الأوجه الأنجع لدعم كوردستان دولياً إقليمياً ومحاوره المؤملة

كوردستان زمن التقسيم في عشرينات القرن الماضي، طلب منها المجتمع الدولي انتظاراً بلا سقف زمني محدد، لمنحها فرصة إشادة وحدتها واستقلالها، على وفق حق تقرير المصير المكفول في القوانين الدولية، وعلى وفق العهود والوعود والاتفاقات المخصوصة التي قُدِّمت لممثليها آنذاك. ووقتها اختار الشعب في جنوب كوردستان الانضمام للدولة العراقية الحديثة؛ بأمل أن يتم مراعاة الحقوق الإنسانية وكفالة مسيرة البناء والتقدم.

إلا أنَّ الدولة العراقية بمختلف النُظم المتعاقبة أهملت إقليم كوردستان وهمَّشته وتركته نهباً لأوضاع اقتصادية جائرة، وبعض تلك النُظُم كان متعمداً قتصداً بالاستناد إلى طابعه الشوفيني. وبسبب ذلك ساد  الفقر والأمية وسادت عمليات التجهيل وفي السياسة اُرْتُكِبت  ضد الإنسانية ومنها جرائم التعريب لجغرافيا المكان  ولهوية الإنسان! عدا عن سنوات قليلة منسوبة لثورة 14 تموز وجهودها التحررية أو تلك التي جاءت بفضل انتصارات حركة التحر القومي الكوردية، التي ضمنت رعاية مختلفة نوعيا للكورد.

ومنذ انعتق جنوب كوردستان من سلطة الطاغية الدموي الأبشع، وطوت صفحة على جرائم الإبادة الجماعية وجرائم ضد الإنسانية التي حاقت بالكورد على يد واحد من أعتى طغاة العصر الحديث، جرت محاولات جدية لإشاعة أجواء الحرية والتقدم الاجتماعي والتوجه نحو بناء أسس دولة مدنية تُعنى بخيار الديموقراطية نظاماً ومنهجاً لكوردستان الجديدة..

ولكن، الانعتاق من سطوة دكتاتورية شوفينية غاشمة لم تمنع من الوقوع بأشكال حصارات وعقبات بلا حدود لآثارها التي عطلت مشروعات البناء ووقفت بوجه خطى التقدم الفعلي. بخاصة مع ما فرضته المنظمة الدولية ودول إقليمية من اشتراطات قاسية في إطار ما تمّ فرضه على الدولة العراقية  حتى العام 2003 لتأتي بعد هذا العام مستجدات أخرى كانت أحياناً أنكى؛ فارتقت إلى مستوى حصار اقتصادي فرضته الحكومة الاتحادية بظل سلطة رئيس مجلس الوزراء السابق [المالكي].

ومع تعطيل تشريع قانون النفط والغاز وتعطيل قوانين عديدة جوهرية في كونها قوانين بنيوية لمؤسسات الدولة الحديثة، مع مثل هذا الاتجاه الذي رافقته سياسة سلطة اتسمت بالطائفية المقيتة ومنطقها وآلياتها، تمَّ اختلاق عقبات جديدة بوجه مسيرة البناء التي اختارتها كوردستان الجديدة.

ولطالما جابهت كوردستان فرضا قسريا لتحديد المشروعات البنائية بسبب من حجب الحكومة الاتحادية للحصص المالية.. أبعد من ذلك كانت تشكلت بوقت سابق قوات من قبيل قوات دجلة وغيرها وتم توجيهها للاعتداء على كوردستان الآمنة ومن يدري ما طابع الضغوط الأخرى في ظل سياسة مافيوية (ميليشياوية) مفضوحة سافرة!؟ كل ذلك لأن بعض الطائفيين ومن يتصدر المشهد السياسي ببغداد لم يرُقْ له خيار الطابع المدني للدولة في كوردستان ما يفضح ويعري الطابع الطائفي للحكومة ببغداد بكل ما فيه وعليه من مآخذ وما يُحسب عليه من ارتكاب جرائم!

إنّ جملة تلك الضغوط بكل تنوعات محاورها: الاقتصادية، السياسية، الاجتماعية بالمعنى العام الأشمل للمصطلح؛ ظلت العصا الموضوعة في دولاب التنمية الكوردستانية.

إلا أن ذلك لم يفتّ في عضد حكومة كوردستان وقيادتها، وسارت باتجاهات مناسبة بالمجمل. ربما حسب عليها بعض المحللين أخطاء بعينها، لكن القضية ليست في الأخطاء.. فتلك قضية جد طبيعية في حياة كل إنسان يعمل وبمسيرة كل قوة سياسية او جهة حكومية رسمية تجتهد للتقدم؛ ولكن المشكلة والقضية في كيفية توصيف الأخطاء من منظورات عدائية ديدنها وغايتها تسقيط الآخر ممثلا بالتجربة الكوردستانية البهية.

وعليه، فإنّ ظهور بعض عقبات بوجه هذه المسيرة أو ظهور بعض عثرات وهفوات ومنها ما قد يمس ظرفا حياتيا معاشيا من قبيل نسبة بطالة أو نسبة للفقر أو ضغطاً يعيق وصول رواتب العاملين أو جزءاً منها، هي حال ظهور عرفه الشعب الكوردستاني بشكل أقسى أيام ثورته ونضالاته التحررية، ما يعني أن كوردستان لن تعيقها تلك العقبات ولن يسمح شعب كوردستان، بأغلبيته، لأعدائه أن ينفذوا منها للإيقاع بين الشعب وقيادته في لحظات تاريخية حرجة..

فاللحظة الراهنة، فيها تركيبة ضاغطة من جهة الحصار الاقتصادي من الحكومة الطائفية ببغداد وممارساتها القائمة على افتعال الاختلافات وتجنب وضع  الخطى المناسبة للحل الجوهري عراقيا كوردستانيا. وفيها ضغط الانهيار الفاحش في أسعار النفط ومواردها بنسبة كسرت حاجز الـ75% نسبة لأسعار ما قبل عام من الآن! وغير هذا وذاك فإنّ طابع الصراع الإقليمي وما يدور على تخوم كوردستان من تهديدات قوى الإرهاب المدججة بأحدث الأسلحة فضلا عن محاولات اختراق مخابراتية إقليمية؛ كلها ليست من ضغوط حالة حرب طبيعية كما يجري في الحروب الكلاسية بل هي ضغوط مركبة بلا أسقف وبلا تشخيص لمحور أحادي بل هي مركب معقد للتهديدات الخطيرة التي تدفع للعيش بما هو أقسى من ظرف حالة الطوارئ أو ما يدعو للأحكام العرفية، درءاً للتهديدات…

أمام هذه التهديدات بحجميها النوعي والكمي لا يمكن قبول الاندفاعات الراديكالية وخطابها ومن يقف وراءها في اتخاذ قرار أو آخر ولابد هنا من من مسك العصا من مواضع لا تقف عند نقطة وسطية ثابتة بل تتحرك بمنطق الانحناء أحيانا للعاصفة كي لا تكسرك وتزيد الخراب وتعيد الأوضاع إلى ما قبل مسيرة البناء الأخيرة!

ربما تراءى لبعض مراهقي السياسة أن هذا تراجع عن المبادئ أو تراءى لهم أن هذا خيانة للشعب وتركه نهبا لظروف قاسية سواء معاشية ام غيرها. لكن رؤية مثل هؤلاء لا تنظر أبعد من أرنبة الأنف ولا تبصر استراتيجيا؛ ولهذا نراهم يرفعون الصوت عاليا بروح راديكالي انفعالي مندفع بلا حكمة لما يختفي خلف الأكمة..

كما أن بعض أطراف حركة حقوق الإنسان وناشطيها، لم ينظروا لعمق الأزمة بقدر نظرهم العاطفي إلى بعض التجاوزات أو الاعتداءات وبدل وضع الحلول النموذجية الإيجابية المناسبة تحولوا بخطابهم إلى خطابٍ سياسيٍّ حزبيٍّ حادٍ مندفعٍ على طريقة: يسقط، يعيش.. وهم بهذا ينسون أصل القضية الحقوقية التي تتحدث عنها..

وهناك طبعا من يتصيد بالماء العكر ويحاول الإيقاع بقصد تجاه القيادة الكوردستانية وهو بالمنتهى يمارس سياسته لا لسواد عيون أحد من الشعب بل للإيقاع بالشعب وذلك لأنه يحلم بالمجيء بنظام يخدم مآرب جهات ومطامع لا علاقة لها بالشعب سوى بمنطق العداء..

بقي أن اسجل هنا بهذه المعالجة جانبا من محاولات الحل والبدائل الممكنة. وهي محاولات جاري العمل بحيوية وسلامة بها ولكننا ينبغي أن نؤكد عليها كي يتعمق وعي جمهور كوردستان أهميتها ويشارك فعليا بتلبيتها، ومطلوب هنا الآتي:

1.  إعادة مراجعة مشتركة على مستوى القيادة بمجمل القوى الكوردستانية وجماهيرها للورقة الاقتصادية كي يجري ترتيب الأولويات على وفق الظروف الراهنة.

2.  إطلاق جهود الاستثمار التي تستقطب قوى دولية أوروبية ثم إقليمية مختارة بتنوعات مصادرها، لمشروعات استراتيجية وأخرى للركائز البنيوية في مجالات الزراعة والصناعة والنقل والاتصالات.

3.  تشغيل الأيدي العاملة بخاصة من الخريجين ومعالجة أي شكل للبطالة ووضع خطط نوعية لمحو ظواهر الفقر والأمية..

4.  تحسين الخدمات العامة وإدخال استثمارات مناسبة مقبولة الشروط في المجالات المختلفة منها. سواء الاستثمارات المحلية أم الخارجية. مع انتباه إلى شاني الصحة العامة والتأمينات الإنسانية المنشودة وتوفير أرضية عدالة اجتماعية وتفعيل جهود تطمين حقوق الإنسان ودور مميز لقضاء مستقل.

5.  إيجاد البدائل النوعية الحاسمة في قضية مرتبات العاملين كافة وتجنب تأخير الصرف، وعدم انتظار المفاوضات الجارية مع حكومة بغداد كونها دخلت نفقاً وأفقاً فيه عوامل تضاغط واستغلال انحدر باتجاه اللامنطق لمعاني الدولة الاتحادية ومسؤولياتها بالاستناد إلى اختلاف نظامي الحكم بين الطائفي الميليشياوي المنخور بالفساد وآليات الحكم فيه ببغداد والمدني ذي الخيار الديموقراطي الذي يكافح من أجل الاستقرار والتقدم والتنمية بكوردستان..

6.  الاهتمام بأولوية مخصوصة للقوى الأمنية وللبيشمركة بوصفها الحارس الحاسم في المعركة مع الجهات التي تتربص بكوردستان شراً. وفي هذا لابد من اهتمام مخصوص بجهات التسليح والتزويد بالأعتدة بما يلائم المطالب الكوردستانية وبموضوع التدريب الذي يسابق الزمن..

7.  وضع استراتيجية مخصوصة واستثمارات معنية بالتعليم الأساس والتعليم المهني التقني وبالتعليم العالي ومراكز البحث العلمي.. ورسم خطط ولوج أحدث ما وصل غليه العصر بهذا المجال.

 

إذن، وفي ضوء المنتظر كوردستانيا اليوم، مطلوب ثلاثة محاور للدعم الإقليمي الدولي يمكن صياغتها في المحاور الآتية:

1.  محور الاستثمار الاقتصادي على وفق الحاجات المعاشية المباشرة والحاجات البنيوية الاستراتيجية. والتوجه إلى الدول والصناديق الخاصة بالدعم والاستثمار.

2.  محور الدعم الأمني العسكري لتوفير الخبرات والتدريب وتوفير السلاح والعتاد المناسبة للمعركة الدائرة على تخوم كوردستان.

3.  محور الشؤون الإنسانية الخاصة بموضوعات رعاية ملايين اللاجئين والنازحين وقضايا إنقاذ الأسرى والمختطفين  والمختطفات وتوفير المعالجة الطبية النفسية ودعم المعالجات المجتمعية للمشكلات الناشئة عن مسلسل الجرائم منذ جرائم الإبادة الجماعية الأولى كما بالأنفال وحلبجة وحتى ما استجد منها بخاصة تجاه مكونات جوهرية للمجتمع الكوردستاني كما عند الأيزديين والمسيحيين وعيرهما.

أما كيف يجري الوصول إلى هذا الدعم فإنه لا يمكن التعويل على الخارجية الاتحادية وقمة السلطة ببغداد، طريقا فلقد استنزف الوضع هذا المسار ووضعه  بخانق مسدود.. إنما لابد من استثمار الصلات المباشرة  بخاصة مع أصدقاء الكورد أمميا وتوظيف الحملات الإنسانية والصلات بالمنظمات المتخصصة وبالجهات الدولية وبحث الحاجات مباشرة مع أعلى المسؤولين أمميا دوليا وإقليميا ومن ذلك عربيا بخاصة مع الدول العربية المحورية.

إن هذا الأفق لن يكفل الحلول المؤملة للحظة الراهنة حسب بل يوفر أرضية مكينة متينة لتلبية حق تقرير المصير بآفاق مستقبلية مناسبة في ضوء وجود الركائز المحلية – الدولية التي يجري ترتيبها بالعمل المضني ولكنه المثمر بمحصلته المنظورة..

...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *