مواقف سلبية لبعض عراقيين تجاه الشعوب والأمم الأخرى، العرب والكورد نموذجاً!!

بين الفينة والأخرى يتطوع بعض هواة الكتابة من بعض عراقيينا، في ضوء حالة الانفعال عندهم وردود فعلهم على هذه الواقعة أو تلك، يتطوع بالسب والشتم والحط من قيمة الآخر وازدرائه وإطلاق ما يحلو له من النعوت والتوصيفات التي تخدم ما يظنه هدفاً نبيلا و رداً على ما يُرتكب بحقه من جرائم!

إن وجود مجرم من هوية قومية بعينها لا يعني أن كل أبناء تلك الأمة أو الشعب يتحملون مسؤولية جريمة يقوم بها فرد أو حزب عنصري فاشي أو شوفيني؛ وإلا لكان على العالم تصفية الشعبين الألماني والإيطالي لما ارتكبه النازيون الفاشيون بحق العالم من جرائم حرب وإبادة.. ونحن نحكم على المجرم بتحديده ومن شاركه ولا يقبل عدل أو عقل أو إنصاف ولا قانون أن نشمل الناس بمسبتنا وشتمنا على طريقة نظم الطغاة الفاشية عندما تمارس العقوبات الجماعية للمتهم وللبريء…

فمن جهة ترك أولئك ثقافة سلبية في ترسيخ مبدأ معاقبة الكل بجريرة الجزء مثلما في الجهة الأخرى، فرّغوا كثيراً من الأفراد من ثقافة التحكم بانفعالاتهم وتحكيم العقل وحاصروا ثقافة العدل والتسامح والإخاء ووضعوها مزوية في ركن بائس لا يعدو عن المزايدة الإعلامية في مناسبة أو أخرى بينما يصرّ نفر من مراهقي السياسة على إطلاق التهم وإصدار الأحكام إذ ينصِّبون أنفسهم الحَكم وهم الخصم فيما يطلقون من كلام على عواهنه..

نموذجنا هنا، السب والشتم في (العرب) بألأفاظ وعبارات مثل: (العرب جرب) معتذراً هنا لكل الشعوب العربية من هذه العبارة المرضية البائسة.. طيب ألا تسأل نفسك أيها الشاتم الآخرين جملة وتفصيلا: ما موقف الآخرين منك عندما يرتكب بحقهم امرئٌ من جنسيتك ما ارتكبه معتوه من جنسيتهم بحقك؟ هل ستقبل أن توصف بالإرهابي الدموي المجرم الأجرب؟

حسناً ألا ترى أن الشعوب التي تتحدث عنها بتلك النظرة الاستعلائية المهينة هي مغلوبة على أمرها مثل شعبك ويتحكم بها حكّام وثقافتهم المرضية وتوجد في عديد من نظمها  عناصر تشيع منطق الخرافة والتكفير الأمر الذي سيكون من الأجدى تضافر جهود الجميع لتنقية نظمها المجتمعية من ثقافة التوتر والاحتقان والعنف واستعادة التعايش السلمي بين الكيانات الإنسانية المختلفة؟ أم أنك متمسك بالعنف سبيلا وبالاستهجان واستباحة الآخر وسيلة مرضية لا تمتلك غيرها؟

ألا تدين نفسك وأنت تُغفِل عن تضامن شخصيات قيادية في تلك الشعوب وحركات مجتمعية سياسية ومدنية تقدمية مع حقوق العراقيين ومع استقرار بلادهم وتلبية حقوقهم وإطلاق حرياتهم وتحقيق السلم الأهلي؟ ألا تدين نفسك وأنت تتخذ مواقف شقاق وعزلة عن محيط إنساني هو بيئتك الطبيعية في الجغرافيا السياسية، حيث يفرض منطق العيش في عصرنا اتخاذ جسور الانفتاح والتفاعل الإيجابي والتعاون معها بمسيرة البناء والتقدم…؟

إنّ أولئك الذين أشير إليهم من الشتّامين، وهم ليسوا كثرة ولا غالبية،  هم أما مدفوعي الأجر لجهة إقليمية تريد أن تستفرد بالبلد وبهم أو مضلَّلين بسبب ما ساد من جهل وتخلف واستغلال لمنطق الخرافة والطائفية السياسية المغلفة بالقدسية الدينية الكاذبة  أو من عامة الناس البسطاء الذين لا يفقهون في التحليل السياسي ولا بخطابه وكل على دين من يتبعون فيوجه أذهانهم إليه وإلى مآربه!

أما الأغلبية الشعبية فليس لها في اختلاق منطق التناحر والاحتراب والقطيعة والعزلة عن المحيط الإقليمي، ليس لها بذلك أي مصلحة أو موقف تفاعل يجعلهم ينضمون إلى تلك الجهات المندفعة.. الشعوب والنظم المجتمعية ليس لها ذنب في إجرام (أفراد) شواذ ولا بسياسة شاذة معادية لأنسنة الوجود.. ومنطق الشتم والعزلة بجوهره، يزيد من حجم أولئك على خلفية ما يثار من احتقان تجاه الازدراء والتحقير غير المبرر بل غير المقبول قطعا بأي منطق موضوعي وأي عقل حصيف أو قانون عادل حكيم..

نموذجي هنا بمثل هذه الإشارة، وما بناله العرب من الشتم، يتمثل في شعوب الخليج العربي وبلدانه وفي شعوب البلدان العربية الأخرى وكأنهم جميعا وبالمطلق تفرغوا لمعاداتنا وعلينا التفرغ لمعاداتهم أو على الأقل مقاطعتهم مثلما يتمنطق بعض الأفراد الذين ممن أشرنا إليهم بالتحديد، تشخيصا وتسمية.. وأؤكد هنا، كونهم قلة سيفتضح أمرهم بالاسم لحظة يتصدى الشعب العراقي لمنطقهم المرضي الأهوج.

نموذجي الثاني هو الآخر كبير ومهم ويعادل النموذج الأول، إنه موقف أولئك الأفراد من الأمة الكوردية وشعوبها ومن القضية الكوردية وكوردستان. هنا يستعيدون أنفاس التشفي في ما اُرتُكِب من جرائم بحق الكورد وأكثر إيغالا لا ينظرون للكورد في كونهم أمة مجزّأة على أقسام كوردستان الأربعة لهم حركتهم التحررية القومية التي تنادي بالاعتراف بوجودهم وبحقوقهم مثل كل شعوب الأرض على خلفية القوانين الأممية المعروفة وقوانين حقوق الإنسان الدولية بل يزدرون الشعب الكوردي ومثلما يشتمون اسم شخصية فيه يشتمونه ويمارسون آلية وفلسفة الشوفينية المفضوحة…

إن النظر إلى الشعوب من خلال الموقف من تصريح قائد سياسي أو برنامج حزب بعينه يلغي المنطق ويقلبه رأساً على عقب. فالأصل أن نقف مع الشعوب وأن نتحالف معها ونحترم وجودها ونعترف بالآخر وبهويته وخصوصيته لكي يأتي التعايش السلمي بين جميع الشعوب..

كما أن صحيح الفكر السياسي أن يتم الانتصار لإرادة الشعوب في خيار السلام والتفاهم وتبادل المصالح المشتركة من أجل تحقيق أفضل شروط التنمية والتعاضد في جهود البناء والتقدم مثلما فعلت وتفعل الشعوب المتقدمة فهي مع حجمها الكبير أسست اتحاداتها الكبرى فكانت منطقة اليورو ومنطقة الدولار والين واليوان وغيرها من الاتحادات الاقتصادية والسياسية التي لا تلغي الشخصيات الوطنية والهويات القومية..

وبعد ذلك: ماذا يفلت أو يأتي من العناصر المتشددة ذات النظرات القاصرة والخطاب الذي يلبي مطامع جهات إقليمية في اختلاق التناحر وجهات شوفينية استعلائية تريد افتعال الشقاق في البلاد؟

لا يأتي إلا صب الزيت في نيران الخلافات وفي ماكنة الطحن الهمجية التي باتت تأكل الأخضر بسعر اليابس.. إنهم إذ يطلقون تصريحاتهم وشخبطاتهم السياسية المراهقة لا يدورون في التصريح والتصريح المضاد بل في تمترس عناصر جديدة على الضفتين تبرر كل منها للأخرى كي تعتاش على تلك العنجهية المرضية الفارغة كالطبل متفاقمة في قرعها مرة بعد أخرى ككرة الثلج في نموها..

أيتها الشبيبة، أيها العراقيون من مختلف أجيالكم، لقد كانت تجربة الطاغية وألفاظ خطابه السياسي الإعلامي النابية الوسخة وما أطلقه ازدراء للآخر، كانت تجربة مريرة قاسية بكل ما حملته من فظاعات وجرائم إبادة وجرائم ضد الإنسانية.. فلا تسمحوا لآثار مخلفاته أن تسطو على ذهن أحدكم.. ولا تسمحوا لبعض المنافقين وذوي المآرب الكارثية أن يتسللوا إلى أنفسكم بحجة التفريغ النفسي تجاه الاحتقانات والرد على الشيء من صنفه..

كلا؛ ارفضوا التورط بهذا التسطيح الساذج للأمور وكونوا أصحاب العقل وتمسكوا بخيار أنسنة وجودنا وما يدعونا هذا إليه من تفاعل مع الآخر وتعامل بالمثل حيث المساواة وحيث الاعتراف بالآخر وهويته وبوجوده وبحقوقه كافة بلا منقصة وأن نتجنب بل أن نكبح كل محاولة انتقاص أو إساءة أو إثارة مثلبة أو تعميمها والوقوع بجريمة الشتم والتحقير والازدراء فهي فرديا جريمة يعاقب عليها القانون وهي جمعيا إذ تحاول النيل من الشعوب جريمة مركبة يحاسب عليها الضمير الحي وأدب الأنفس وسمو الأرواح وكل القوانين المحلية والأممية  المعروفة المشهودة: فلماذا نخرقها جميعا ونبيح لأنفسنا الاعتداء على الآخر بذريعة أن شخصا فردا منهم قد مارس إساءة أو ارتكب جريمة!

إنَّ صحيح المواقف يكمن في إدراكنا أن لكل شعب عناصر سليمة وأخرى مريضة وهي تكبر وتصغر باسباب موضوعية وأخرى ذاتية وأننا نساعد في كلا الاتجاهين بحسب مواقفنا.. فعندما نسيء للآخر تتضخم  نسبة من يرتكب بحقنا الإساءات والجرائم ونفرض عزلة مرضية لا يقرها منطق بعصرنا.. وعندما نمارس قيم الأنسنة والسلامة نعزز من حلف شعوبنا ومن مبدأ التعايش بين الهويات المختلفة..

ولنتذكر أنه من المعيب لامرئ أن ينطق بلفظ تحقير وشتم لشعب فيما توجد حركات مناضلة سياسية ومجتمعية كبيرة ومهمة تناصرنا في قضايانا وتتضامن معنا على الرغم من أولوياتها الخاصة فهي لا تنسى أن تعلن مرارا وتكرارا مواقف التضامن الإنساني السامية معنا في ظروفنا المعقدة الصعبة..

انظروا إلى تضامن حركات اليسار الديموقراطي وسط شعوب المنطقة معنا.. انظروا إلى الحركات الوطنية المدنية العلمانية والليبرالية كيف تتضامن معنا.. انظروا إلى شخصيات قيادية قومية تحررية وتقدمية وإلى مواقفها المؤثرة وسط شعوبها والقائمة كبيرة وواسعة وأكبر من حصرها هنا، إنهم الأغلبية..

إن موقفنا هو موقف إكبار وتقدير وامتنان لتلك الحملات التضامنية والمواقف النبيلة الكبيرة .. فلنكن معا وسويا في طريق التعايش السلمي بين الجميع ولنرفض محاولات شرذمتنا بين شلل وشراذم وكانتونات تتشاتم وتحترب وتؤذي بعضها بعضا.. ولنكن أمما وشعوبا متحالفة تبني شرقا جديدا يقوم على الجوهر الديموقراطي بما يتطلبه من مبادئ السلم الأهلي والتعايش السلمي بين الجميع على أساس حق تقرير المصير للجميع نظريا وتطبيقيا، مبدئيا وفعليا…

 ولنكن بقدر مستوى المسؤولية تجاه أنفسنا ومصائرنا الأمر الذي يفرض علينا عدم الانجرار لمنزلقات تريد فرضها علينا قوى لا تريد لنا عيشا كريما ولا تحررا وإنما تسعى إلى شرذمتنا والاستفراد بنا واحدا تلو الآخر..

فهلا اتعظنا وحكّمنا العقل واعتبرنا من تجاريب التاريخ؟

يا أبناء قومي وأهلي من جميع الانتماءات، لا تنساقوا خلف انفعال ولا خلف مواقف إنما تزدرينا قبل أن ىتودري الآخر الذي نشتمه.. فلنكن بحجم الإدراك الإنساني السامي الذي كناه وسنبقى متمسكين به وبمبادئه العليا.. ولنهزم العناصر المرضية فينا وفي الآخر..

...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *