واقع ومشكلات حركة اليسار على الصعيدين العالمي والعربي 4 أجزاء كاظم حبيب

ألواح سومرية معاصرة تستضيف الدكتور كاظم حبيب في معالجة من أربعة أجزاء وتأمل أن تكون بنشرها هذه المعالجة قد فتحت بوابة أخرى للحوار ومعالجة الموضوعات الواردة فيها.. تقبلوا احترامنا جميعا

كاظم حبيب

واقع ومشكلات حركة اليسار على الصعيدين العالمي والعربي

واقع ومشكلات حركة اليسار على الصعيدين العالمي والعربي. 1

(1) 1

عوامل انتكاسة حركة اليسار على الصعيد العالمي. 1

(2) 6

اليسار العالمي والموقف من مشكلات العالم الرأسمالي. 6

(3) 12

واقع ومهمات قوى اليسار في الدول العربية 12

(4) 17

المهمات المباشرة لقوى اليسار بالدول العربية 17

(1)

عوامل انتكاسة حركة اليسار على الصعيد العالمي

واجهت مجمل حركة اليسار وأحزابها السياسية على الصعيد العالمي انتكاسة شديدة بدأت زاحفة بصورة سريعة مع الثلث الأخير من القرن العشرين، وتواصلت بوتائر أسرع مع بداية القرن الحادي والعشرين منزلة خسائر كثيرة وكبيرة في قوى هذه الحركة من الناحيتين الفكرية والسياسية، ومشيرة إلى حصول تراجع شديد في قدرة قوى الحركة في التأثير على الفئات الاجتماعية، وخاصة تلك التي تسعى للتعبير عن مصالحها الراهنة والمستقبلية. وكان انهيار الاتحاد السوفييتي ومعه بقية بلدان المنظومة قد دفع بحركة اليسار إلى المزيد من التراجع، إذ أنها كانت بمثابة الزلزال الذي هزَّ الأحزاب الشيوعية في مختلف بلدان العالم بشكل خاص، ولكنه مسَّ أيضاً بقية قوى اليسار بالعالم بعطب شديد. والذي ما يزال، رغم مرور أكثر من ربع قرن على ذلك، يلعب دوره السلبي في دور ومكانة وتأثير الأحزاب الشيوعية خصوصاً واليسار بشكل عام. يضاف إلى ذلك محاربة النظم والقوى السياسية اليمينية والشوفينية والمتطرفة لقوى اليسار، وخاصة في الدول النامية، متعاونة في ذلك مع الدول الكبرى المناهضة للفكر اليساري عموماً والقوى الحاملة للفكر الاشتراكي ورفض استغلال الشعوب.

لم تكن هذه الانتكاسة غير واضحة المعالم لعدد غير قليل من الباحثين والمتابعين لحركة اليسار في العالم، كما لم تكن مفاجئة لهم، إذ كانت مؤشرات ذلك قد برزت بشكل جلي منذ ستينات وسبعينات القرن العشرين، إذ قدرَ الكثير منهم أن جموداً عقائدياً فعلياً في الفكر والممارسة قد حل بالأحزاب التي تبنت الماركسية-اللينينية والتي ساهمت بأدوار ونسب متباينة في تشويه النظرية الماركسية في الممارسة العملية، ليس في الدول الاشتراكية حسب، بل وفي جميع أو غالبية الأحزاب الشيوعية والعمالية القائمة في مختلف دول العالم. وقد نشأ عن ذلك أزمة فكرية عميقة شملت الحركة الشيوعية والعمالية العالمية وأحزابها السياسية وبقية مكونات الحركة اليسارية العالمية. كما تجلى في عجز قوى هذه الحركة عن إدراك واقع وطبيعة وعمق هذه الأزمة وأبعادها، والعواقب المترتبة على استمرارها، وغياب الاستعداد الفعلي على الاعتراف بوجودها، وما نجم عن ذلك من ابتعاد فعلي عن مواجهتها ومعالجتها. وأدى ذلك إلى استفادة العالم الرأسمالي من كل ذلك، وسعيه إلى تعميق الهوة وتوسيعها، ونشر الحقائق عما كان يجري في بلدان المنظومة الاشتراكية من أخطاء ونواقص وفساد وبيروقراطية وتجاوز فظ على حقوق الإنسان وحقوق القوميات والجمهوريات، السوفييتية، وسوء إدارة وتنظيم، وتراجع شديد في العملية الاقتصادية، بسبب الإهمال أو التعسف والابتعاد عن الفهم الواقعي والتعامل السليم مع القوانين الاقتصادية الموضوعية وقوانين التطور الاجتماعي الموضوعية، إضافة إلى إهمال مصالح المجتمع، والغوص في المصالح الذاتية والانتهازية. وعلينا هنا أن نشير إلى الفخ الذي سقط فيه الاتحاد السوفييتي في دخول القوات السوفييتية إلى افغانستان واستنزافها إلى ابعد الحدود واضطرارها إلى الانسحاب غير المنظم بعد فوات الآوان.

وبما إن الدول الاشتراكية لم تنشر أو تنتقد الأخطاء الفادحة التي ارتكبتها على الصعيدين الداخلي والدولي، فقد فسح هذا في المجال للدول الرأسمالية إلى طرح مبالغات كبيرة، رغم وجود تلك الأخطاء والنواقص والاختلالات التي قادت في المحصلة النهائية إلى انهيار تلك النظم من الداخل أساساً، وليس بفعل العامل الخارجي رغم أهميته ودوره النسبي.  

لقد أدى انهيار المنظومة الاشتراكية إلى عواقب بالغة الضرر ليس بتلك الأحزاب والأعضاء والمؤيدين لها، نتيجة الإحباط الشديد، فحسب، بل إلى تشويه سمعة الشيوعية والاشتراكية وحركة اليسار، التي تعرضت إلى أضرار بالغة في أوساط واسعة من القوى الشعبية في مختلف بقاع العالم، والتي كانت تتوقع نتائج أخرى غير التي حصلت فعلاً.

لقد حاول العالم الرأسمالي والفكر البرجوازي الادعاء بأن الرأسمالية قد انتصرت وإلى الأبد، وأن الاشتراكية قد انتهت وإلى الأبد، وبرز كتاب في مختلف بقاع العالم يروجون لهذه الموضوعة الخاطئة. وفي الحقيقة لا الرأسمالية قد انتصرت، ولا الفكر الاشتراكي قد انهار. إن الانهيار قد أصاب تلك النظم السياسية التي ابتعدت عن الفكر الاشتراكي ومبادئ الاشتراكية، وعن الإدراك الواعي والاستيعاب الجيد والتعامل الذكي والموضوعي مع القوانين الاقتصادية والاجتماعية الموضوعية، وبالتالي، فأن انهيار الدول الاشتراكية لم يكن مأسوفاً عليه من قبل شعوبها. ومع ذلك فقد شكلت في الواقع التجربة الثانية والجديدة للفكر الاشتراكي وللمناضلين في سبيل الاشتراكية خلال الفترة 1917-1989 بعد تجربة كومونة باريس 1871. 

علينا كمفكرين ومناضلين يساريين في إطار الحركة اليسارية العالمية أن نعترف بأننا ما زلنا نواجه ثلاث مشكلات جوهرية، وهي:

** إن حركتنا اليسارية ما تزال تعاني من أزمتها الفكرية والسياسية، رغم صدور عدد كبير من الدراسات الغنية في هذا المجال، والتي تتجلى في الفكر والسياسة بشكل خاص، والتي لم تُعالج عملياً إلى الآن، رغم اتخاذ جملة من الإجراءات الطفيفة التي لم ترق إلى مستوى المعالجة الجذرية والضرورية. وإنها لم تستطع إلى الآن إعادة علاقاتها الطبيعية مع فئات المجتمع، بل تعاني من جزر شديد غير منقطع. ويمكن أن نلاحظ ذلك في أوضاع الأحزاب الشيوعية في دول الاتحاد الأوروبي، ومنها فرنسا وإيطاليا، التي تعاني اليوم من تراجع شديد في شعبيتها وعلاقتها ودورها وتأثيرها في الحياة السياسية وفي حركة الجماهير الشعبية، بالمقارنة مع ما كانت عليه في الستينات والسبعينات من القرن الماضي وقبل انهيار الاتحاد السوفييتي وتفاقم أزمة الأحزاب الشيوعية والعمالية على الصعيدين العالمي والمحلي.

** وإن قوى اليسار في العالم والقوى المساندة لها ما تزال تعاني من إحباط شديد، بسبب سياسات الهروب إلى أمام، ومحاولة القفز فوق المراحل من الناحيتين الفكرية والسياسية، إضافة إلى جماهير واسعة أخرى لم تجد ما يساعدها لاستعادة ثقتها بحركة وقوى اليسار والنهوض من كبوتها بسياسات أكثر عقلانية وتعبئة لفئات المجتمع. ولا شك في أن هناك من أحبط كلية وتخاذل وترك الساحة النضالية اليسارية.

** وأن هناك قوى كثيرة ذات إيديولوجية مناهضة لحركة اليسار عموماً، ما تزال تسعى إلى تعميق الإحباط والتراجع في الحركة اليسارية، واستثمار الخشية من التجديد لدى قوى الحركة اليسارية على الصعيدين المحلي والعالمي، لتعريضها للمزيد من العزلة والهامشية والضعف. ومن الملاحظ إن قوى حركة اليسار لم تنتبه بعد بما يكفي لمثل هذا النشاط المناهض لها.

والغريب في الأمر إن الأزمة الأخيرة التي شملت العالم الرأسمالي كله، ومعه الدول النامية، ابتداءً من العام 2008، وكانت تتفاعل قبل ذلك بسنوات قبل انفجارها، والتي ما تزال بقاياها فاعلة في أغلب الدول الرأسمالية، كانت أعتا وأقسى من الأزمة العامة التي رافقت الرأسمالية في أعوام 1929-1933، ولكنها مع ذلك لم تستطع تحريك قوى اليسار وإنعاشها وتنشطها للعمل في صفوف الجماهير وإنهاضها لمواجهة القوى الرأسمالية على الصعيد العالمي والإقليمي والمحلي، من أجل تخفيف أعباء الأزمة على الجماهير الكادحة والمنتجة للخيرات المادية والروحية والقوى العامل المتزايدة العاطلة عن العمل.

في مقابل هذا الواقع تواجه شعوب العالم، مع غياب الدول الاشتراكية وضعف الأحزاب الشيوعية ومجمل حركة اليسار، إصراراً متنامياً من الدول الرأسمالية المتقدمة على:

** مصادرة المكاسب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية التي تحققت لشعوب الدول الرأسمالية في فترة الصراع بين الشرق والغرب، والسعي لتعميق الاستغلال الذي تتعرض له شعوبها، وخاصة القوى البشرية المنتجة للخيرات المادية والروحية، بمن فيهم الفئات المثقفة.

** غياب الاستعداد لدى القوى الرأسمالية على المساومة، التي مارستها قبل ذاك مع الطبقة العاملة وفئات الفلاحين والمثقفين، بل تحاول اليوم تشديد الاستغلال وتحقيق أقصى الأرباح على حساب العمل الأجير، سواء أكان جسدياً أم فكرياً.

** تراجع كبير في مستوى ممارسة الديمقراطية في الدول الرأسمالية المتقدمة، إذ أن الديمقراطية في هذه الدول تعاني اليوم من أزمة فعلية حادة، وتراجع في مصداقية الحياة السياسية والنخب السياسية الحاكمة، والعودة إلى استخدام القوة في مواجهة الشعوب النامية، أو طبقتها العاملة. كما إن التمثيل في المجالس النيابية لم يعد يساهم في الدفاع عن مصالح الناخبين ودافعي الضرائب، بل في مصلحة الاحتكارات الرأسمالية المحلية والعابرة للقارات (الكونية). 

** ونتيجة لكل ذلك تتفاقم في واقع الحال الفجوة بين الأغنياء والفقراء من حيث الدخل السنوي ومستوى المعيشة ومستوى الخدمات الاجتماعية والحياة التعليمية والثقافية على الصعيد العالمي وعلى صعيد كل دولة أولاً، وتفاقم حجم البطالة في جميع دول العالم دون استثناء ثانياً، وتزايد عدد الأفراد الذي يحتاجون إلى مساعدة الدولة الرأسمالية للحصول على الحد الأدنى من العيش، مع تزايد عدد الفقراء والمعوزين وتزايد عدد الأطفال الذين يعانون من فقر عائلاتهم ثالثا، خاصة في تلك الدول النامية التي لا تقدم الدولة مساعدات ولا توجد ضمانات اجتماعية او صحية لتلك العائلات والأفراد.

** كما تتفاقم حالات الفساد المالي في غالبية دول العالم بدءاً من الدول المتقدمة ومروراً ببقية دول العالم تقريباً، مقترنة بتزايد عدد ودور وتأثير قوى الجريمة المنظمة في جميع المجالات وعلى الصعيد    العالمي.

** ويشهد العالم عودة جديدة واضحة للحرب الباردة، حيث يزداد سباق التسلح بين الدول الكبرى، وكذلك الكثير من الدول الأخرى، وبخاصة في منطقة الشرق الأوسط، وتزايد عدد النزاعات والحروب المحلية، إضافة إلى تفاقم دور قوى الإرهاب، التي تبني وجودها وتعزز دورها وتأثيرها، في ظل غياب الديمقراطية والحريات العامة، وتفاقم الاستغلال والفساد المالي وغياب العدالة الاجتماعية، مما تسبب بدوره في غياب التنمية وتفاقم البطالة وانتشار قاعدة الفقراء والجهل والمرض في حياة ومعيشة نسبة عالية من شعوب الدول النامية، وخاصة الدول العربية ذات الأكثرية المسلمة، رغم غنى الكثير منها. وبذلك يزداد الاستعداد لممارسة العنف والقوة والسلاح في حل النزاعات الداخلية والإقليمية وفي انتشار التطرف الديني والمذهبي والسياسي وتزايد عمليات الإرهاب الدولي.

** والمعطيات التي تحت تصرفنا تشير بما لا يقبل الشك إلى التدخل الفظ للدولة الكبرى في شؤون الدول الأخرى، وخاصة في دول الشرق الأوسط، وبالتعاون المتين مع النظم الاستبدادية والرجعية وباسم الإسلام، والتي منها على سبيل المثال لا الحصر، المملكة العربية السعودية وقطر وتركيا وإيران وغيرها، والتي عملت فعليا وعلى العقود الأربعة المنصرمة على خلق ودعم وتنشيط وتوجيه المنظمات الدولية الإسلامية الإرهابية كالقاعدة وداعش وجبهة النُصرة وغيرها، التي تعتمد الأساليب والأدوات الفاشية في مكافحة الحركات الوطنية واليسارية والتقدم. وقد أدى كل ذلك إلى سقوط مئات الوف البشر قتلى وجرحى ومعوقين!

** وعلينا هنا ألَّا ننسى نهج وسياسات الدول الرأسمالية المتقدمة إزاء شعوبها وشعوب الدول النامية في إطار العولمة الرأسمالية التي تمارسها قوى اللبرالية الجديدة في إطار العولمة، والتي لا تتميز بتشديد الاستغلال وتحقيق أقصى الأرباح حسب، بل وفي ممارسة سياسة المقاطعة الاقتصادية والتهديد بالحصار الاقتصادي الشامل وشن الحروب المحلية. ودول الشرق الأوسط وشمال أفريقية تقدم الدليل الساطع على هذه السياسة العدوانية لقوى اللبرالية الجديدة الحاكمة في المراكز المتقدمة للرأسمالية الدولية. 

إن هذه الظواهر السلبية قادت إلى النتيجة المنطقية، إلى تفاقم المشكلات والتناقضات وتنامي الصراعات الطبقية، السياسية والاجتماعية، وتحول بعضها إلى نزاعات سياسية بسبب عدم تأمين المعالجة الناجعة لها. وكل المؤشرات تؤكد بأن الدول الرأسمالية الأكثر تطوراً غير مستعدة للإقرار بأسباب كل ذلك، وبالتالي، فهي غير مستعدة لمعالجتها، لأن طبيعتها الاستغلالية الجشعة تمنعها عن ذلك.

ولا بد لنا هنا من الإشارة إلى المحاولات الجارية لتشويه مضمون تلك الصراعات، ودفع الناس للتفكير باتجاه خاطئ، أي باتجاه الحديث عن صراع الثقافات والأديان والمذاهب، بعيداً عن حقيقة الصراع الطبقي، أو الاجتماعي، الذي كان وسيبقى فاعلاً في كل العالم الرأسمالي ومحركاً للنضال. وكان صموئيل هنتنكتون1 ، الممثل الفعلي للجماعات الفكرية والسياسية الأكثر تشدداً، قد طرح منذ أوائل التسعينات من القرن العشرين موضوعة “صدام الحضارات”، أو “صدام الثقافات”، أي صدام الديانات الثمانية وأتباعها، وخاصة بين الحضارة الغربية والحضارة الإسلامية، أو بين المسيحيين والمسلمين. وكان من عواقب ذلك تشجيع وتنشيط التمييز والصراع الديني والطائفي في منطقة الشرق الأوسط وفي مناطق أخرى من آسيا وأفريقيا، ومن بين ذلك إقامة النظام السياسي الطائفي بالعراق، وما نجم عنه من تمييز ضد أتباع الديانات الأخرى وصراع بين الأحزاب والجماعات السنية والشيعية، ثم انتقالها إلى القاعدة الشعبية لأتباع هذين المذهبين.

إن هذا الواقع الدولي والإقليمي والمحلي المتفاقم، كان وما يزال يفترض فيه أن يحرك قوى اليسار وأحزابها لتتبنى مطالب الشعب الأساسية وصياغة أهدافها بصورة ناضجة ودقيقة، بعيداً عن الأحلام غير الواقعية التي لن تكون سوى أوهاماً قاتلة، لرسم ستراتيج وتكتيك قوى حركة اليسار ونضالاتها، بالاستناد إلى المنهج العلم المادي الديالكتيكي والمادي التاريخي بواقعية وموضوعية لقيادة النضال من أجل مصالح الغالبية العظمى من شعوب العالم وكل شعب على انفراد من جهة، وبعيداً عن التحالف اليميني مع قوى لم تعد من هذا العصر، بل هي من ماضٍ سحيق، لم يعد لها أي مستقبل في القرن الحادي والعشرين من جهة ثانية. إن الحاجة ماسة إلى التضامن بين شعوب العالم وقواها المناضلة لمواجهة قوى الاستغلال والحرب والدمار على الصعيد العالمي.

(2)

اليسار العالمي والموقف من مشكلات العالم الرأسمالي

 

حين يتابع الإنسان حركة اليسار على الصعيد العالمي، سيجد أنها وخلال الأعوام المنصرمة حققت بعض النجاح في بعض دول أمريكا اللاتينية، وهي تحاول البناء على ذلك لتوسيع قاعدتها وتحسين قدراتها والدفع بها إلى الأمام، ولكنها لا تزال دون المستوى المطلوب الذي كانت عليه في فترات سابقة. وهي تتحرك في محاولة لمعالجة الأزمة الفكرية والسياسة بصورة جادة، ولكنها ما تزال تعاني منها نسبياً. خاصة وهي تواجه وحدة صارخة لقوى اليمين في مقابل ضعف الوحدة لقوى اليسار والتقدم.

إن القاعدة الاجتماعية لقوى اليسار في العالم كبيرة جداً من الناحية الموضوعية، وتشكل ما يزيد عن 85% من مجموع سكان المعمورة، ولكن نسبة عالية منها لا تساهم في عملية تغيير هذا العالم، لأنها ما تزال بعيدة عن المسرح السياسي والاجتماعي والثقافي، وعن التعليم بشكل خاص، ونسبة عالية منها بعيدة عن إدراك عمق الأزمة التي تعيش فيها والمحن التي تواجهها نتيجة تأثير الفكر الديني التخديري المباشر والبالغ الضرر عليها، والمشوه والمزيف لوعيها بواقعها الرث القائم، وتطلعها الدائم إلى العيش في حياة أخرى هانئة في العالم الآخر، عالم ما بعد الموت!! فمقولة شيوخ الدين ما تزال راسخة جداً في رؤوس الملايين من البشر: “من يتعذب أكثر في دنياه، يعيش مرفهاً أكثر في آخرته!!”. وكم كان كارل ماركس صادقاً مع نفسه ومع البشرية حين أكد استناداً إلى هذا التثقيف المشوه “الدين أفيون الشعوب”!! إذ ليس هناك من يربح من هذا التثقيف المبتذل والمقصود غير الأغنياء والميسورين والمستغلين والمتحكمين بالاقتصاد العالمي والإقليمي والمحلي، فهم الذين يروجون لمثل هذا الرأي المبتذل وهم بالذات لا يعملون به أبدا!!!

ولهذا لا بد لقوى اليسار من العمل الدؤوب والجاد مع هذه القاعدة الشعبية والاجتماعية الواسعة وتنشيط دور المثقفات والمثقفين ليزيدوا من اهتمامهم بهذه العملية التنويرية المعقدة والطويلة والصبورة، التي يفترض أن تكون كثيفة ومستمرة ومتنامية.

إن مناهج التحليل التي وضعتها القوى اليسارية والنظريات التي وضعتها استناداً على تلك المناهج، وخاصة المنهج المادي الديالكتيكي والمادي الجدلي، يفترض أن تغتني وتتطور في القرن الحادي والعشرين بالاستفادة من ثلاث مسائل جوهرية: 1) الثورة العلمية والتقنية، ثورة الإنفوميديا، ثورة المعلومات والاتصالات وتأثيراتها المباشرة وغير المباشرة على مستوى تطور القوى المنتجة البشرية والتغيرات الجارية في البنية الطبقية للمجتمع؛ 2) استيعاب الواقع الموضوعي القائم بتعقيداته وتشابكاته الكثيرة والعوامل الدولية والإقليمية والمحلية المؤثرة فيه والمتبادلة التأثير؛ 3) التجارب الغنية التي مرَّت بها حركة اليسار العالمية خلال القرن العشرين، والتي اختبرت بها مناهجها ونظرياتها وبرامجها الفكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية. ويفترض أن يساعد كل ذلك على صياغة الأهداف الآنية والمتوسطة وذات المدى البعيد أو الآفاقية، بعيداً عن التحليق في فضاءات وردية دون امتلاك القدرة للوصول إليها في المدى المنظور، ولا النكوص إلى الوراء.

إن قوى الاستغلال في العالم الرأسمالي المتقدم لا تزال متوحشة في رغبتها الجامحة لاستغلال شعوبها وشعوب الدول النامية، وهي التي تتجلى في مستوى الأرباح التي تحققها سنوياً من خلال العمليات الإنتاجية، أو المضاربة في الأسواق المالية، أو نتيجة احتكار أسواق وسلع بعينها، أو نتيجة سيطرتها على الاستثمارات الرأسمالية، وكذلك الهيمنة على براءات الاختراع والتقنيات الحديثة.. الخ. وهي التي تتسبب في المزيد من التناقضات والصراعات والنزاعات على الصعد المحلية والإقليمية والعالمية، وهي التي تخلق في الوقت ذاته الأرضية الصالحة لعمل قوى اليسار في جميع أرجاء المعمورة. ولكن على قوى اليسار تقع مسؤولية إيجاد السبل والوسائل والأدوات والآليات المناسبة والخطاب السياسي العقلاني المتجدد، لتحريك الجماهير الواسعة للنضال من اجل مصالحها، التي لا تشمل العمال والفلاحين حسب، بل والكسبة والحرفيين والمثقفين والعاطلين عن العمل والمشردين من النساء والرجال، كما إنها تشمل في الدول النامية البرجوازية الوطنية والبرجوازية الصغيرة بكل فئاتها، التي تواجه العنت والمحاربة من الرأسمال الأجنبي ومن الفئات المحلية المتحالفة معه. والسؤال الذي يطرح نفسه: ما العمل؟

من أجل أن تستعيد قوى الحركة اليسارية على الصعيد العالمي دورها ومكانتها في النضال من أجل عالم أكثر أمناً واستقراراً وسلاماً وأكثر عدلاً وسعادة لبني البشر، من أجل الاشتراكية على المدى البعيد، لا بد لها أن تعيد النظر ببرامجها النضالية على المستويات الدولية والإقليمية والمحلية، من خلال دراسة التجارب المنصرمة وأسباب النجاحات التي تحققت في المسيرة الطويلة منذ ما يقرب من قرنين من السنين، وأسباب الإخفاقات التي تعرضت لها والنكسة الكبيرة التي رافقتها خلال العقود الثلاثة المنصرمة على نحو خاص، والأزمة الراهنة التي تمر بها. كما يتطلب الأمر تشخيص المشكلات التي تجابه البشرية بشكل عام على الصعيد الدولي، وأسبقيات النضال في المرحلة الراهنة وعلى مدى العقدين القادمين مثلاً.

إن الكف عن التفكير بخلق مركز للحركة اليسارية، لا يعني الكف عن التشاور بين مكونات وأطراف هذه الحركة على الصعيدين الإقليمي والعالمي، دون وضع عراقيل أو رفض مشاركة هذا الطرف أو ذاك منها، أو محاولة فرض طرف رأيه على الأطراف الأخرى، إذ أن التشاور والتداول والتفاعل أمر ضروري والتقارب يساهم في بلورة الاتجاهات العامة التي يمكن أن تسير فيها الحركة اليسارية دون إلزام لأي منها بذلك، إضافة إلى الاختلافات في الظروف والشروط المحلية لكل حزب أو جماعة من مكونات هذه الحركة الواسعة.

ويبدو لي أن اهتمام الحركة اليسارية على الصعيد العالمي يفترض أن يتوجه صوب النقاط التالية في المرحلة الراهنة، والتي يكون في مقدورها تعبئة المزيد من الرأي العام العالمي حولها من جهة، مع ضرورة قيام كل طرف من أطرافها في ربط تلك المهمات الدولية بالمهام الإقليمية والمحلية بصورة عضوية وفعالة من جهة ثانية، لخلق التناغم والانسجام في الحركة العامة، إذ أن مستويات تطور البلدان متباين بصورة كبيرة، وخاصة بين الدول الرأسمالية المتقدمة، والتي تشكل مراكز العالم الرأسمالي، والبلدان التي هي على حافة التحول صوب الرأسمالية، والبلدان النامية، التي تشكل محيط تلك المراكز والمُستغلَة فعلياً منها.

تبرز أمامنا مهمات كونية مثل:

**  مخاطر وجود أسلحة الفتك والدمار الشامل، وخاصة الأسلحة النووية والكيمائية والبيولوجية، في الكثير من دول العالم وسبل منع انتشارها أولاً، والعمل على إزالتها من جميع الدول صغيرها وكبيرها.
**
رفض شن الحروب والعنف واستخدام السلاح، ومنع استمرار سباق التسلح في العالم، الذي يهدد المزيد من البشر بالموت المحقق، ومن أجل حل المشكلات والنزاعات حول الحدود والمياه والمشكلات الأثنية والحقوق القومية للشعوب، إضافة إلى معالجة القضية الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية والصراع العربي–الإسرائيلي، بالطرق التفاوضية السلمية وعبر المؤسسات الشرعية والإقليمية والدولية على أسس ديمقراطية وعادلة، وإلزام دولة إسرائيل بتنفيذ قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي كافة، والتي اتخذت حتى الآن موقف الاستهانة الكاملة بهذه المؤسسات الدولية وعدم احترام لقراراتها ومصالح الأمن والسلام في منطقة الشرق الأوسط والعالم. 

 ** العمل على مواجهة تفاقم الاحتباس الحراري والتغيرات الجارية على البيئة الدولية، بسبب تفاقم التلوث بمختلف مكوناته، واتخاذ الإجراءات الكفيلة بتغيير نمط الحياة الاستهلاكية المتفاقمة في البلدان المتقدمة بشكل خاص. ولا بد من تشخيص حقيقة تفاقم الكوارث الطبيعية في العالم، نتيجة الاستخدام غير العقلاني للثروات الطبيعية ونزعة الاستهلاك الموغلة بالتبذير والركض وراء معدلات النمو والربح من تلك القوى التي تستغل الطبيعة والإنسان أسوأ استغلال وترفض التعامل مع مشكلات البيئة تعاملاً حضارياً وإنسانياً.

**  مع القناعة بان ظاهرة العولمة ليست سوى مرحلة جديدة من مراحل تطور الرأسمالية موضوعياً على الصعيد العالمي، وإنها من حيث المبدأ ليست ظاهرة سلبية بل هي حتمية مرتبطة بمستوى تطور القوى المنتجة المادية والبشرية والثورة العلمية الهائلة في التقنيات والاتصالات (الإنفوميديا)، ولكن لا بد من التصدي للسياسات العولمية التي تمارسها الدول الرأسمالية المتقدمة، وإزاء شعوب الدول النامية، إذ إنها تعبر عن نفس جوهر السياسات الاستغلالية للرأسمالية العالمية في مرحلة الاستعمار القديم، التي تعتمد، ومنذ أكثر من عقدين، سياسات اللبرالية الجديدة ذات النهج العنفي والعدواني في التعامل مع شعوب البلدان النامية على نحو خاص، وإزاء شعوبها والفئات الكادحة منها على نحو صارخ. ورغم صعوبة هذه العملية إلا إن في مقدور الدول النامية، وعبر إعادة إحياء منظماتها الدولية السابقة والقائمة، التي يستوجب تطوير مضامينها بما يتناسب والتغيرات الحاصلة في العالم، أن تحقق نتائج إيجابية لتقدمها بوتائر أسرع وتحسين ظروف حياتها ومشاركتها في التنمية وتحسين حصتها في الإنتاج والاستهلاك والتبادل التجاري الدولي وفي توزيع وإعادة توزيع الدخل القومي، وتقليص سلبيات السياسات المبنية على هذه الظاهرة الموضوعية على شعوب البلدان النامية وكادحي الدول الرأسمالية المتقدمة.

**  إن العالم الذي نعيش فيه عالم واحد، ولكنه منقسم إلى عالمين مختلفين وغير متكافئين ومتصارعين، عالم الدول المتقدمة والغنية المكون من 20% من نفوس شعوب العالم والذي يهيمن على 80% من الثروات المنتجة في العالم، وعالم الدول النامية والمتخلفة والفقيرة المكون من 80% من نفوس شعوب العالم، ولا يحوز إلا على 20% من الثروات المنتجة في العالم. كما أن كل بلد من بلدان هذين العالمين تتوزع الثروة في مجتمعاتها بصورة غير عادلة ومجحفة، فئات قليلة غنية ومتخمة، وفئات كبيرة وكثيرة فقيرة ومحرومة. كما أن مكانة ودور البلدان النامية في التقسيم الدولي الرأسمالي للعمل وفي التجارة الخارجية، وخاصة الصادرات، ضعيفة جداً وغير متوازنة وغير متكافئة. وتلعب المؤسسات المالية الدولية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة الدولية الحرة دوراً سلبياً على اقتصاديات الدول النامية والتي يستوجب تغييره لصالح هذه البلدان.

 ** ويتبلور هذا الواقع في الفجوة الكبيرة جداً ليس في التباين الشديد والفجوة العميقة بين مستوى حصة الفرد الواحد من الدخل القومي في كل من هذين العالمين حسب، بل وبالأساس في مستوى تطور القوى المنتجة، وطبيعة علاقات الإنتاج السائدة في كل منها، ومستوى تقدم أو تخلف البحث العلمي واستخدام التقنيات الحديثة والتصنيع وتحديث الزراعة ومستوى التعليم والأمية…الخ، إضافة إلى أن التباين الشديد والمختل في تقسيم العمل على الصعيد العالمي.

 ** من هذا الواقع غير العادل ومن مستوى التخلف الحضاري وغياب التنوير الديني نشأ وتطور التعصب والتزمت والتطرف الديني، والذي نشأ عنه الإرهاب الديني وانجرار جماعات غير قليلة من البشر إليه، وخاصة في الدول التي أكثرية سكانها من المسلمين. حتى في الدول الريعية المالكة للنفط الخام أو موارد أولية استراتيجية أخرى يلاحظ وجود فجوة كبيرة جداً في الدخول السنوية، مما يسهم في إشاعة التعصب الديني وبروز حاد لظاهرة الإرهاب. ولا شك في أن هناك دولاً تمارس هي الإرهاب الفكري وتتنافس مع تلك القوى الإرهابية في سياساتها المنافية لحقوق الإنسان والحياة العامة والديمقراطية.

 ** إن السياسات التي تمارسها الدول الرأسمالية المتقدمة على الصعيد العالمي، والجموح الجشع لتحقيق المزيد من الأرباح على حساب الإنسان والطبيعة وتفاقم سياسات المضاربات المالية والفساد المالي المتعاظم على الصعيد العالمي، تؤدي إلى تفاقم حالة الإخلال بالقوانين الاقتصادية الموضوعية، والتي تنشأ عنها أزمات اقتصادية دورية وأزمات مالية واقتصادية عامة وشاملة على الصعيد الدولي، كما حصل في الأزمة المالية-العقارية، التي بدأت في العام 2008 بالولايات المتحدة وامتدت إلى العالم الرأسمالي كله، والتي ما تزال عواقبها فاعلة حتى الآن. مع واقع بروز إمكانيات أفضل للسيطرة على هذه الأزمات الدورية وغيرها دولياً بحكم واقع العولمة الجارية، ولكن عواقبها الشرسة تقع على عاتق كادحي الدول الرأسمالية المتقدمة ومنتجي الثروات والفقراء فيها أولاً، وعلى عاتق شعوب الدول النامية والكادحين فيها على نحو أخص. وهو ما عاشت في أجوائه شعوب العالم خلال السنين المنصرمة وما تزال مستمرة.

 ** إن العالم الرأسمالي الذي أُجبر في سنوات الحرب الباردة على المساومة مع الطبقة العاملة والفلاحين والمثقفين ومع فئات التكنوقراط، والتي تجلت في مكاسب جيدة تحققت لها في مجال تقليص ساعات وأيام العمل والأجور والضمان الصحي والاجتماعي وضمان الشيخوخة والعجز والعطل السنوية وتحسين ظروف العمل والسكن ومشاركة النقابات في الكثير من القضايا التي تمس العمل والعمال، فأن نهاية الحرب الباردة بين الدول الرأسمالية والدول الاشتراكية وانهيار النظم السياسية في الدول الأخيرة، قد أنهى روح الاستعداد للمساومة لدى أصحاب رؤوس الأموال إزاء مطالب العمال والمنتجين الآخرين والمثقفين، (عدا الفئات العليا من التكنوقراط)، وبدأت روح الجشع ورفض المساومة والإصرار على تحقيق أقصى الأرباح على حساب العمل الأجير. وهي سلبيات بدأت تبرز منذ العقد الأخير من القرن العشرين ولا تزال متواصلة في الواقع المعاش بشكل صارخ، كما سلبت الكثير من تلك المكاسب تدريجاً وعلى مراحل قصيرة خلال الفترة المذكورة، مما يجعل وضع المهمات الاجتماعية ضمن برامج حركة اليسار مهمة آنية وضرورية.

 ** ويمكن تشخيص جملة من الظواهر السلبية المتفاقمة في هذه المرحلة من تطور المجتمع البشري، منها بشكل خاص انتشار الفساد المالي والإداري في هذا العصر وتنامي عصابات الجريمة المنظمة في مجال المتاجرة بالمخدرات والجنس وغسيل الأموال وبأعضاء جسم الإنسان وتهريب البشر، إضافة إلى تفاقم الهجرة البشرية بسبب الحروب المحلية أو الإقليمية. وتزداد نسبة الجماعات البشرية التي تصبح ضحية لكل من هذه الممارسات وغيرها المخالفة لحقوق الإنسان.

 ** كما تتعرض المرأة في الكثير من بلدان العالم إلى الظلم والاضطهاد ومصادرة الحقوق وانعدام المساواة بين النساء والرجال، إضافة إلى تعرض الملايين من الأطفال إلى المزيد من الظلم والاضطهاد وفقدان الحقوق والعمل في سن الطفولة والصبا والمعاناة من سوء التغذية والجوع والحرمان من التعليم والحياة الثقافية.

 ** وتسجل إشكاليات الهروب من الحروب الأهلية والصراعات القبلية والتغيرات المناخية وتلوث البيئة والتصحر والانهيارات والجفاف والشحة والبطالة إلى حركة هجرة ولجوء واسعتين جداً في ما بين المناطق والأقاليم المختلفة والتي تشكل عبئاً ثقيلاً على البشر، وعلى المنظمات الدولية التي يفترض أن ترعى المهاجرين واللاجئين وغيرهم. وأخر المعلومات الدولية تشير إلى بلوغ العدد أكثر من 60 مليون إنسان هائم على وجهه في العالم.

**  وإزاء كل هذه المشكلات، كيف يمكن تنشيط المؤسسات الدولية مثل هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، والمحكمة الدولية في لاهاي، ومحكمة حقوق الإنسان، واليونسكو، واليونسيف، ومنظمات حقوق الإنسان والمجتمع المدني، والكثير من المنظمات الدولية، مثل منظمة العفو الدولية، ومراقبات حقوق الإنسان، ومنظمات حقوق الإنسان الإقليمية والمحلية الأخرى، لتلعب دورها، الذي خبا لفترة غير قصيرة وأصبح لصالح الدولة الأعظم، الولايات المتحدة الأمريكية، وعلى حساب دور ومكانة تلك المنظمات  والشعوب.

إن تشخيص هذه المشكلات على الصعيد العالمي من جهة، ومعرفة قدراتها في التأثير وتحريك الرأي العام العالمي والحكومات المختلفة بأساليب وأدوات نضالية تفرضها ظروف كل مجتمع من جهة أخرى، يساعدان الحركة اليسارية على صياغة المهمات الآنية على الصعيد العالمي لخوض النضال من أجل حلها لصالح الإنسان والتقدم الحضاري والخلاص من الاستغلال، إذ إن كل فقرة من الفقرات الواردة في أعلاه يفترض أن تصاغ في مهمة أو أكثر لتكون البوصلة والهدف، وهما يؤشران طريق النضال على الصعيد العالمي.

كما أن الربط العضوي في ما بين المشكلات الدولية والإقليمية والمشكلات المحلية سيسهم في وضع برنامج متكامل مرحلي لقوى اليسار بصورة مستقلة في كل بلد من البلدان بشكل ملموس ودقيق وقابل للتحقيق، إنه الضمانة لقوى حركة اليسار في الابتعاد عن الهروب إلى أمام أو النكوص إلى وراء.
إن لقاءات بين قوى اليسار في كل من القارات الخمس أو أقاليم فيها لتنشيط التبادل الفكري والتجربة المتراكمة والنقاش والتفاعل سيساعد على بلورة شعارات تعبر عن تلك المهمات على الصعد الإقليمية أيضاً، ومتابعة تنفيذها، وليس من أجل خلق وحدة شكلية في ما بينها، بل من أجل التنسيق والتنوير العام لمهمات النضال، في حين عليها ان تمارس مهماتها بصورة مستقلة مع ضمان تحقيق التضامن في ما بينها. كما عليها أن تستفيد من تجربة الأحزاب الشيوعية والعمالية التي شابها الكثير من الخلل وضعف الاستقلالية إزاء الحزب الشيوعي بالاتحاد السوفييتي سابقاً وفي علاقاتها ونشاطها الراهن والمستقبلي.

(3)

واقع ومهمات قوى اليسار في الدول العربية

 

تعرضت قوى حركة اليسار في منطقة الشرق الأوسط، والدول العربية على وجه الخصوص، إلى ضربات قاسية من لدن النظم السياسية التي تسود في بلدانها وبدعم مباشر وغير مباشر من الدول الرأسمالية المتقدمة. ففي هذه الدول سادت أو ما تزال تسود في غالبيتها نظم سياسية دكتاتورية وأخرى غير ديمقراطية، رغم البراقع البرلمانية المهلهلة التي تلتحف بها، ولكنها كانت وما تزال عاجزة عن ستر عوراتها الفاحشة بأي حال. فإلى جانب حملات الاعتقالات والسجون والتعذيب والقتل والاضطهاد والعقوبات الجماعية في جميع دول الشرق الأوسط دون استثناء، فأن بعضها القليل يكافح اليسار بأساليب وأدوات أخرى، تبدو وكأنها أخف وطأة، ولكنها تصل في المحصلة النهائية إلى ذات العواقب الوخيمة على قوى حركة اليسار. وقد تسنى لبعض النظم السياسية المستبدة أن تروض قوى اليسار وتدخلها تحت خيمتها الخانقة فكرياً وسياسياً واجتماعياً، ولم يبق لها من مضمون اليسار سوى اسمها المفرغ من المضمون، كما لم يبق لها حضور وجمهور يساندها أو يلتف حول شعاراتها.  وقد زاد في الطين بِلة ذلك الانهيار الزلزالي لنظم “اشتراكية” أو رأسمالية الدولة البيروقراطية، وما نشأ عنها من إحباط في أجواء قوى اليسار عموماً.

لم يكن صراع قوى اليسار في دول هذه المنطقة موجهاً ضد حكومات هذه الدول وسياساتها فحسب، بل كان الصراع موجهاً أيضاً ضد سياسات الدول الرأسمالية المتقدمة وشركاتها الاحتكارية التي فرضت هيمنتها على دول المنطقة بصور شتى، والتي كانت تضع قوى حركة اليسار إلى جانب الدول الاشتراكية، أو وكأنها تابعة لها كلية، وبالتالي كانت ترى ضرورة محاربتها لكي تحارب من خلال ذلك وجود الدول الاشتراكية أو الاتحاد السوفييتي فيها. وفي هذا ألحقت الحرب الباردة أضراراً فادحة بحركة اليسار وقواها السياسية ودورها الفكري والسياسي منذ النصف الثاني من القرن العشرين.

أين تكمن معاناة قوى اليسار بالدول العربية؟ أدرك تماماً حين أجيب عن هذا السؤال، إنه يعبر عن اجتهادي الشخصي المتواضع الذي يعبر عن مشاركتي وتجربتي الشخصية ومتابعتي على مدى بضع وستون سنة من جهة، وعن وجود تباين مع أراء أخرى غير قليلة، وإنها تحتمل الخطأ والصواب والتدقيق من جهة ثانية، ولكنها تهدف إلى المشاركة في تحقيق نهوض جديد وفعال ومؤثر لقوى الحركة اليسارية بالدول العربية، وعموم المنطقة من جهة ثالثة. وألخص تلك المعاناة باتجاهين: ذاتي وموضوعي:

الجانب الموضوعي:

  1. إن استمرار معاناة قوى اليسار ناشئ عن عوامل كامنة في طبيعة علاقات الإنتاج المتخلفة السائدة فيها وتخلف مستوى تطور القوى المنتجة المادية والبشرية، وفي الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي والتعليمي والثقافي لدول هذه المنطقة، إذ إنها لم تشهد حتى الآن عملية تنوير دينية واجتماعية، ولم تشهد نهضة فكرية ضرورية للخلاص من الجهل وأسس الغيبيات المشوِهة لفكر الإنسان ومنغصة عليه حياته. كما لم تتعرف على الحياة الديمقراطية وممارسة حقوق الإنسان، بل كل النظم التي نشأت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى الوقت الحاضر كانت وما زالت نظم سياسية غير ديمقراطية واستبدادية عسكرية أو حزبية أو حتى عشائرية وطائفية، وبالتالي لم تكن هذه الدول علمانية تفصل بين الدين والدولة، وبين الدين والسياسة، في نظمها السياسية، بل كانت باستمرار تدعي بأن دين الدولة هو الإسلام، في حين أن الدولة، أي دولة، ليست سوى شخصية معنوية لا دين ولا مذهب لها، إذ لا يمكن أن يكون لها دين أو مذهب بأي حال. وكانت قوى معينة تسيطر على الدولة باسم الدين وتساهم في الإساءة للمؤمنين بهذا الدين أو ذاك، ولأنها لم تستطع الخروج من التخلف الاقتصادي ومن العلاقات الإنتاجية المتخلفة التي تعيق عملية إعمال العقل والتطور الفكري للإنسان. كما إن إسرائيل، التي تدعي العلمانية بدون وجه حق، تعمل اليوم على فرض اعتبار إسرائيل دولة يهودية، وهو تراجع سلبي شديد، حتى من الناحية الشكلية، بسبب ادعائها الباطل بالعلمانية. وقوى اليسار الإسرائيلي تعاني من سياسات الحكومة اليمينية المتطرفة بإسرائيل.
  2. وفي هذه الدول لعب شيوخ الدين والفكر الديني والخطاب الديني دوره في الإساءة لقوى اليسار وتشويه مراميها ونضالها وبرامجها السياسية والاجتماعية، مما عقد على حركة اليسار تعزيز العلاقات الضرورية مع فئات المجتمع. إذ كان على قوى اليسار وأحزابها، أن تخوض النضال بحزم وصرامة ضد هذه القوى، وأن توضح موقفها من غالبية شيوخ الدين الذين يمارسون نهج تشويه وعي الإنسان وتزييفه. وإذ كانت هذه اللوحة قد برزت في فترات سابقة وقبل الحرب العالمية الثانية، إلا إنها قد تفاقمت في فترات لاحقة، وهي تلعب اليوم دوراً مريعاً ودموياً في عدد غير قليل من دول المنطقة وخاصة في أعقاب الثورة الإيرانية وهيمنة شيوخ الدين المتطرفين على الحكم بإيران، إضافة إلى شيوخ الدين الأكثر تطرفاً بالمملكة السعودية، وكذلك بالعراق والسودان أو غيرهما. كما لعبت القوى القومية الشوفينية، قوى البرجوازية الصغيرة اليمينية، ومنها قوى حزب البعث العربي الاشتراكي، بسياساتها الاستبدادية والشوفينية وممارساتها باسم العلمانية واليسار المشوه، وهي في الحكم أو خارجه، دورها في الإساءة لقوى اليسار وإلحاق أكبر الأذى بها والعمل على تحجيمها. وهو نفس الدور الذي بدأ به ووضعه كمهمة مباشرة منذ العام 1947/1948 ميشيل عفلق وصحبه، حين أسسوا حزب البعث ومنحوه مهمة مكافحة الشيوعية في الدول العربية على وفق تصريحات عفلق بالذات. 2
  3. إن النضال الطويل الذي خاضته الأحزاب الشيوعية وقوى اليسار الأخرى خلال العقود التي تتراوح بين خمسة وتسعة عقود منصرمة كان معقداً ومتشابكاً لأنه تداخل بين النضال ضد الهيمنة الاستعمارية وضد القوى الرجعية في البلاد، وأدى إلى ارتكاب جملة من الأخطاء السياسية والاجتماعية في مجال تحديد مهمات المرحلة، والقوى التي يهمها تحقيق تلك المهمات، وعلاقاتها العامة الداخلية والإقليمية والدولية، والتي استثمرت من جانب القوى المضادة لإجهاض حركة اليسار وتعريضها لأضرار كبيرة. وقد كان للمؤتمر التاسع عشر للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي، الذي عقد في العام 1952 بقيادة جوزيف ستالين، الذي تحدث فيه عن خيانة البرجوازية لمصالح الشعب والوطن في العالم الرأسمالي، والتي أمنت بها الأحزاب الشيوعية، ومنها دول في منطقة الشرق الأوسط وأعاقت عملية التحالف مع البرجوازية الوطنية. وكان لها الأثر السلبي الكبير على الوضع السياسي، ومنها بشكل خاص اتخاذ حزب تودة موقفاً سلبياً من حكومة وسياسة دكتور محمد مصدق على سبيل المثال لا الحصر، أو إصرار الأحزاب الشيوعية بالدول العربية على إقامة الجبهات الوطنية الموحدة بقيادتها وليس غير ذلك! يمكن بهذا الصدد مراجعة كتاب حسين محمد الشبيبي (صارم)، عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي، عن الجبهة الوطنية الموحدة طريقنا وواجبنا التاريخي، والذي كتب يوسف سلمان يوسف (فهد)، سكرتير عام الحزب الشيوعي العراقي، مقدمته وصدر في العام 1947/1948، 3 على سبيل المثال لا الحصر.
  4. إن غياب الديمقراطية بالدول العربية ومصادرة حقوق الإنسان وحقوق القوميات وإصدار قوانين تحارب وتسجن الشيوعيين والقوى اليسارية والديمقراطية عموماً أجبر الأحزاب الشيوعية والعمالية في أغلب الدول العربية إلى العمل في السر، وهذه الحالة قد أثرت بشكل سلبي على الحياة الديمقراطية في هذه الأحزاب. يشير الرفيق فهد في كراسه الموسوم “حزب شيوعي لا اشتراكية ديمقراطية بهذا الصدد بصواب، والذي صدر على شكل رسالة موجهة إلى الأخ مقدام، ما يلي:

“فالشيوعيون ليسوا من عشاق السراديب والسجون وليسوا ممن يرتاحون الى تعريض بيوتهم الى غارات الشرطة وإرهاب من فيها وأحيانا أخذهم رهائن – كما حصل في غارات حزيران المنصرم – وليسوا ممن يحبون رؤية وجه الجاسوس الذي يتبعهم كظلهم، ولكنهم يتحملون كل هذه وأكثر منها برغم أنف العدو الذي يحاول تهزيمهم من الميدان _ عن طيب خاطر لسبب يحلونه فوق ذواتهم وفوق بيوتهم، أنهم يعشقون مثلا أعلى في الحياة لطبقتهم وللبشرية أجمع، أنهم يكرهون عن وعي أعداء طبقتهم الواقفين حجر عثرة في طريق تقدم الانسانية.”4  

الجانب الذاتي:

  1. إن الواقع الاجتماعي والثقافي والظروف المعقدة التي مرّت بها الحركة اليسارية، وخاصة الحركة الشيوعية كجزء منها، قد أعاقت تطور المستوى الثقافي والمعرفي العام لدى الغالبية العظمى من قوى اليسار وعلى فهمها للماركسية وللواقع الذي تعيش فيه وتناضل من أجل تغييره. وانعكس ذلك على مستوى نضوج القيادة والكوادر والأعضاء وقدرتهم التحليلية، والتي بالرغم من ضعفها، كانت أعلى مستوى من الغالبية العظمى من السكان، خاصة وأن نسبة المثقفين في الحركة اليسارية كانت عالية حقاً ومن فئات البرجوازية الوطنية والبرجوازية الصغيرة بشكل عام. ومن المعروف للجميع بأن من يعمل، يرتكب في مسيرته بعض الأخطاء، وليس هذا بغريب ولا يشكل عيباً، إلا إن العيب حين تدرك هذه القوى أخطاءها ولا تسعى إلى تصحيحها، بل وتعيد ارتكابها بطريقة أخرى. ومع ذلك فأن قوى حركة اليسار لعبت دوراً مهماً وكبيراً في النضال من أجل انتزاع الاستقلال والسيادة الوطنية في مرحلة النضال ضد الاستعمار والهيمنة الأجنبية، وفي عملية التنوير الفكري والاجتماعي والسياسي، وفي انتزاع جملة من المكاسب للمنتجين والكادحين وللمرأة في مختلف الدول التي عملت فيها تلك القوى، بمن فيها وفي مقدمتها الأحزاب الشيوعية.
  2. لقد ارتكبت الأحزاب الشيوعية والكثير من قوى اليسار بالدول العربية خطأ كبيراً حين اعتقدت بأن عليها الالتزام بما يقرره الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي، باعتباره مركز وقائد الحركة الشيوعية العالمية، قائد الأممية الثالثة، حتى بعد أن تم حل الكومنترن في العام 1943. وكان الشعار السائد التعلم من الاتحاد السوفييتي وحزبه يعني تعلم تحقيق النصر“. وقد أدى هذا الواقع إلى سقوط الأحزاب الشيوعية في حالة مريرة من الجمود العقائدي وعدم إعمال العقل والمبادرة وانتظار المبادرة والرأي من الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي، دون أن يعوا هذه الحقيقة لإيمانهم المطلق بصواب قرارات الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفيتي والدولة السوفييتية. إن هذا الخطأ لا يتحمله الحزب الشيوعي السوفييتي وحده، بل الأحزاب الشيوعية في الدول العربية، وحيثما سارت على نفس النهج. وكلنا يتذكر كيف إن الكثير من القضايا الخلافية في الأحزاب الشيوعية في الدول العربية كانت ترفع إلى اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفييتي والعلماء السوفييت لإعطاء الرأي بها، كما حصل بالنسبة للخلافات داخل قيادة الحزب الشيوعي السوري مثلاً، والتي انتهت إلى انشقاق، ثم انشقاقات متتالية، أو الموقف من النقاشات التي دارت في الحزب الشيوعي العراقي حول برنامجه الوطني الذي قدم إلى المؤتمر الثالث في العام 1976. لقد انتهى مركز الحركة الشيوعية، الحزب الشيوعي السوفييتي، ولا يمكن ولا يجوز للحزب الشيوعي الروسي أن يلعب هذا الدور، ويفترض ألا يلعبه أي حزب شيوعي آخر مثل هذا الدور. إذ لا تحتاج الأحزاب الشيوعية بالدول العربية أو غيرها إلى مركز للحركة، بل هي وكل قوى اليسار الأخرى بحاجة إلى التشاور والتداول والنقاش في ما بينها أولاً، وإلى تضامنها في النضال من أجل أهدافها المشتركة ثانياً.
  3. إن التشرنق الفكري السابق أعاق تأمين وحدة القوى اليسارية أو تفاعلها المتبادل وتضامنها في النضال، وكان الصراع والاحتراب الداخلي والانشقاقات والاتهامات بالانحراف والانتهازية والخروج عن الماركسية – اللينينية هو سيد الموقف. والحراك السياسي الفعال، يفترض أن يكون قد انتهى، وأن تمارس الأحزاب الشيوعية وبقية القوى اليسارية التمعن بالمنهج المادي الديالكتيكي والمادي التاريخ ودراسة الواقع القائم والإمكانيات والحاجيات ليخرج كل منها إلى وضع استراتيج وتكتيك هذا الحزب أو ذاك دون وصاية من أحد أو تدخل في شؤونه.
  4. إن التغييرات التي تحتاجها قوى اليسار كلها تتجه صوب القواعد التي التزمت بها ومارستها وأخلت بالديمقراطية فيها والتي تجلت بشكل صارخ في حياة الأحزاب الداخلية وفي العلاقات مع الأعضاء ومع المؤيدين والجماهير الواسعة، ومنها المركزية الديمقراطية واسلوب ممارسة النقد والنقد الذاتي والطاعة الحزبية وما يطلق عليه بوحدة الإرادة والعمل وسبل تحقيقها…الخ.
  5. الخشية السابقة من خوض الصراع الفكري إزاء قوى الإسلام السياسي والفكر الديني والتشوهات التي أفسدت وعي الإنسان بالدول العربية، يفترض أن تنتهي وأن تعمل على مواجهة هذه القوى بطريقة ذكية وفاعلة ومحركة للعقل وفعله ونتائج هذا الفعل. إن الدعوة في المرحلة الراهنة يفترض أن تتوجه صوب إقامة المجتمع المدني الديمقراطي، المجتمع العلماني الفاصل بين الدين والدولة، وبين سلطات الدولة الثلاث، واستقلال القضاء، والتداول السلمي الديمقراطي للسلطة …الخ.

(4)

المهمات المباشرة لقوى اليسار بالدول العربية

1) إن المرحلة الراهنة تضع على عاتق قوى حركة اليسار في المنطقة، بما فيها الدول العربية، مهمات كبيرة وأساسية تتلخص في تشخيص النهج الذي مارسته قبل ذاك والسياسات التي التزمت بها وسعت إلى تحقيقها والأخطاء التي رافقتها، سواء أكان في تحديد استراتيجية النضال أم في تكتيكاته من جهة، ثم بلورة وتشخيص سمات المرحلة الراهنة ومهماتها من الناحية الاستراتيجية والتكتيكية والقوى الفاعلة فيها وأساليب وأدوات النضال ومضامين الخطاب السياسي الذي يراد له الوصول إلى فئات المجتمع من أجل تعبئتها للنضال في سبيل تحقيقها.

2) إن هذه الوجهة في العمل تتطلب عقد لقاءات واسعة بين قوى اليسار في كل دولة وفي منطقة الشرق الأوسط، ومنها الدول العربية، من أجل تحديد تلك المهمات على صعيد المنطقة، والتنسيق في ما بينها في النضال المشترك لصالح الأمن والاستقرار والسلام فيها، ولصالح تحقيق التقدم الاجتماعي في بلدانها، ومواجهة مخاطر الهيمنة الأجنبية والتدخل الفظ في شؤونها الداخلية من جانب حكومات الدول الأجنبية ودول المنطقة، إضافة إلى مواجهة مخاطر الدور الذي تمارسه القوى السياسية المتطرفة، سواء أكانت دينية متعصبة وإرهابية، كما يلاحظ اليوم في العديد من الدول العربية ودول المنطقة، أم الذي مارسته وما تزال تمارسه القوى القومية الشوفينية والمتطرفة أو العنصرية، سواء أكانت عربية أم فارسية أم تركية أم قومية صهيونية بإسرائيل.

  1. إن الدول الرأسمالية المتقدمة واحتكاراتها النفطية، وخاصة في الولايات المتحدة الأمريكية، مصممة وأكثر من أي وقت مضى، على الهيمنة الكاملة على نفط الشرق الأوسط باحتياطه الذي يتراوح بين 65-70% من الاحتياطي النفطي العالمي وعلى أسعاره وتسويقه. ولم يكن ما صرحت به كونداليزا رايس حول تمرير “الفوضى الخلاقة” في الشرق الأوسط، سوى الأداة الجديدة لفرض الهيمنة، بعد تحقيق الصدمة الكبرى في شعوب هذه البلدان، وهو ما يجري اليوم تحقيقه على هذه الساحة من العالم.

4) إن التجارب الغنية التي مرّت بها شعوب الدول العربية في العام 2011 وما بعده، وفي أعقاب الانتفاضات الشعبية في أكثر من دولة عربية، والتي أطلق عليها بـ “الربيع العربي”، يفترض أن تساعد على تشخيص مواطن الضعف والخلل التي رافقت هذه الانتفاضات، وضعف دور ونشاط قوى اليسار والأحزاب الشيوعية فيها. لقد تحولت تلك الانتفاضات في واقع الحال ضد مصالح الشعوب وإراداتها، فيما عدا تونس، ولا بد من دراسة سبل الخلاص من هذا الواقع الجديد، والأساليب والأدوات النضالية الضرورية والجديدة لتجاوز النكسة العميقة الحالية التي أصيبت بها حركة الجماهير الشعبية لتداركها مستقبلاً. إن عوامل ونتائج تلك الانتفاضات لم تنته بعد، وهي في تفاعل مستمر في عمق المجتمعات بالدول العربية ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وسنشهد ذلك في فترات متباينة لاحقاً.     

5) تعاني دول المنطقة من إشكاليات كبيرة وفيها الكثير من البراميل المليئة بالبارود التي يمكن أن تنفجر في كل لحظة، والتي يمكن أن تتسبب في المزيد من الحروب الإقليمية والموت والدمار وزيادة التخلف وتشديد البؤس والفاقة فيها. فأمامنا يبرز الوجود الأجنبي الواسع النطاق على شكل قواعد وقوات أجنبية وترسانات لمختلف أنواع الأسلحة الهجومية والدفاعية، والتي يمكن أن تعتبر مناطق للصراع والنزاع العسكري بين الدول. كما أن سياسات الدول الاستبدادية وغير الديمقراطية والعدوانية يمكنها أن تخلق بؤراً جديدة للتدخل العسكري الخارجي كما حصل في العراق، حيث قدم النظام الفاشي البعثي الصدامي كل المبررات لحرب الخليج الثالثة، بعد أن خاض حربان غزا فيهما إيران والكويت، وخاض النظام حرباً داخلية ضد الشعب الكردي، مارس فيها الأسلحة الكيماوية والإبادة الجماعية، وحروب أخرى ضد الكرد الفيلية ووسط العراق وجنوبه وجفيف الأهوار، وسمح لأن يقع العراق تحت الاحتلال الأمريكي – البريطاني، على وفق قرار مجلس الأمن الدولي غير السليم، بالرغم من عدم موافقة المجلس قبل ذاك على تلك الحرب ضد العراق. وكذلك التدخل العسكري للسعودية ودول الخليج بالبحرين، وتدخل التحالف السعودي العربي في حرب عدوانية ضد اليمن، والتدخل الإيراني الفظ في الحرب الجارية باليمن، أو التدخل الفظ للدول الكبرى والدول المجاورة لسوريا، تركيا والسعودية وقطر وقوى خليجية أخرى، في حرب دموية منذ خمس سنوات ضد الشعب السوري، وأصبح الشعب بين مطرقتي النظام والمعارضة والدول المجاورة والدولية، أو ما يجري من نزاع دموي بليبيا. من هنا فأن واجب الشعوب والقوى الوطنية، والقوى اليسارية على وجه التحديد، في هذه المنطقة، ان تعمل جاهدة على إقامة الجبهات الوطنية والتحالفات الديمقراطية لمنع نظمها السياسية من ممارسة سياسات التدخل والعدوان، ومناهضة الديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق القوميات، التي قادت وتقود إلى عواقب وخيمة. كما تبرز المشكلة الفلسطينية بشكل صارخ ويومي في حياة سكان المنطقة والعالم، وهي التي يقترب عمر المشكلة من سبعة عقود، والتي تفاقمت عبر السنين، بسبب الحروب والاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية في الضفة الغربية، ومنها القدس الشرقية، والجولان السوري ومزارع شبعا في لبنان، والمشكلة الكردية وحرمان الشعب الكردي في كل من تركيا وإيران وسوريا من حقوقه القومية المشروعة والعادلة وحقه المشروع في تقرير مصيره بنفسه...الخ.

6) ونتيجة لهذا الواقع تواجه المنطقة سباقاً متواصلاً للتسلح وإقامة ترسانات للسلاح الذي يتقادم باستمرار ويتجدد بأجيال جديدة تكلف خزائن هذه الدول المليارات من الدولارات الأمريكية، التي كان وما يزال يفترض أن توجه لتغيير أوضاعها الاقتصادية واجتماعية الثقافية المزرية. والرابح الوحيد من سباق التسلح في هذه المنطقة وفي العالم هي الشركات المنتجة للسلاح والموت والخراب في كل من الولايات المتحدة الأمريكية والمانيا وروسيا وفرنسا وبريطانيا والنمسا وغيرها من الدول المنتجة والمصدرة للسلاح ومعه الموت والدمار. ومثل هذا التسلح يأتي على حساب توجيه الموارد المالية صوب التنمية الاقتصادية والبشرية وإبقاء الدول تابعة ومكشوفة على الخارج.

7) كما تواجه بعض الدول العربية وبعض دول المنطقة تصاعداً في مسألتين خطرتين على النسيج الوطني والهوية الوطنية لشعوب هذه الدول، وأعني بهما:

أ) التمييز الديني ضد أتباع الديانات الأخرى غير الإسلام، كما هو الحال في العراق وإيران ومصر والسودان على سبيل المثال لا الحصر،

ب) التمييز الطائفي السياسي كما هو الحال في كل من إيران والعراق ولبنان والسعودية مثلاً.
وتغيب في مثل هذه الدول هوية الوطن والمواطنة وتبرز في مكانها الهوية الدينية والطائفية السياسية المقيتة التي يمكنها أن تمزق النسيج الوطني لكل دولة في كل لحظة، وتتسبب في موت الكثير من البشر، كما حصل بلبنان، أو كما حصل وما يزال يحصل اليوم بالعراق، وكما هو عليه الحال في إيران مثلاً.

8) وتواجه دول المنطقة العديد من المشكلات الاقتصادية والاجتماعية الكبيرة والخانقة، رغم الغنى الذي تتمتع به بعض دولها، بسبب توفر النفط الخام والغاز الطبيعي وموارد أولية أخرى، التي لم تستخدم بصورة عقلانية واقتصادية لصالح شعوب هذه البلدان. ففي هذه المنطقة الغنية في أغلبها نلاحظ تفاقم الفجوة بين الفقراء الجياع إلى حد الموت، والأغنياء المتخمين حقاً إلى حد الاختناق، بسبب النظام السياسي القائم والتوزيع وإعادة التوزيع والاستخدام غير العادل وغير السليم للثروة الوطنية والدخل القومي، إضافة إلى تخلفها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي العام وتفاقم حجم البطالة فيها، وما ينجم عن هذه الظواهر من مواقد ساخنة قابلة للانفجار وأرضية صالحة لنمو التطرف والإرهاب والموت والدمار.

9) وتعاني دول المنطقة من مشكلتين أخريين تتسببان دوماً في تفريخ مشاكل أخرى، وأعني بهما:

أ. مشاكل الحدود والمطالبات بالأرض فيما بين الدول المتجاورة، أو بالدولة الواحدة، خاصة وأن أراضي هذه البلدان مليئة بالموارد الأولية، خاصة النفط الخام والغاز، وتعاني من عواقب اتفاقية سايكس- بيكو.

ب. مشكلة سوء توزيع مياه الأنهر وشحة وصولها إلى عدد من الدول التي تمر بها، كما في حالة العلاقة بين تركيا وسوريا والعراق أو إيران والعراق، أو مشكلات المياه بين الأردن وفلسطين ولبنان وإسرائيل. إن المرحلة القادمة يمكن أن تتسبب مشكلة المياه في نشوء صراعات حادة وإلى نزاعات يصعب تقدير عواقبها على شعوب هذه المنطقة.

10) إن واحدة من أكبر مشكلات المنطقة تبرز في غياب ثقافة الحوار السلمي والديمقراطي والتهديد المستمر باستخدام القوة والعنف والتهديد بالحرب لمعالجة المشكلات القائمة. إن أغلب بلدان المنطقة قد مارست، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى الآن، سياسات وعلاقات إقليمية قائمة على مضمون ما جاء في بيت الشعر العربي القائل:

السيف أصدق أنباء من الكتب                    في حده الحد بين الجد واللعب

وقد تسببت ذهنية القوة والعنف والادعاء بامتلاك الحقيقة كلها والحق كله، خلال العقود المنصرمة، بموت ما يزيد عن ثلاثة ملايين نسمة، سواء عبر الحروب أم عواقبها على الإنسان في المنطقة، وإلى تشريد وتهجير ملايين أخرى في الشتات الدولي، وإلى خسائر مالية تقدر بآلاف المليارات من الدولارات الأمريكية. إذ علينا أن نتذكر الحروب الفلسطينية والعربية الإسرائيلية والحروب العراقية الداخلية والخارجية وحرب السودان والحرب اليمينية والحرب الأهلية في لبنان وحروب دول شمال أفريقيا… الخ.

والمشكلة الكبرى التي تعيش في ظلها جميع دول المنطقة تقريباً تبرز في البرجوازيات الوطنية وفئات البرجوازية الصغيرة التي تسلمت الحكم بالدول العربية عجزت عن تحقيق عملية التنمية والتخلص من العلاقات الإنتاجية ما قبل الرأسمالية وتحقيق الإصلاح الزراعية والتنمية الصناعية واستثمار مواردها المالية النفطية وغير النفطية لتطوير القوى المنتجة, وبالتالي بقيت اقتصاداتها الوطنية متخلفة ومشوهة البنية، اقتصادات ريعية في الغالب الأعم واستهلاكية، وهي بالتالي كانت وما تزال عاجزة عن إشباع حاجات سكانها بالسلع الاستهلاكية المحلية ومجبرة على الاستيراد والانكشاف الشديد على الخارج استيراداً وتصديراً للمواد الأولية من جهة، وعاجزة  عن توفير الحد الأدنى الضروري من الأمن الغذائي والاقتصادي للمرحلة الراهنة وللمستقبل. إن استمر اقتصاد هذه الدول على الحالة هذه الحالة مع استمرار التطور بالدول الرأسمالية المتقدمة، سيوسع الفجوة القائمة حالياً بين هاتين المجموعتين من الدول في غير صالح الدول العربية، خاصة وإن الثورة العلمية والتقنية حاصلة في الدول الرأسمالية المتقدمة، وهي التي تستفيد مباشرة من منجزاتها المتعاظمة. إن التطور الهائل في العالم يسمح بتسريع عملية النمو والتطور في دول المنطقة ويخفف من أعباء المنتجين بسبب التقنيات الحديثة، ولكنه في ظروف الدول النامية، ومنها الدول العربية يدفع بالكثير من العمال إلى جيش العاطلين عن العمل. إن إيجاد الموازنة بين التقنيات والتشغيل يرتبط بطبيعة الحكومات في الدول العربية وسياساتها الاقتصادية والاجتماعية، وهي كلها تقريباً عاجزة عن أن تمارس سياسة لصالح شعوبها.

إن عملية تغيير البنية الاقتصادية، تستوجب تغيير علاقات الإنتاج ومستوى القوى المنتجة البشرية والمادية، وهي القادرة بدورها على إجراء تغيير في البنية الاجتماعية، في البنية الطبقية للمجتمع، وبدورها تساهم في تغيير بنية الوعي الفردي والجمعي، وفي تحقيق التنوير الديني والاجتماعي. وهي واحدة من أثقل وأعقد وأكثر المهمات إلحاحاً لشعوب دول منطقة الشرق الأوسط. ويفترض أن نضع حداً للصراع حول دور كل من القطاعات الاقتصادية الحكومية والخاصة والمختلطة، إذ أنها جميعاً مطلوبة في دول المنطقة وضرورة التنسيق والتعاون والتكامل في ما بينها لصالح تعجيل التنمية والتطور الاقتصادي والاجتماعي، ولا يجوز خلق صراع في ما بينها غير مناسب وغير ضروري. كما أن هذه الدول بحاجة إلى رؤوس الأموال الأجنبية التي يفترض أن توظف في المواقع أو الفروع والقطاعات الاقتصادية المناسبة التي تخدم التقدم الاقتصادي وتحقق الفائدة للاقتصاد الوطني ولكنها تحقق في ذات الوقت الربح المناسب لأصحاب رؤوس الأموال الأجنبية.

لم تكن قوى اليسار مسؤولة عن هذه الحالة التي عاشت فيها شعوب دول المنطقة والتي لا تزال سائدة فيها. وبالتالي فهي وشعوب المنطقة غير مسؤولة عن ذلك من حيث المبدأ وغير محملة باردان وذنوب هذه السياسات، وإنها كانت مع شعوبها ضمن ضحايا تلك السياسات وعواقبها، وبالتالي فهي القادرة، ضمن قوى وطنية أخرى، على طرح برنامج سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي وبيئي وعسكري متوازن وسليم يسمح بابتعاد شعوب هذه الدول عن الحروب في حل المعضلات وعن سباق التسلح وعن التجويع المتواصل للفقراء والمحرومين الخ ودعم بناء دولة ديمقراطية دستورية حديثة، دولة مدنية وعلمانية تلتزم بالتداول الديمقراطي السلمي للسلطة عبر البرلمان وتستند إلى الفصل بين السلطات واحترام القضاء والسلطة الرابعة، أي احترام والتزام مبدأ حرية الإعلام والتنظيم والنشر …الخ من حقوق للإنسان وحقوق للقوميات وحقوق للمرأة ومساواتها اللازمة مع الرجل. كما إن برنامجاً علمياً وعملياً يسمح بتعبئة فئات الشعب حوله للنضال من أجل تحقيق المهمات الواردة فيه والتي يفترض أن تعبر عن مصالح مختلف فئات الشعب وتشكل القاسم المشترك لها.

إن هذا الواقع يفرض على قوى اليسار وأحزابها مسؤولية صياغة المهمات المباشرة لهذه المرحلة على الصعيد الإقليمي بما يتفق مع مصالح شعوب هذه المنطقة، ويسمح بتحقيق التنسيق والتضامن والتفاعل والتلاقح السياسي والاجتماعي والثقافي فيما بين شعوبها. وهي مهمة ليست سهلة، ولكن النضال من أجلها أم ملزم ونبيل ومشرف للجميع كما إن ذلك يسمح بصياغة المهمات الوطنية لقوى اليسار في كل بلد منها على وفق ظروفها ومعطياتها ومصالح شعبها.

والخلاصة فإن اجتماعاً عاماً يعقد لقوى اليسار في كل دولة، ومن ثم فيما بين قوى اليسار بالدول العربية ودول منطقة الشرق الأوسط دون قيود أو شروط مسبقة، مع تكليف طرف أو أكثر منها لصياغة ورقة عمل تطرح للنقاش وتتضمن القضايا الخمس المشار إليها سابقاً، أي:

  1. تقييم المرحلة المنصرمة واستخلاص دروس التجارب النضالية؛
  2. تحديد طبيعة المرحلة الراهنة ومهماتها بشكل موضوعي وعلمي وعملي قابل للتحقيق؛
  3. تحديد القوى الاجتماعية والسياسية ذات الاهتمام بتحقيق مهمات المرحلة الحالية، مع رؤية آفاقية؛
  4. تحديد أساليب وأدوات النضال من أجل تحقيق تلك الأهداف والدفع بها إلى أمام؛
  5. بلورة خطوات التنسيق والتضامن في ما بين قوى اليسار والقوى الوطنية الأخرى على صعيد المنطقة.
  6. دراسة مدى إمكانية توحيد قوى اليسار في حزب ديمقراطي يساري واحد، أو تحقيق التحالفات في ما بين قوى اليسار، مع أهمية أن يدرس كل حزب شيوعي أهمية إعادة النظر باسمه لا حباً في تغيير الاسم، بل إدراكاً لطبيعة ومهمات المرحلة التي يفترض ان تنسجم مع اسم الحزب.

الهوامش

[1] صموئيل هنتكتون، صدام الحضارات.

2 ميشيل عفلق، في سبيل البعث، البعث العربي والانقلاب، دار المعرفة، 1953. ص5.

ميشيل عفلق، في سبيل البعث، موقفنا من الشيوعية، المصدر السابق نفسه ص 63.

ميشيل عفلق, نضال البعث، الجزء الأول، ص 88.

3 حسين محمد الشبيبي، الجبهة الوطنية الموحدة طريقنا وواجبنا التاريخي، مطبعة الشعب-بغداد. دو تاريخ. ولكن بحدود عام 1947/1948.  

4 فهد، يوسف سلمان يوسف، كتابات الرفيق فهد، من وثائق الحزب الشيوعي العراقي، الطريق الجديد-بغداد، دار الفارابي – بيروت، حزيران 1976. ص 67/68.

...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *