أوكرانيا والاتحاد الأوروبي بين اتفاق الشراكة والاتحاد الجمركي ومصالح الاستقرار والسلم الأهلي

في ضوء الاستفتاء الهولندي بشأن انضمام أوكرانيا لاتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي وما يجسده ذلك من تأثيرات على مصالح الطرفين ومن وجود خلفيات تؤثر على توجيهه، ينبغي اعتماد قراءة موضوعية متأنية تصب في مصالح الشعوب وليس في القراءات الشكلية التي تنظر إلى تضخم الاتحاد وتوسعه وكأنها حقيقة مطلقة الصواب فلربما كان التكامل والتعاون بوسائل محسوبة مدروسة أفضل من فرض سياقات تستند إلى رؤى لا تنتمي للاتحاد الأوروبي ولقيمه بقدر انتمائها إلى جهات من خارج الاتحاد وربما منافسة لوجوده وسلامة مساره المستقل.. هذه رؤية تبقى بحاجة للمراجعة والحوار للتنضيج ولكنها تقرأ بعض عناصر القضية بعمومية تتطلع لقراءة المتخصصين بالمنطقة بخاصة من داخلها ومن أهلها

ماذا جرى بالأمس القريب ويجري اليوم في أوكرانيا؟ كم هو حجم الخراب الاقتصادي في العهد الجديد؟ من يتحكم بالأوضاع العامة اليوم؟ وما هي طبيعة الجهات التي باتت تمسك بخيوط اللعبة السياسية وما منهجها؟ وأين تكمن بوابة استعادة مصالح الناس؟ أهي في الليبرالية المفروضة بألاعيب مافيوية، وتحديدا منها تلك الآتية من بوابة الفساد وامتداداته سواء منها الخارجية أم الداخلية؟ أو عبر احترام الصوت الشعبي ومحاولاته استعادة وجوده وتطهير المسيرة بالعودة إلى قوانين ترعى مصالح الناس وحقوقهم وحرياتهم وليس منطق القوى الأوليغاركية المافيوية؟

علينا هنا الإشارة إلى أنّ التجاذبات (السياسية) الجارية في أوكرانيا هي الوجه المعبر عن الصراع المقنَّع بين حقوق الناس وحرياتهم ولقمة العيش النظيفة من جهة وبين طبقة مافيوية سطت على ثروات الناس وطاقة العمل لتحيلها إلى ملكية خاصة بأيدي المفسدين الوافدين الجدد! وإذا كان خيار رسملة الاقتصاد قد فرض نفسه إثر انهيار الاتحاد السوفيتي فإنّ وضعا استثنائياً خطيرا قد فرض نفسه على السلطة برمتها عند ولوج قوى وعناصر مافيوية غزت السوق تحت جنح المتغيرات الراديكالية العاصفة..

ومع محاولة جهات حكومية ضبط الوضع العام واستعادة فرض سلطة القانون كان مشعلو الحرائق يمضون في إذكاء لهيبها بوساطة خطاب تضليلي يتبرقعون به بغطاء إعلامي سياسي من بعض عتاصر غربية، ربما هي أقرب للمرضي، وتحديدا بما يتمثل في العناصر السلبية من نهج الليبرالية للمحافظين الجدد وما وصلوا إليه من مستويات استغلالية وخطاب عنفي بشع…

إن الكارثة الكبرى تكمن في صعود نجم اقتصاد ورقي وهمي خطير دفعت شعوب العالم ثمنه باهضا مع تفاقم نفوذ المضاربات [وبورصاتها] وتوجيهها لامتصاص الثروات الحقيقية وضخها في النظام الذي بات يتركز بمنطق جديد يظل بحاجة للدراسات المتعمقة التي تتلاءم وما وصل إليه..

وعند البقاء في أعتاب القضية الأوكرانية لنلاحظ وجهاً من أوجه الأزمة ذلك هو الموقف من فك الارتباط بالاتحاد الكمركي مع روسيا والالتحاق باتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي.. إذ أن النتائج الاقتصادية ستكون باهضة أولا على الشعب الأوكراني وثانيا ما سيقع على كاهل الاتحاد الأوروبي [بلداناً وشركات] وكذلك ما سيقع على شعوبه عند محاولة تغطية تلك الخسائر ولو جزئياً.

فعلى سبيل المثال خسرت أوكرانيا مبدئيا وبلحظة واحدة وفي ضوء قرار مبدئي أولي ما يعادل تقريبا مليار وربع المليار دولار فقط جراء وقف الميزة التفضيلية والاعفاء الكمركي الروسي بشأن البضائع الأوكرانية، في ضوء اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي. حيث تحاول روسيا سد النوافذ التي تراها سلبية في قضية تلك البضائع المتأتية من انفتاح أوكرانيا على الاتحاد الأوروبي.

ولعل تدهور أسعار السلع الأساس بأوكرانيا أدى وسيؤدي إلى تدهور في عملتها الهريفنا التي فقدت منذ الاتفاق حتى مطلع 2016 تاريخ بدء تنفيذه حوالي 350% من قيمتها.. وسيؤدي الأمر إلى مزيد عجز في الميزانية ما قد يصل إلى 2.5 مليار دولار أو ما يعادل نسبة مباشرة آنية تساوي 3% من حجم إجمالي الناتج القومي، على وفق الإحصاءات المتوافرة. ونذكر أن أوكرانيا تستورد ما مقداره أكثر من 17 مليار من بضائعها من روسيا الذي لن تستطيع أوروبا سدّه مباشرة من دون ترتيبات إجرائية ومن دون تأثير خطير على الأسعار المتداولة في الحياة اليومية للمواطن الأوكراني. فيما لن تستطيع أوكرانيا تصدير ما يقارب الـ11 مليار التي كانت ترسلها إلى روسيا لتحيلها في ضوء نتائج أتفاق الشراكة إلى الاتحاد الأوروبي بخاصة في ظروف قوانين السوق وتنافسيتها والمحددات التي سمحت أوروبا لنوع البضائع التي تدخل مقتصرة على بضائع زراعية واستهلاكية محدودة أخرى.

وبقدر تعلق الأمر بالاتحاد الأوروبي فإنه يبقى موقفه وقراره سليما مع تركيزه على القيم التي بدأ بها وليس على ولوجه دولا وأسواقا جديدة بالتأثير على البنى الجيوسياسية من جهة وعلى الأرضية التكاملية اقتصاديا في تلك المناطق؛ لأن هذه الفلسفة التي تقوم على مركزية الاتحاد تتعارض وتطلعات شعوب الاتحاد الأوروبي التي تتمسك به من باب قيم التعددية واحترام الحقوق والحريات والوقوف بوجه التدخلات التي تختلق أشكال التضخم في الأداء ما يعود سلبيا على تلك الشعوب. فنشر قيم الحرية لا يأتي بالاتساع الشكلي للاتحاد وهو ما عبرت عنه المواقف الرسمية والشعبية بعامة؛ ولكن نشر تلك القيم يمكن أن يجري بتقديم النموذج الناجح وليس الذي يتعثر بخطط التضخم الاقتصا سياسي المركب، وتلك سياسة ليست أوروبية لكنها تعود بالأساس إلى استراتيجيات أخرى بالإشارة إلى الولايات المتحدة الأمريكية.. فهل ذلك يتفق ومصالح شعوب الاتحاد الأوروبي ودوله ليتم تلبيتها والعمل بها؟

كلنا يتذكر عبر رصد دقيق للمجريات كيف تمت الأمور في (23 02 2014) وما الدور الذي لعبته المسؤولة الأمريكية، الأوكرانية الأصل، في فصم عرى العلاقات الأوكرانية الروسية أو بصيغة أخرى في التأثير على اتجاهها، مستغلة خطابا تضليلياً يدعي محاولته إنهاء الفساد المافيوي بالبديل الأوكراني الأوروبي؛ ولكن ذلك، في وقت قد يطيح بتركيبة مافيا بنركيبة أوكرانية – روسية فإنه قد يؤدي في الوقت ذاته إلى توجيهها نحو الاتحاد الأوروبي الذي سيعاني من نتائج فتح منافذ أمامها؛ وإذغ استطاع الاتحاد أن يصدها فلن يكون ذلك سوى نسبيا وفوق ذلك ستقع النتائج بالمحصلة على كاهل الشعب الأوكراني بسد البوابة الروسية جيوسياسيا ومن ثمّ، بالتأكيد، اقتصاديا، مقابل بديل لن يستطيع سد الحاجة الفعلية المعادِلة لما تمَّ سدّه أو وقفه.

من جهة روسيا ربما رتبت أوضاعها عبر ما حصل بجزيرة القرم والإقليم الأوكراني الشرقي ولكن بشأن أوكرانيا وترتيبات أوضاعها فإننا سنرصد إجراءات أخرى، تمت في قمة الهرم الأوكراني، وعلى وفق قراءات من داخل أوكرانيا نفسها، تشير إلى ما ربما باتت فيه الأمور ومنذ آذار مارس 2015 بيد أمريكية؛ بالإشارة إلى قرار كييف بشأن من يسيطر على الشركات النفطية الحكومية الأمر الذي استدعى لقاءات مباشرة مطولة وكثير منها مكشوف من جهات أمريكية معلومة مع رؤساء الكتل البرلمانية ورجال الأعمال وتحشيدهم لسياسة سلطة ما بعد شباط فبراير 2014 التي يقف على رأسها الملياردير متضاعف الثروة ملك الشوكولا الصاعد سياسياً تحت جنح عتمة المتغيرات الأخيرة والتباس أو اختلاط الأوراق فيها، بين الهدف المعلن للتغيرات الجيوسياسية وما يقال إنه دمقرطة الحياة وبين واقع تلك المتغيرات وهويتها الفعلية طابعها وآثاره على تفاصيل اليوم العادي للأوكراني.

أشير هنا أيضاً إلى أنّ الجهات الحزبية المعبرة عن طبقة الثراء الوليدة منذ أقل من عقدين، بعد أن توحدت للخروج من العلاقة مع روسيا تلك التي ارتبطا بها على وفق أرضية جيوسياسية تاريخية معهودة، قد بدأت صراعاتها اليوم، تتفاقم وقد خرجت على سبيل المثال بتعبيراتها السياسية  في الانسحاب من جلسة سحب الثقة من الحكومة في شباط الماضي طبعا بقصد عدم الوقوف مع طلب الرئيس؛ وكثير من تلك العناصر هي واجهة ما يسميه الناس الأوليغاركية الجديدة التي تحولت من مافيات السوق العاملة خلف الكواليس إلى حال العمل والتحكم بالسلطة (رسمياً) ومباشرة.. فبماذا ستنتهي صراعات تلك القوى وتنافسها وبيدها كل تلك المليارات أو تقف وراءها سلطة المال السياسي وفسادها وربما ببعض التعبيرات الجارية، توظيفها  بلطجتها المافيوية؟

هنا، وللإجابة عن السؤال نذكّر بدور الاحتجاجات الشعبية في إعادة كفة التوازن للانعتاق من أية خيارات لا تتلاءم والشعب وتطلعاته.. ولربما تحولت الاحتجاجات إلى ثورة جديدة تؤكد تمسك الأوكرانيين بخيارات الديموقراطية ودولة مؤسساتية لا تخضع لمنطق الفساد وآليات تحكمه وتوجهاته وامتداداته الداخلية والخارجية… ربما تكون تلك المتغيرات في الأفق وربما تتأخر؛ كل ذلك سيكون رهناً ببعض المؤثرات المركبة ومسار الخطى وكيفية حسم موضوع تعويض خسائر الموازنات المالية الأوكرانية أوروبياً وهل سيتاح البديل بفرصة أقصر من التأثير السلبي الحاد المقروء في ضوء بدء تنفيذ اتفاق الشراكة أم سيتأخر ذلك البديل في المعالجة وتقع النتائج التي أشرنا إليها على كواهل الناس فتنطلق ردود الشارع الأوكراني لتأتي بالديموقراطية الحقة التي تنشدها جميع الشعوب ومنها شعوب الاتحاد الأوروبي وفلسفتها الإيجابية عندما تأتي مستقلة عن تأثيرات العناصر المرضية للمحافظين الجدد القادمة من وراء المحيط؟

القضية بحاجة لحسابات جدية تنظر في مصالح كل الأطراف الساعية لتطمين مسيرة إنسانية تستجيب للتعاون والتكامل بنيويا بطريقة موضوعية سليمة.

يرجى الاطلاع على مقالات أخرى مقترحة بشأن هذا الموضوع وبالبحث في الأرقام الاقتصادية بخصوص نتائج تطبيق اتفاق الشراكة وانعكاساته على الطرفين

...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *