العمل الإنساني بين الموسمية والهبَّات الآنية وبين متطلبات وجوده وتفعيله

العمل الإنساني ليس وليد مرحلة تاريخية متأخرة بل هو آلية تفاعل بين بني البشر مذ وُلِد المجتمع المدني وقوانينه وأعرافه. ولكنه اتخذ طابع التقنين منذ حوالي منتصف القرن التاسع عشر يوم وقعت معركة سلفرينو 1859 بين الجيشين الفرنسي والنمساوي؛ يومها نهضت الشخصية السويسرية \ جان هنري دونانت (1828-1910) بمهمة مجابهة فظاعات الحرب فنقل المصابين مجانا وبشكل تطوعي ومن دون تمييز الأمر الذي ستنهض به بشكل نوعي ثابت اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي شكلتها الدول الأوروبية عام 1863 باسم اللجنة الدولية لعلاج وإنقاذ المصابين..

ورافق أو تلا ذلك اجتهاد السويسري دونانت وآخرين لكتابة مجموعة مبادئ وأسس قانونية للجم السلوك العنفي المندفع في أوقات الحرب، بما يوفر أكبر قدر من احترام الحياة الإنسانية بخاصة هنا للمصابين في ظروف الحرب. وبهذا يكون “القانون الدولي الإنساني” قد ظهر بوصفه مجموعة المبادئ التي تستهدف الحد من آثار النزاعات المسلحة وتساعد على تخفيف النتائج الكارثية، عبر حماية كل من ليس له صلة مباشرة بالأنشطة الحربية. ومع تطور الأمور وتعقيداتها، بات العمل الإنساني يتوزع بين الداخلي والخارجي للبلدان.. وبما يتعلق بآثار الأوضاع الأمنية والاضطرابات وتحدياتها أو انعكاساتها، ما يتطلب وجود ذاك العمل الإنساني للمساعدة أو الحيلولة دون تضاعف الإصابات بمساهمات أممية ومحلية.

ولابد من التذكير هنا أنّ طابع عدم التمييز في إنقاذ ما يمكن إنقاذه يعني تجنب وضع اشتراطات مسبقة من قبيل الخصوصية لدى هذا الطرف أو ذاك وتلك الهوية أوغيرها بحسب المعتقدات والشرائع وفروضها، لأن قضية حياة الناس تبقى بأولوية في مجال العمل الإنساني وغاياته السامية.

إنّ كثيراً من الدراسات باتت تناقش مشكلات اللاجئين والنازحين، وحالات الاتجار بالبشر والكوارث الناجمة عن ظواهر تهريب المخدرات والأسلحة، مثلما تناقش حماية معالم لها صلة بالوجود الإنساني من مثل: حماية الأماكن التراثية، وما يجابه العمل الإنساني من عقبات من قبيل مواقف السلطات المتحكمة بالأرض في هذا الميدان أو ذاك. وسنجد تفاصيل كثيرة تضاف إلى العمل الإنساسني ومهامه من مثل حماية المدنيين تحديداً حماية الأطفال في ظل الأزمات، والتصدي لجرائم العنف بأشكاله ومآربه مثلما العنف الجنسي الذي بات ظاهرة ترافق تلك الأزمات الإنسانية.

إن العمل الإنساني اليوم يغطي موضوعات النظام الإنساني العالمي في أصوله وأبرز مبادئه، ويستند إلى القانون الدولي الإنساني والتفاعل بكل متاح مع الأزمات وآثارها، حيث يعمل على تنظيم القطاعات المدنية والعسكرية وغيرهما، وينسق الجهود الإغاثية في بيئة الأزمات والحروب. من هنا بات مفهوم العمل التطوعي بمختلف محاوره والعمل الإنساني بحاجة إلى نشر ما تجمع بإطاره من سجل نوعي قانونياً وتوسيع مساحات وصول ثقافته بمختلف المجتمعات مع تفعيل تبادل الخبرات والتجاريب الأممية  الدولية ونقلها إلى المجتمعات التي مازالت ضعيفة في مجال العمل الإنساني لأي سبب كان.

ومن باب أولى، أن ننقل تصورا مبدئياً عن مسيرة التطور في تنظيم العمل الإنساني وميادينه المتنوعة المختلفة، بدءاً باتفاقية جنيف الأولى 1864 التي شملت النزاعات المسلحة بين الدول ولكنها لم تتناول الصراعات الأخرى وهي اليوم أوسع وأكثر عمقاً بآثارها ونتائجها الكارثية.

ومع التطور صار القانون الدولي الإنساني يشمل عدداً من الاتفاقيات والسلوكيات المنظمة أممياً من مثل:

  1. اتفاقيات جنيف الأربع 1949 متضمنة اتفاقية جنيف الأولى المتعلقة بمصابي القوات المسلحة والثانية المتعلقة بمصابيها في البحار والثالثة المعنية بأسرى الحرب والرابعة المتعلقة بحماية السكان المدنيين في أوقات الحرب.
  2. وسيضاف إلى ذلك البروتوكول المكمل لاتفاقيات جنيف الأربع 1977.
  3. ثم يُضاف القانون الأساس لمحكمة الجنايات الدولية واتفاقية لاهاي المعنية باحترام قوانين الحرب البرية 1907.
  4. على أن العمل الإنساني وقانونه الدولي يتضمن أيضا أسسا عرفية غير مكتوبة تمثل القيم السلوكية المعنية بأية مساعدة لإنقاذ وضع إنساني مهدد.

لقد جاءت الحروب الكونية لتشكل علامة فارقة فيي الارتقاء بالعمل الإنساني بالضد مما أوقعته من إصابات أثخنت الوجود البشري جراحات فاغرة؛ فاتجهت الجهود إلى تعزيز الضبط القانوني الممارس في إطار مؤسسات أممية رديفة لوجود النظام الدولي أو العالمي الجديد ومأسسته. فكان إنشاء الأمم المتحدة ومجمل المؤسسات المتفرعة، بقصد تعميق الحوارات وتنظيمها صيانةً للسلم والأمن الدوليين.

إن تجاريب العلاقات الدولية، كثيراً ما تعرضت إلى هزات راديكالية عنيفة سواء في الحربين الكونيتين أم في الحرب الباردة وما بعدها، وعالميا نشهد اليوم ميادين صراعات عنفية دموية بشعة وفظاعات بمختلف البلدان الآسيوية والأفريقية من مثل ما يجري اليوم في العراق، سوريا، اليمن، ليبيا وغيرها. إذ يجري استخدام أسلحة تدميرية متسببة بأهوال مفتوحة المديات.

ومع وجود التطورات القانونية والمؤسسية منذ 49 وما لحقها مثل اتفاقية لاهاي54 المعنية بحماية الأملاك ذات الطابع الثقافي، ثم الاتفاقات التي حظرت الأسلحة الأحيائية والكيمائية وتلك المعنية بالألغام المضادة للبشر وغيرها، مع كل ذلك مازلنا نعاني من نقص جدي في ضبط آثار الصراعات والحروب من جهة ونشر ثقافة العمل الإنساني من جهة أخرى.

ومازالت البشرية تعاني من آثار جرائم ضد الإنسانية بشكل معقد كما يمكننا الجزم أن كثيراً من المجرمين مازالوا يفلتون من العقاب على الرغم من تشكيل محاكم مختصة مثل تلك المعنية برواندا ويوغسلافيا السابقة، ومن مثل ما جرى ويجري من جرائم إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية بحق المكونات الصغيرة والمجتمعات التي تعرضت للاستباحة من شراذم إرهابية لا تضبطها ولا تلجمها قوانين، كمثال سوريا والعراق حالياً.

فالقضية مركبة معقدة تختلط بصراعات داخلية تستند إلى نظام كليبتوقراطي، لا تعنيه ثقافة العمل الإنساني ولا ينضبط بقوانين دولية إنسانية أو غيرها.. ومن هنا فإن قارئ المشهد سيجد ضبابية في متابعة الصراعات الداخلية كما هو الحال في اليمن مثلا؛ إذ تقود ميليشيا مسلحة تمرداً على النظام السياسي وتريد فرض وجودها بخلفية صراعات فكرية سياسية ملتبسة بادعاءات طقسية مذهبية مدعاة.. ولا يحسم الموقف هنا أو في الحالات الأخرى لا القانون الدولي الإنساني بما فيه من عوامل قصور وتنازع للسلطة مع القوانين المحلية (الوطنية) ولا المحكمة الجنائية الدولية بما لديها من محددات في أدائها…

الكارثة أن ثقافة العنف والانتماء إلى الجماعات الميليشياوية المسلحة بات يجد قبولا بين نسبة مؤثرة من المجتمعات المحلية.. ولربما تم استغلال الدين والمذهب وما يُختلق من ذرائع تنظير طقسي عقيدي لجذب تلك العناصر الهشة لمزيد من الصراع الأزموي القائم على منطق الثأر والانتقام وتبادل الطعنات بين الأطراف العنفية الراديكالية. يساعد في هذا ضعف البنى المؤسسية للدول ولأنظمة الحكم وخضوعها لفكر سياسي طائفي مرضي ولخروقات بنيوية لمنظومة فساد مافيوية خطيرة.

والكارثة أن قدرات التصدي هزيلة في ظل تحييد المؤمنين بثقافة إنسانية رصينة، ووضعهم في مواضع لا سلطة ولا تأثير مجتمعي لهم. كما أن التراجع السياسي الاجتماعي بات شاملا… تغمره عواصف وأعاصير وغبارها بما يضبب المشهد على الجمهور العام الذي يعاني أصلا من التجهيل والتضليل والأسر في تخندقات طائفية مفسدة فضلا عن شيوع السلبية والفردنة والعزوف عن الشأن العام في ظل انعدام الثقة والاستقرار.

ولا حلول جدية هنا ما لم يجرِ فعليا فرض سلطة القانون واستعادة بنى الدولة المدنية وإزاحة العناصر المافيوية وزعماء الحرب من قادة الميليشيات التي ينبغي حلها وتفكيكها فوراً وإطلاق حملات وطنية وأممية في مجال استعادة ثقافة مجتمعية تعزز الثقة بين جميع المكونات وتعيد علاقة الفرد بالدولة والمجتمع على أسس سليمة…

وطبعا في إطار تلك المحددات، أن يجري تعزيز وجود العمل الإنساني بدءاً بالأعمال التطوعية المحلية الصغيرة وليس انتهاء بتلك التي تمتد إلى معاني العمل الإنساني الشامل لضحايا الحروب والنزاعات الدولية والمحلية في داخل البلدان.

إن استعادة الحيوية والعافية للعمل المؤسسي الجمعوي واستقطاب الشبيبة لهذه المهمة بعد تحريرها من الانتماء للميليشيات والجماعات والشلل المافيوية بآليات وجودها، هو رأس المهام للتحول نحو ما يجابهنا في الأفق من مشكلات محدقة ليس عن طريق الآثار المباشرة بل عن طريق ظروف بيئية كونية بعيدة الأثر في الوجود الإنساني في العقود الثلاثة التالية.

إن الوصول إلى بناة المستقبل لمرحلة الجيل التالي تبقى قضية إشكالية ومعضلة نجابهها بما لا يمكن التلكؤ والتغاضي عن المهالك التي قد تتسبب في فنائنا بالكامل إن لم نستطع إقناع هذا الوجود الإنساني المتسع بالبدائل التي تأخذنا إلى العمل الإنساني…

فهلا تم عقد مؤتمرات تخصصية ودراسات أكاديمية وثقافية شاملة يمكنها رسم الاستراتيجيات لوضع الحلول المناسبة موضع التطبيق أمميا وطنياً؟

لا تتحدثوا عن أولويات أخرى غير الأمن المجتمعي بنزع فتيل التخندقات وعدم الاكتفاء بصرخات الفضح المجانية التي تنطلق موسمياً أو آنياً لمزيد دجل وتضليل من خلف متاريس التخندقات العنفية وفظائع ما ترتكبه وتوقعه بالمجتمع… اليوم لابد من هذه المهمة النوعية الاستراتيجية أو لات ساعة مندم!

الأرقام ومعلوماتها التاريخية عبر وكيبيديا

https://en.wikipedia.org/wiki/Henry_Dunant

...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *