نظرة دونية ونظرة سامية؛ وموقفان متناقضان من الفن؟

الفن أحد خطابات الإنسان، وأداة من أدواته التعبيرية ووسيلة اتصاله المميزة بتقدمها ونضج معجمها وآليات اشتغالها. والفن إبداع من إبداعات الروح الإنساني السامي، إنَّه المنجز الأكثر تركيباً وثراءً بين منجزات الإنسان. فهو يجمع بين العقل التنويري المتفتح المنتمي للإنسان المتمدن المتحضر وبين القيم الروحية لهذا الإنسان وجماليات بصيرة النفس الإنسانية بعمق عواطفها وانفعالاتها البنَّاءة…

ولكننا إذ نرصد طريقة تعامل قسماً من البيئة المحيطة بالمنجز الفني مع الفنان سنجد مفارقة تناقضية؛ بين طرف يزدري الفنان وفنه وطرف يتسامى معه ويعانق قيمه المدنية النبيلة العليا.. وهناك وقائع كثيرة نعرف كم تجسد من حالات ازدراء الفن، و كم من حالاتٍ تمعن في ارتكاب ممارسات تحقيرية للفن والفنان تنطلق من ظلامية في الرؤية والمعالجة.

ومن الطبيعي أن تنحصر منطلقات حالات الازدراء بقوى الاستغلال من جهة وقوى التخلف، لكنها في الحقيقة لا تقف عند تلك المجموعة الصغيرة المعادية لحياة الإنسان وحقوقه ولجماليات قيمه وأعماله بل تنتشر مرضياً بين حجم سكاني بطريقة وبائية؛ حيث تشكل بؤرة وبائية تنشر مرضها تدريجاً بين جموع وقعت أسيرة تاثيرات ذاك الوباء..

ولهذا السبب نجد أنَّ نسبة من أولئك الذين يصيبهم الوباء،  لا تعلن عما تراه في الفن ولكنها تمارس تهميشه في أولويات وجودها الإنساني؛ وهي بهذا، إنما تؤكد ابتعادها عن قيم الثقافة والتنوير الفكري وعن قيم التمدن موقعة الأذى في بناها الروحية القيمية.. ومن هنا تفرغ صالات المسارح والعروض الغناسيقية والتشكيلية ومجمل أنشطة الفنون الجميلة، من جمهورها الحقيقي المنتظر أو تضعف نسب الحضور وتنحصر في نخب محدودة!

إنَّ المشكلة تتسع عندما لا يكلف المتعلم نفسه كي يرتقي بوعيه ويصل إلى صالة المسرح، والأنكى أن نجد مثقفين يمرون على إعلانات مواعيد العروض بطريقة عابرة تُهمل أيَّ فرصة للتوقف ومعرفة ماذا سيُقدم من ؛ في جوهره وفي الحقيقة هو منجز يعبر عن انتماء الإنسان إلى عصره ولقيم زمنه.. وهم في الحقيقة بهذا لا يكتفون بنصرة القوى الظلامية بفعلهم السلبي ذاك بل يمعنون الطعن في وجودهم وفي بناء منطق سليم لهذا الوجود..

إنَّ الصائب في المواقف من الفن يكمن في أن يتحصن الجمهور بتمسكه بحقه في متابعة المنجز الفني وفي حضوره وإكمال دورته السليمة الأنجع.. ففن بلا جمهور لا يساوي شيئاً، سوى تضحيات فنانين محاصرين بقوى الاستغلال وأوبئة قوى الظلام وتخلفها وبخضوع نسبٍ من الجمهور لمنطق تلك القوى الماضوية الظلامية المريضة عبر الانقطاع عن الوصول إلى ميادين المنجز المسرحي، الغناسيقي، التشكيلي، وكل فروع الجماليات وإبداعاتها…

أدرك حجم الكوارث التي حلت وتحل بنا وعموم البشرية ولكنني أدرك أن جزءا من الرد على تلك الكوارث يكمن في تحسين وسائلنا التعبيرية التواصلية والاهتمام بها للانتصار للإنسان على الهمجية والتوحش في وجودنا.. وأكتفي بهذا القدر من بقعة ضوء على موقفين من الفن والفنانين ومن قرار حضورنا الأنشطة الفنية الجمالية من عدمه لأترك لكم استكمال قراءة كل موقف عندكم من حراك مبدعاتنا ومبدعينا ومن صلاتهم بقضايانا أو لجوئهم لقضايا تبتعد عنا وعن هويتنا بسبب عزوفنا نحن عن استكمال حلقة الاتصال بهم…

فهلا وصلت رسالتي، واستكملتموها بمعالجاتكم وتفاصيل أخرى تمتلكونها من يومياتكم البهية؟؟؟

...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *