وينفذ العقوبات التي تفرضها عليه القوانين وعدالتها! وأهلنا في العراق طالما اسموا هذا قشمرة وقشمريات، إنَّهُ ضحك على الذقون ودجل وتضليل…

فما هي حكاية الاستبدال الحكومية لتكنوقراطه الأخير بتكنوقراطٍ جديد!؟ من أي شكل سيكون هذا التكنوقراط في هذه المرة؟

 كما تلاحظون فإنَّ ما يريدون تمريره بتوصيفه بأنه تكنوقراط مستقل لا ينتمي لحزب ليس سوى بهرجة تضليلية جديدة ولعبة عبثية أخرى.. فالقضية العراقية لا تقف مشاكلها الراهنة عند حدود الاستقلال الشكلي للتكنوقراط!؟

إذ ما هي صلاحية هذا التكنوقراط المستقل شكلياً، في ظل سطوة الأجنحة (السياسية) لحكم الميليشيات المتنفذة؟ أي استقلالية مدَّعاة مع تلك الميليشيا التي تستبيح كل شيء جهارا نهارا وبلا إمكان للجمها؟ أليست هي تلك الميليشيات التي تأخذ مرتباتها أتاوة من دماء المواطنين وثروات الشعب لتدفعها لأعضائها!! فمن من ذاك التكنوقراط البديل المفترض يستطيع التحدث عن ميليشيا أو عن زعيمها ويتخذ إجراء مخالفا لها ليصحح ما ارتكبوه؟

لقد أسقطت الطبقة السياسية من الكربتوقراط الحاكم على وجودها قدسية إلهية أعلى من دينية.. واحتمت بظهير إقليمي سواء غرب العراق أم شرقه بحسب لون العمامة التي يتستر بها بلطجية تلك الطبقة السياسية للفساد وأشقياء ميليشياتها، من المغرر بهم من صبية وزعران المرحلة؛ وهم جلهم من المعدمين المجوَّعين عمدا والمسرَّبين من المدارس عمدا وقصدا ومن المجهَّلين لمآرب مفضوحة..

ذلكم هو الوضع وتلكم حي الغاية التي تكمن خلف لعبة حكومة تكنوقراط من جديد.. مَن يريد تكنوقراط؛ عليه أن يزودهم بصلاحيات كاملة ويحميهم من الضغوط ويضمن الاستقلالية الفعلية لا الشكلية؛ ويوفر لهم البرنامج الوطني للبناء والتنمية، ما لا يتوافر عند شخوص لم يعرفوا فلسفة بناء أنفسهم فكيف نسلمهم بناء وطن وتغيير تشوهات مجتمعية بلا حدود…!؟

مَن يريد التغيير، عليه أن يعيد قراءة مطالب الاحتجاجات السلمية لتظاهرات بغداد والبصرة والناصرية والنجف وكربلاء والمثنى وواسط والديوانية وديالى.. عليه أن يقرأ الأمور بأعين العقل العلمي التنويري. أن يسلم السلطة لبديل الطبقة السياسية التي أمرضت البلاد وأوقعتها بقعر الهاوية.. من يريد التغيير عليه ألا يخرج من مستنقع ليوقع الشعب بمستنقع أردأ وأسوأ..

البديل هو بديل نظام كليبتوقراطي طائفي وهو نظام مدني ديموقراطي ينهي سطوة من يسمون أنفسهم رجال دين سياسيين وأن يلغي أحزاب الإسلام السياسي لتجاز أحزاب تؤمن بفلسفة الدولة المدنية..

 فلا تصدعوا رؤوسنا بالتكنوقراط شكلا.. ولا تتعبوا أنفسكم بتلك العبثية؛ لأن الشعب قادم بتغييره الذي يريد.. وآت بأبنائه المخلصين لبناء العراق الفديرالي الديموقراطي الجديد بأسس تحترم عقل المواطن وتقدس مطالبه لا بجبة الفاسد ولا عمامة التخفي والتضليل اللتين يرتديهما دجلا وتضليلا..

...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *