إنهاء ثقافة الطائفية، هو إنهاء لخطاب الظلاميين وجرائمهم

قبيل أيام ارتكبت قوى الإرهاب من شراذم الدواعش ورعاع البشرية، جريمة جديدة أخرى بحق الأيزيديات. تجسدت في وضع نسوة حرائر رفضن الاستجابة والخنوع لأوامر تلك الوحوش الداعرة، في أقفاص حديدية هي الشكل الجديد للمحارق الفاشية مما يتعرض لمجمل المجتمعين المحلي والأممي بارتكابه جرائم ضد الإنسانية تلك. إنّ تلك الجرائم مازالت متصلة مستمرة، وتتم في ظلال مقولات تُنسب إلى الدين الإسلامي وكل الأديان والشرائع والقوانين لا يمكن أنْ تقبل أو تقرّ بها بأيّ وجه تأويلي كان.

لكنّ قوى الإرهاب، تستغل من جهة حال الجهل والأمية المنتشرة وظاهرة الإسلام السياسي المتفشية كما الوباء في أوساط مجتمعية بعينها. وهكذا تجد أرضية لجرائمها وتربة خصبة لارتكابها بالاستناد إلى حجم ما تفرضه على قطاعات من السكان؛ سواء بسلطة البلطجة العنفية الهمجية أم بالتضليل بفكر سياسي طائفي لا ينمو إلا في ظل نسب التجهيل المتفشي…

إنّ جرائم الإبادة الجماعية وجرائم ضد الإنسانية المرتكبة بمجملها، لا يلجمُها إلا موقف عسكري حازم يمكنه أنْ ينهي تلك الشراذم التي لا يمكنها الوقوف بوجه قوات مدربة تحمل عقيدة عسكرية وطنية سليمة؛ يسندها تحالف دولي مكين. ولكن المعركة مع الإرهاب لا يمكنها أن تظل بنطاق الحراك العسكري حسب بل ينبغي أن يكون للخطاب السياسي وإعلامه دوره الفاعل المؤثر وسط المجتمع المحلي المعني.

وفي ضوء ذلك، لابد من التنبيه على أن من سيطرد الإرهاب ويكنس عناصره وينهي وجودهم، لا يمكن أن يتمَّ بقوة من جنس تلك القوى الإرهابية وما تتعكز عليه من فكر سياسي. فشراذم الإرهابيين الدواعش تستند بالجوهر إلى الخطاب الديني المتشدد المتطرف، وما يستغله من تكفير الآخرين ممن يؤمن بذات دين المسلمين؛ بمنطق التكفيري الطائفي الإرهابي الذي يفرض أن يخضع الجميع لقراءته الطائفية الأحادية؛ بكل ما فيها من ظلامية وتعسف من جهة، وما فيهما من مستوى العنف التصفوي ومن فظاعات بلا حدود وبلا قيود.

ومن هنا، لا يمكن أنْ يكون البديل الذي يستطيع إنهاء هذا التشدد الإرهابي وعنفه، هو ذاك المتسلح بنفس الآليات وخلفيتها  المستندة إلى الدين السياسي وهنا بالتحديد نشير إلى الإسلام السياسي، بخطابه الطائفي وبتوظيفه آلية تدعي صواب طرف وتمثيله الحصري لله ولدينه ولكتابه المقدس مقابل تكفير الآخرين المتضمن فتح مبررات الاستعداء أولا، والاقتتال ثانياً، والقضاء على الآخر فكراً و وجوداً بكل الوسائل التي لا يبيحها دين ولا يسمح بها قانون..

وحتى إنْ دحرت قوةٌ تستند للمشروع الطائفي قوةً أخرى تستند لذات المشروع، ولكنها من جناح آخر.. فإنها لن تحسم المعركة وتنهيها بالنظر لما تتركه حالة الاقتتال الطائفي من قيم ثأرية انتقامية تجري بطريقة دورية متبادلة. كلّ طرف له ردّ فعله على الآخر على وفق ما يعشعش في جموع مضلَّلة بادعاءات القدسية وتمثيلها وفرض واجب القتال من أجل الإله وما يزعم كل جناح بأنه يمثله وينفذ به إرادة الله ويجسدها!؟

إنّ البديل الحاسم والنهائي للإرهاب، ينبغي أن يقوم أولا على إنهاء الخطاب الطائفي؛ وعلى منع تفشي أمراضه ومنطقه وآلياته. بمعنى إبعاد قوى التيار الطائفي بجناحيه المتشدقين بتمثيل المقدس حصرياً، بغاية التمسك بسلطة الحكم في الدولة المعاصرة.. وطبعا باجترار منطق الحكم الديني وفرض نظام أو مسمى الخلافة ومن ثمَّ التعكز على موضوعتهم الأثيرة في أحقية أتباع هذا المذهب أو ذاك في إدارة الدولة.. وهكذا يلغون الوجود المدني للدولة ولآليات اشتغالها حيث يعطلون القوانين المدنية ويمتنعون أو يمنعون إصدار أية قوانين تستكمل بناء الدولة ومؤسساتها بمعطياتها المعاصرة الأحدث.

وفي الوسط المجتمعي يسوّقون للفكر الطائفي حيث يغذّون فكرة الفرقة الناجية ويمرون بذلك عبر إسقاط القدسية والعصمة على مرجعياتهم مع خلط الأوراق بين الديني والسياسي ويُلحقون السياسي المدني وحيوات الناس وكل شيء فيها بالديني وشروطه المفترضة المختلقة، وهي طبعاً ليست أكثر من أوهام وخرافات تساق بوصفها الدجل المضلِّل…

وعلى الرغم من أنّ قوى الطائفية تتحكم بالسلطة كاملة إلا أنها لا يمكنها أن تشتغل من دون وجود الفوضى من جهة وحال التخندق بين متاريس جناحين محتربين بكل ما يوفره ذاك التخندق من فرص دفع الصراعات المحتقنة إلى قمتها؛ حيث الاقتتال الدموي الأبشع، هو الغطاء المثالي للطائفية واستمرار سطوتها وبلطجتها…

إنّ قوى الطائفية، التي تدفع نحو تفجّر الاحتقانات المثارة، تدفع لتشكيل الميليشيات بوصفها من جهة هراوة لها ومن جهة أخرى وسيلة إدامة بلطجتها وسطوتها وتحكّمها بالسلطة وطبعاً سلاحها الأمضى في الحرب بين قوى الطائفية بفرقها وتشكيلاتها وقوى الإرهاب التي تجسد التشكيل الفاشي الأبشع للطائفية..

إنّ الظلاميين الذين يلغون قيم العصر وينشرون خطاب التحريم والحظر وأشكال المنع لكل ممارسة أو نشاط إنساني سليم، هم ذاتهم الذين يبقون بحاجة للميليشيا لتنفيذ مآربهم وإشاعة فكرهم الأسود المعادي لحقوق الإنسان. ففي الفكر الظلامي تبدأ الأمور بتعطيل حرية الإنسان وشلّ إرادته وبالتفصيل يضعون المرأة قيد الاستعباد الذكوري ويعطلون بذلك النصف الأول من المجتمع تعطيلا شاملاً مع استغلاله أبشع استغلال إلى الدرجة التي يكون من بين الممارسات المعتادة هي قتل المرأة التي ترفض الانصياع لنزواتهم وموبقاتهم ولساديتهم، دع عنك خدمتهم ليل نهار…! وما يلي ذلك يكون الرجل مشلولا عن الدفاع عن الحقوق خاضعا لأوامر الدجل والتخلف والخرافة أو مجسدا لها مؤمنا بها؛ ومن ثمّ يُنهون أي شكل للتعددية والتنوع في الوجود البشري سواء كان منه القومي أم الديني أو غيره..

إنّ هذا المنطق هو منطق (الإسلام السياسي) بسوداويته وظلاميته وبعنفه وإجرامه بحق البشرية وحتى تجاه الدين ومنطق الوسطية والاعتدال والاعتراف بالآخر.

إنّ الطائفية وحكمها وسرقتها الدولة ومؤسساتها وفرضها فكرة الخلافة وأحقية فريق (ديني) على آخر، هي حال اجترار للماضي بوجهه الأبشع. حيث يأتي اجترار الصراعات والتمزقات لتبرير إحياء تلك الانقسامات؛ بمنحها الأبدية المقدسة عبر بوابة بيع الوهم مقابل لا شيء للإنسان، سوى ذاك الوهم المؤجل إلى ما بعد حياة الإنسان أي بعد مماته؛ مما لا يمكن لبشر التحدث عنه وتوصيفه و\أو تعليبه بقشمريات من قبيل مفاتيح الجنة والحور العين وولائم الغداء والعشاء مع الأنبياء والأولياء وما إلى ذلك!!!

إذن، وقد تعرفنا إلى العلاقة الوطيدة بين الإرهابي والطائفي عبر استنادهما المطلق إلى الفكر الديني المتشدد المتطرف وآليات اشتغال منطق الخرافة وما تبيعه من أوهام ودجل للتضليل والتغطية على المآرب الحقيقية الكامنة في الفساد والشهوانية السادية المازوخية بكل أمراضها لزعماء الطائفية السياسية وإرهابييها، نقول: إنّ إنهاء قمة الطائفية المجسدة بالإرهابيين وفكرهم الإسلاموي لا يتم إلا عبر إنهاء الطائفية وفكرها الظلامي وما تجتره من عفن التاريخ وأوبئته..

إن هذه المعالجة تتطلع إلى دراسات تواصل فضح العلاقات المكينة بين ثلاثي (طائفية، إرهاب وفساد) وتمضي في معركة المدنية ضد التخلف وظلاميات الطائفيين ودجلهم من أجل استعادة أنسنة وجودنا، وتحرير العقل البشري من سطوة الخرافة المتمترسة بالقدسية الدينية المزعومة المدّعاة.

إن على المواطن\الإنسان ألا يخشى ما يثار أمامه من رعب العقوبة الإلهية لأنه لا يخضع لهذا الظلامي أو ذاك ممن يدعي كونه الزعيم الروحي الممثل الحصري لله، فلا وجود للممثلين الحصريين للقدسية أو الذات الإلهية.. ولا مجال لربط العقوبة الدينية وإسقاطاتها  القدسية على خلفية العيش الإنساني الحر الكريم..

إنه من الدجل والكذب والتضليل أن نلهث وراء أية مراجع تخلط الديني بالسياسي وتتحكم بحيوات الناس وتفاصيل اليوم العادي لهم ولعلاقاتهم وممارستهم حيواتهم الإنسانية.. إن العيش الحر الكريم مكفول بكل الديانات والشرائع والقوانين ولا مصادرة عليه.. ولا وجود لتعطيل الإرادة البشرية الحرة بالتمام والكمال. وأيّ عنف يمارس على الإنسان هو أمر مرفوض في الدين ومنطقه السليم ومحظور في القوانين المدنية التي تحكم الدولة المدنية وتساوي بين بني البشر وتمنع التمييز أو تحديد الحرية واعتقال الإرادة…

فهلا تنبهنا إلى طريقنا الحقيقي الأنجع لدحر الإرهاب والإرهابيين؟ وهلا شرعنا بخوض معركتنا معهم بمستوياتها كافة العسكرية الأمنية من جهة بخوضها بوساطة جيش وطني تحكمه عقيدة عسكرية وطنية سليمة من أي مرض و\أو خرق للطائفية ومستوياتها المدنية بكل محاورها الفكرية السياسية القيمية السلوكية حيث منطق مساواة الإنسان بأخيه ومنع التمييز بأي وجه وشكل وذريعة وبتحريره من كل اشتراطات تفرضها قوى الجريمة الطائفية التي تريد لنا أن نديم صراعاتنا الدموية كي تتستر هي على جرائم سرقتنا المادية وبالتأكيد الأنكى جرائم سرقة حيواتنا بعد استعبادنا وإذلالنا!!!

إننا جميعا معا وسويا أصحاب القرار ضد فكر الطائفية ومنطق سطوتها وبلطجتها وضد إرهابها الفكري المتأسس على تخويفنا وإرعابنا من أنهم لن يمنحنونا مفاتيح دخول الجنة وأنهم سيرسلوننا إلى جهنم لمجرد انعتقنا من سطوة دجل هذا الجناح الطائفي أو ذاك وكلاهما لا يمثلان القدسية الإلهية لا حصريا ولا حتى جزئيا.. أنهم هم أعداء وصايا الله التي تحظر كل أشكال الموبقات التي يمارسونها..

تحرروا من الطائفية، نتحرر جميعا من الإرهاب ومن بشاعات وفظاعات لها أول وليس لها آخر ولا تحرر من ثلاثي (طائفية، إرهاب وفساد) إلا ببديل مدني يخلو من امراض الطائفية وفكرها، فاكسروا حواجز الخوف المؤسسة على الوهم وكونوا أحرارا أباة تدافعون عن كرامتكم وأنسنة وجودكم.

...

رأي واحد على “إنهاء ثقافة الطائفية، هو إنهاء لخطاب الظلاميين وجرائمهم”

  1. هذه مقالة لاتقف في معالجتها عند خبر أو آخر قد يصح أو لا يصح ويكون مجرد فقاعة إشاعات بمآرب مرضية.. ولكن مراد المقالة، يكمن في أن تفضح نهج الطائفية بأجنحتها مما لمسه الناس يقينا وعانوا منه.. إنها تفضح إرهاب قوى العنف الطائفي بجميع مسمياتها.. وتخلص إلى أنّ مَن يزيح قوى الإرهاب الطائفي على وفق التجاريب المنصفة الحكيمة ومنطق العقل العلمي وحلوله وبدائله، ليس أية قوة من جنس قوى الطائفية وأي انتصار عسكري لجناح طائفي على آخر لن يغير من جوهر الأوضاع ومعادلتها حيث الضحية هم الناس والفائو هو المستغل الطائفي وقشمرياته وخرافاته.. وفي تبادل سطوة أجنحة الطائفية لن يأتي نهج الطائفية واستمرارها إلا بمزيد تعقيد وإطالة لأمد سقوط ضحايا جدد.. معالجتنا المتواضعة ترى أنّ البديل هو تغيير منهج السلطة من نهج الطائفية وطابعه الإجرامي ومنطق الإرهاب الكامن فيه إلى نهج الدولة المدنية بوصفها الطريق لتلبية العدالة الاجتماعية ومسيرة البناء والتنمية والسلام… فهلا تنبهنا على انتماءتنا وغادرنا دعم تلك القوى المتسببة في كوارثنا!؟ هلا توجهنا لتبني النهج المنقذ الذي يحترم أنسنة وجودنا وحقوقنا وحرياتنا؟ أم أنّ الجهل والتخلف قد تمكن من بعض عقولنا وقيَّده أسيراً عند قوى اختلاق ذرائع لما يُرتكب من جرائم؟؟؟ ذلكم ما سيجيب عنه كل منا بما يختار من انتماء واصطفاف
    تفضلوا بالادلاء بآرائكم بكامل الحرية من أجل تحقيق السلم الأهلي وإطلاق مشروعات البناء والتنمية والتقدم

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *