لا شيء يُرتجى من قوى الطائفية، كفى أوهاماً!

المصادر الأمنية في محافظة البصرة تتحدث عن أعمال إرهاب وترويع؛ طاولت مجدداً المقاهي وأماكن الاستراحة فيها. ففي منطقة القبلة تمّ إلقاء قنبلة صوتية، لتكون ثالث واقعة من هذا القبيل هناك في أقل من أسبوع. إنّ تلك الاعتداءات استهدفت مركز المحافظة.. وربما جاءت تخويفاً ومحاولة لإثارة الرعب لمرتادي تلك المقاهي، إذ أنها عادة ما أحدثت خسائر مادية وجاءت بتوقيتات عدم وجود مرتاديها فيها، مثلما اختار منفذو الجريمة منتصف ليل الواقعة الأخيرة…

وكالمعتاد أكدت الشرطة المحلية أنها فتحت تحقيقاً على أمل كشف ملابسات الجرائم المتتالية وطريقتها، بقصد التعرف على هوية مرتكبيها. يُذكر أنّ محافظة البصرة شهدت مؤخراً  استهدافاً لعدد من المقاهي التي يرتادها شباب المدينة من دون الكشف عمن يقف خلف تلك الوقائع..

ومن سجل الأحداث، ما تعرض له مقهى للشباب في منطقة الحكيمية إذ انفجرت قنبلة صوتية في (25 تموز 2016) نجم عنها أضرار مادية فقط، وتكرر الاستهداف لنفس المقهى في يوم (10 آب 2016) باعتداء لم يسفر عن إصابات، وفي غضون ساعات جرى اعتداء مشابه آخر على مقهى بمنطقة الجزائر وكان كازينو سياحي عائم في شارع الكورنيش قد تعرض للتفجير بعبوة ناسفة في يوم (31 تموز 2016)، ما أسفر عن تدمير جزء منه وغرق الجزء الآخر بمياه شط العرب، وذهب أحد العاملين فيه ضحية للتفجير.

مقهى يرتاده شباب المدينة، من يستهدفهُ؟ ولماذا؟ وهذا الطابع ذاته من الاعتداءات وتوصيف وقائعها، لماذا يتكرر بتوصيف الأداء والارتكاب؟ ألا يشير إلى جهة واحدة وهدف متخفٍ لديها؟ هل يمكن لمثل هذه الاعتداءات أن تختفي بدوافعها وآلياتها وتخفي مرتكبيها عن أجهزة الأمن والشرطة الجنائية؟ وهل فعلا يمكن أن تختفي تلك العناصر الإجرامية ومن يقف وراءها في سياسته، إذا ما أرادت قوى الأمن حقا الكشف عنها؟

لاحظوا معي أن تلك الاعتداءات بمختلف المحافظات، أخذت طابع ما يسميه أتباع التيارات الظلامية فرض تأديب المجتمع.. فرض قيمهم عليه. من قبيل منع دخول النساء إلى مدينة من دون ارتداء الزِّي الذي يريدونها قسرا أن ترتديه.. وبعد أن وضعوا لافتات بمداخل تلك المدن وفي شوارعها شرعوا بملاحقة النسوة اللواتي لا يلتزمن باعتداءات من كل صنف.. بمعنى فرض أزياء بالقوة…..

لاحظوا أن هذا لم يقف عند حدود النساء بل توجه إلى الشبيبة وتابعوهم إلى حيث المؤسسات الجامعية والحكومية وطبعا الخاصة بهم مما يسمونه دور الوعظ والتعبد على مقاس خطابهم، ثم اتسعوا وباتوا يفرضون الأزياء بمنطقهم على المجتمع برمته…

والقضية ليست قضية أزياء بقدر ما هي قضية مقاسات ومعايير أحادية تزيح الحريات وحق العيش الإنساني من دون فروض قسرية تؤدلج وتقولب المجتمع بمنطق قيمي أحادي ظلامي. منطق عنفي يقوم الإكراه والقسر والابتزاز والخضوع والخنوع لسطوة بلطجة أناس لأغلبية مجتمعية بقوة التصفية الجسدية وبكل التدرجات الأخرى في ممارسة العنف والبلطجة..

الزِّي عند هذا الجناح لا يختلف عنه عند بلطجية الجناح الآخر سوى باللون وتدرجاته والخامة ومدى خشونتها والجمالية ومدى زوالها وإلغائها ومحوها على افتراض أن الرجل والمرأة كائنان فارغان من كل قيمة وجودية للإنسان إلا من إغواء الأزياء وطريقة اللبس! الكارثة أن التدرجات في حدة الفروض هي واحدة من مسوغات أو مبررات الأعنف ظلما وعدوانا في فرض السياقات..

ومجددا لا يعني هذه المقالة ما يرتديه شخص بقدر ما يعنيها طابع ما يرتديه من ثقافة وعمق إنساني يتأسس على التحرر والانعتاق من الأحادية والفروض القسرية وبلطجة الناس وتهديدهم في مظاهر عيشهم لقمع مبدأ جوهري يخص جوهر العيش في ظل سلطة الحريات والتعددية والتنوع وفي عنى الثقافة التي يمتلئ بها الإنسان لتنعكس في مظاهره وتمظهراته بحرية تامة لا بهراوة البلطجة الظلامية..

موضوع الحقوق والحريات وأساليب العيش بين حياة مدنية تنتمي إلى العصر فتزيح ظلاميات الكهوف وسلطتها العقيمة العديمة العقل وبين فروض من أوهام مرضية لما أزاحه العصر من هذه العقلية الظلامية الكئيبة ومحاولاتها اجترار تمظهراتها من أزمنة غابرة أقل ما يحكى عنها ويتم التعامل معها أنها مركونة على أرفف التاريخ الذي يُفترض أن تكون البشرية غادرته..

وهكذا فتلك القوى (الظلامية) لا يناسبها ما يرتديه شاب ولا كيف يحيا ويعيش تفاصيل يومه وهي إذ لا يكفيها ادعاءاتها الخاصة ببعبع الآخر ومحاربته تريد مشاغلة من أسرتهم في خانتها ووضعتهم بين حصصها وملكياتها بمثل تلك الترهات من تحريم وحظر وإلغاء ونفي وقمع وكل مصطلحات المعاجم التي تحدد من أية ممارسة إنسانية تنتمي للعصر…

لا دار عرض سينمائي.. أفلحت في إغلاق دور العرض السينمائي. لا دار مسرح في مدينة أو قرية أو مؤسسة.. أفلحت في الاقتراب من محو تلك الصالات وفي منع أشبه بالشامل للعروض المسرحية وأنشطتها الفكرية الغنية قيميا… لا صالات للفرح والمسرة وقد أفلحت في محاصرة شاملة بل إلغاء وحظر للأنشطة الغناسيقية… لا مراكز شباب ولا مكتبات ولا اية نافذة للثقافة.. فماذا بقي لها كي تقمعه وتلغيه وتصادره؟

بقيت المقاهي التي أرادت الشبيبة أن تحولها إلى منصات عيش إنساني واستثمارها في أنشطة إبداعية جمالية من نمط ينتمي للعصر. لو سألنا عن المجريات والوقائع؛ فهي حية في الذهن الشعبي: اعتداءات متصلة مستمرة على مباني اتحاد الأدباء في العاصمة والمحافظات وعلى المنتديات الاجتماعية لمختلف المكونات المجتمعية وعلى كل ما له علاقة بقيم روحية عاشتها البشرية عبر تاريخها…

القضية ليست مقهى في حي بمحافظة نائية، بل هي قضية فكرية فلسفية سياسية شاملة تعود إلى الجهة التي تقف وراء زعران الجريمة وأوباشها ممن يطاردوننا ليل نهار.. وهذه سمة لقوى (الطائفية السياسية) التي تتحكم اليوم بالمشهد العام في العراق بوساطة ميليشيات وعصابات وزمر وشلل من الصيّع الذين اختلقهم نظام الطائفية والفساد هراوة لبلطجة المجتمع.

أن تُرتكب الجريمة في الأنبار أو في العمار، في بغداد والموصل أم في البصرة والناصرية فلا فرق في الجوهر.. ولا فرق الآلية والأداء. إننا نراها بوضوح لا يحتاج لتأويل..

الجريمة سياسية قيمية نريد فرض فوضى الغابة على حساب قوانين الإنساسنية المعاصرة.. والفوضى تعبيرا عن منطق الغلبة والقهر والبلطجة وحارة كلمن إيدو إلو. الجناة تجدونهم يا سادة يامن حفظتم التحقيقات حتى الآن بعشرات آلاف الجرائم والاعتداءات، تجدونهم بحماية مقرات أحزاب الطائفية السياسية وظلاميات ما أنتجت وتنتج..

كل الأحياء والضواحي والشوارع والساحات تعرف أولئك المجرمين ممن تقيّأتهم سنوات ما بعد 2003 على خلفية أفسد نظام بيننا في عصرنا بما يجتره من قيم الزمن الغابر وأمراضه وأدرانه وأوبئته… لا تضحكوا  ولن تضحكوا على أحد فآليات اشتغالكم نفسها محكومة بتلك البلطجة وبتمرير الجريمة وشرعنتها، وليس في نية مجرم أن يتوب ويقدم نفسه ومن يحميه لقضاء عادل غير متاح في بلاد الضيم والظلم..

سويعات الراحة ولحظات تقديم إبداعات الشبيبة من شعر ونثر وحوارات تقوم على تنشيط العقل محظورة في مدينة ابن الهيثم وكل العلماء وشعراء الجمال والأنسنة ومفكري التنوير لأن قوى الظلام عادت لتنتقم من أهل المدينة وقد أسرتهم وسجنتهم في قمقم مغارة من مغارات عفوا كانتون من كانتونات حصتي وحصة الطائفي الآخر البعبع على وفق آليات عيش الطائفيين…

لا أمل يرتجى من أحزاب الطائفية يامن دخلتم محاريبها بالتضليل.. لا أمل يرجى بالطائفيين بل ما يأتي منهم سوى محاولات قتل الأمل وزرع الألم والإبقاء على ظلام يساعدهم على مزيد تسلط وبقاء بذرائع وحجج ليست سوى اضاليل تستند لمنطق الخرافة لا سند لها من فطنة وحكمة ورشاد لا عند عقل ولا عند دين…

دافعوا عن وجودكم، ضد استباحة قوى الطائفية وانسحبوا من عضوية من يبلطج وجودكم الإنساني الحي ويطيح بآمالكم ويقولبكم بقشمريات تمظهراته.. دافعوا عن كرامتكم وحرية ضمائركم وإراداتكم برفض بلطجة الطائفيين ومحاولاتهم إرهابكم ..

ســ تشهدوا ما هو أكثر ترويعا واستعبادا وإذلالا إذا ما بقي منكم أحد بعضوية تلك الزمر والشلل المرضية تضليلا أم مصلحة مؤقتة عابرة.. فكروا في العيش الإنساني الحر الكريم وافقهوا معنى هذه الاعتداءات وتلك البلطجة وما يراد من أعداء حرياتكم وقيم وجودكم..

...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *